إبادة حلب…هل هي النهاية أم البداية؟

الرئيسية » بصائر الفكر » إبادة حلب…هل هي النهاية أم البداية؟

لقد واجهت الأمة ابتلاءات ومصائب تترى على مدار التاريخ، ومرت بفترات ضعف قدمت فيها أثمانا غالية من أبنائها في مواجهة الأعداء الذين تميزوا بالشراسة والهمجية.

فمن التتار إلى الصليبيين إلى الاستعمار الحديث كانت فيها النتيجة دائماً رد المعتدين وسحق المهاجمين ولو بعد حين، حتى في الحالات التي مكث فيها المعتدي في ديار الإسلام ردحاً من الزمن إلا أنه لم يهنّا أبدا حيث كان يواجه بالثورات والمقاومة منذ أن تطا أقدام غزاته أرض الإسلام المباركة.

ولقد كانت الشام دائماً حجر الرحى في دفع المعتدي وحشد الأمة لمقاومته ، وهي في ذلك تحقق نبوءة سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم التي أخبر فيها أن الله قد تكفل له بالشام وأهله في الوقت الذي لم تكن الشام بأيدي المسلمين، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي، فنظرت فإذا هو نور ساطع عُمد به إلى الشام، ألا إن الأيمان إذا وقعت الفتن بالشام" (حديث صحيح رواه الحاكم وغيره).

و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيصير الأمر إلى أن تكونوا جنودا مجندة، جند بالشام وجند باليمن وجند بالعراق". قال ابن حوالة: خر لي يارسول الله إن أدركت ذلك، فقال:"عليك بالشام فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبى إليها خيرته من عباده، فأما إن أبيتم فعليكم بيمنكم، واسقوا من غُدُركم (الغدر: بضم الغين وضم الدال جمع غدير)، فإن الله توكل لي بالشام وأهله" (حديث صحيح، رواه أحمد وأبو داود وآخرون)

إن موقع الشام الجغرافي جعلها مطمع الممالك المتنفذة على مدار التاريخ ، وقد شهدت ملاحم الإسلام مع الأعداء، وكان الحسم معهم في الشام، ومن ذلك التتار الذين اجتاح جيشهم بقيادة هولاكو مدن الشام وكان منها حلب التي أبيد أهلها عن بكرة أبيهم عام 657ه الموافق 1260م، ومما يذكر في ذلك التاريخ أن هولاكو وجد مقاومة شديدة من أهل المدينة مما اضطره إلى رفع الحصار عنها، لكنه عاد فحاصرها مرة أخرى خوفاً على سمعة جيشه الذي لا يقهر، ولكن هذه المرة بنى أسوارا عالية حولها، ونصب عليها المنجنيق، وقصف أسوار المدينة حتى هدمها، ثم اجتاحها وأباحها لجنوده سبعة أيام، فقتلوا أهلها وسبوا نساءها وأطفالها، ونهبوا قصورها وبيوتها ومتاجرها، ونشروا الخراب في كل أرجائها، وقبل أن يغادروا المدينة تركوها شعلة من اللهب والدخان..، لكن تحرير المدينة لم يطل فقد جاء بعد ثمانية أشهر فقط بعد هزيمة التتار على يد المظفر قطز حاكم مصر الذي طاردهم حتى أخرجهم من كل مدن الشام.

وستشهد حلب وأرض الشام ملحمة في آخر الزمان هي الملحمة الكبرى يلتقي فيها المسلمون والروم يقتتلان مقتلة عظيمة، وتكون الغلبة فيها في النهاية للمسلمين، وهي الممهدة لفتح القسطنطينية (إسطنبول) وروما حيث تفتتح إسطنبول بغير قتال؛ لأنها ستكون محتلة وأهلها مسلمون بعكس الفتح الأول على يد محمد الفاتح.

معركة حلب ليست الآخرة وليست الأولى، وخسارتها اليوم قد تكون الممهدة لنصر الغد إذا أحسنا التعامل مع الأحداث واستخلاص العبر

نذكر هذه التفاصيل ليس لندغدغ المشاعر، ولا لننام عن العمل، ونتكل على النبوءات، بل لنرفع المعنويات، ونضع الأمور في نصابها، ولتتجه الجهود إلى مزيد من الصمود. فمعركة حلب ليست الآخرة وليست الأولى، وخسارتها اليوم قد تكون الممهدة لنصر الغد إذا أحسنا التعامل مع الأحداث واستخلاص العبر.

لم يكن الباطنيون ليحققوا نصرا بدون خيانة أو تحالف مع أعداء المسلمين، هكذا كانوا على مدار التاريخ، ونصرتهم اليوم لطاغية الشام كان بتحالف مع القوة الثانية في الأرض ألا وهي روسيا، وبتآمر من القوة الأولى ألا وهي أميركا.

لقد حوصر المقاومون في حلب أربع سنين، عانوا خلالها الأمرين من توفير متطلبات الحياة للمحاصرين من المدنيين، ومن مواجهة غارات طائرات النظام وبراميله المتفجرة التي لم تترك حجرا على حجر في هذه المدينة المصابرة، وها هم اليوم يموتون تحت الأنقاض في قصف همجي للطائرات الروسية، ولم يعد هناك ما ينجدهم أو يعالج جروحهم وإصاباتهم.

إن نتيجة معركة حلب كانت صادمة للكثيرين، لكنها كشفت عن حقائق لا بد من التعامل معها لتحقيق النصر ومعاودة الكرة في مقارعة الطغيان  ومن أهمها هذه الحقائق:

1-التآمر على حلب كان من الجميع، وكان هناك قرار غير معلن بإنهاء المقاومة فيها، ولن تغرّنا دموع التماسيح التي يذرفها الغرب على المدنيين ومعاناتهم .

2-جمعت إيران رافضة العالم لخوض هذه المعركة الفاصلة من أفغانستان وباكستان والعراق ولبنان، ودفعت بأعظم مستشاريها العسكريين لتنظيم المعركة، وقدمت المليارات من الأموال لدعم الجهد الحربي، واستقطاب المرتزقة، في الوقت الذي قدمت فيه الدول السنية على خجل بضع المئات من الملايين لشراء أسلحة للمقاومين، وجبنت عن تقديم أسلحة مقاومة الطيران؛ لأن الأوامر الغربية تمنع ذلك.

3-لم ينجد الثوار في بقية مدن الشام إخوانهم المحاصرين في حلب، بل لم يقوموا على الأقل بإشغال جيش النظام في مناطق أخرى في غوطة دمشق أو في درعا أو غيرها من أماكن تواجدهم.

4-لم يكن الثوار في حلب على توافق كامل، ناهيك أن تكون لهم قيادة موحدة، مما أضعف موقفهم وأوهن عزائمهم .

5-وجود جهد حربي سلبي ضد المجاهدين من تنظيم داعش الذي قاتل الثوار وطردهم من عدة قرى حول حلب، وكان جهده دائما يتماهى مع تحركات جيش النظام السوري.

هذه بعض الحقائق التي أدت إلى الوصول إلى مأساة حلب التي نرجو الله تعالى أن لا تتكرر، وأن ينهض المقاومون مرة أخرى ليذيقوا أعداء الإسلام مرارة الهزيمة، وأن ييسر الله تعالى من الأسباب في تطورات الأحداث ما يجمع شمل الأمة، ويوحد جهودها لدفع الاعتداءات على مدننا وأراضينا.

من الملاحظ أن تداول صور المآسي في حلب وإشاعة أن نسائها تغتصب قد بث الرعب والخوف، وأورث الكثيرين اليأس والقنوط مما وصلت إليه أحوال الأمة

و من الملاحظ أن تداول صور المآسي في حلب وإشاعة أن نسائها تغتصب قد بث الرعب والخوف، وأورث الكثيرين اليأس والقنوط مما وصلت إليه أحوال الأمة، مخالفين بذلك هدي النبي صلى الله عليه وسلم: "من قال هلك الناس فقد أهلكهم" (رواه مسلم).

ومن الملاحظ أن مدن وحواضر الإسلام تدمر بشكل منهجي؛ حتى تفقد الأمة الأمل وتقعد عن العمل للنهضة المنشودة، فمن بغداد إلى الموصل إلى صنعاء إلى طرابلس إلى مدن الشام أصبحت كلها خراباً في خراب فلماذا هذه المنهجية؟

إذا رجعنا إلى أربع سنوات مضت، نجد أن الأمة كانت قد استعادت الوعي، وأخذ شبابها بزمام الأمور في ما سمي آنذاك بالربيع العربي الذي عصفت أحداثه بمعظم دول المنطقة، واليوم يراد لنا أن نصاب بالإحباط لما آلت اليه الأمور في بلدان الربيع العربي ، حيث أحبطت الثورات وأخمدت المظاهرات، بل دمرت البلاد في كل من اليمن وسوريا ومصر وليبيا في مؤامرة واضحة لإحباط كل سعي للإصلاح أو التغيير، ولتكريس الواقع القائم، والأنظمة المتسلطة، والزعامات المتحكمة.

 النفوس التي تاقت إلى الحرية والعدالة يوماً لن تخمد إلى الأبد، بل ستعاود الكرة، وهذه المرة لن يكون بالإمكان استيعابها أو دحرها؛ لأنها ناتجة عن الإحباط واليأس، مما ينذر بعواصف تأخذ في طريقها كل شيء

ولكن النفوس التي تاقت إلى الحرية والعدالة يوماً لن تخمد إلى الأبد، بل ستعاود الكرة، وهذه المرة لن يكون بالإمكان استيعابها أو دحرها؛ لأنها ناتجة عن الإحباط واليأس، مما ينذر بعواصف تأخذ في طريقها كل شيء، لكنها لن تضيف دماراً أو خسارة لما نحن فيه، فلن يكون بالإمكان أسوا مما كان، ولعل الأمة بعد هذه العواصف تتبين وقع أقدامها، وتمضي نحو طريق نصرها، وتواجه مكر الأعداء وتبني النهضة المنشودة التي أخبر عنها الصادق المصدوق بقوله: "ثم تكون خلافة على منهاج النبوة" (حديث حسن رواه أحمد وغيره) وهل هناك من عدل أو خير أعظم من حضارة تقام على منهاج النبوة؟

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
حاصل على الدكتوراه في التربية، ومدرب معتمد في التنمية البشرية وبرامج تربية الأطفال. عضو مجلس إدارة جمعية المحافظة على القرآن الكريم في الأردن، ولديه خبرة طويلة في العمل الاجتماعي والإغاثي.

شاهد أيضاً

قضية “التداول الحضاري” في الإسلام.. بين توجيه القرآن وعجز أصحابه المعاصرين

منذ نحو قرنَيْن من الزمان، دخلت الأمة المسلمة مرحلة من الركود الحضاري، تلتها حالة من …