الإسلاميون وإشكاليات الحكم في العالم العربي.. بيئة غير مهيأة بعد!

الرئيسية » بصائر الفكر » الإسلاميون وإشكاليات الحكم في العالم العربي.. بيئة غير مهيأة بعد!
ikhwan5

تُعتبر المراجعات إحدى أهم أسباب النجاح، ولاسيما فيما يتعلق بدراسة أسباب فشل بعض التجارب، وهو كلام من نافلة القول والبديهيات المعمول بها في أي كيان مؤسسي منظَّم، يسعى إلى تحقيق إنجازات في المجال الذي ينشط فيه.

ولعل الأزمات الراهنة التي يواجهها المشروع الإسلامي، وجماعات الإسلام السياسي التي تتصدر المشهد، هي أكثر الأطراف حاجة لدراسة المشهد الراهن، وتطورات العقود الماضية من العمل السياسي والاجتماعي، من أجل فحص الأسباب التي أدت إلى التراجع الحالي لها، وفشل تجربة الحكم في أكثر من بلد عربي.

وتُعتبر جماعة "الإخوان المسلمون"، على اختلاف الأحزاب والتنظيمات القُطْرية التي تنتمي إليها، على رأس القائمة، بعد سلسلة من التراجعات التي حصلت لها، ولاسيما في بلدان ثورات الربيع العربي، مثل مصر وتونس، ووصل الأمر بها إما إلى الانقسام، كما في مصر والأردن، أو الخروج من معادلة الحكم بالكامل، كما حدث في مصر بعد انقلاب يوليو 2013م، أو القبول بشكل من أشكال الشراكة السياسية التي أدت إلى تغيير في بنيتها ومواقفها، مما فتَّ في عضُد مصداقيتها، وقبول خطابها الإسلامي بمحتواه الشامل والمبدئي، لدى الجمهور.

ويكفي هنا أن نشير إلى بعض نماذج الحالة، بقطع النظر عن تفسيراتها، واختلافنا أو اتفاقنا مع المبررات التي طرحت لها، وإن كان لها أهمية في صدد التأكيد على الرسائل الأساسية التي نريد توضيحها هذا الموضع.

النموذج الأول، يتعلق باعتراف مجلس الشعب الذي تم انتخابه في مصر بعد الثورة في العام 2012م، وكان الإخوان المسلمون والإسلاميون بمختلف أطيافهم هم القوى المهيمنة عليه، باتفاقيات السلام الموقَّعة بين مصر وبين الكيان الصهيوني.

وكان ذلك في حينه أحد أهم المماحكات التي لجأ إليها خصوم الإسلاميين من أجل التشهير بهم، والزعم أن أجندتهم وهم في الحكم، تختلف عن "الشعارات" التي رفعوها قبل وصولهم إلى الحكم، وأنهم غير ملتزمون بالخطاب القيمي الذي يطرحونه، وخصوصًا في المجال السياسي.

النموذج الثاني، يخص تصريح السيد راشد الغنوشي، رئيس حركة "النهضة" التونسية، بشأن الشهيد التونسي محمد الزواري، أحد الجنود الأخفياء لكتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، بعد اغتياله في الخامس عشر من ديسمبر 2016م، عندما نفى الغنوشي أن تكون الحركة على علم بما كان يقوم به الزواري، أو أن يكون أحد أعضائها، ودفاعه عن أداء الحكومة التي تشارك فيها "النهضة"، في قضية اغتيال الزواري، بعد اتهام "الموساد" الإسرائيلي من أكثر من طرف، بالتورط في هذه الجريمة.

حديث الغنوشي عن الشهيد الزواري كان محل انتقاد الكثيرين، وهو يتفق مع إعلان فصل الحركة للدعوي عن السياسي، وهو ما يعني أن مختلف مواقفها، سوف يتم رسمها بناء على أنها حركة سياسية تونسية

حديث الغنوشي كان محل انتقاد الكثيرين، ولسنا هنا في معرض مناقشة هذه الانتقادات أو تأييد هذا الرأي أو ذاك، ولكنه للتوضيح؛ يتفق تمامًا مع المراجعات الأخيرة التي أجرتها حركة "النهضة"، في المؤتمر العاشر لمجلس الشورى العام لها، قبل عدة أشهر، والذي أعلن فصل الحركة للدعوي عن السياسي، وهو ما يعني أن مختلف مواقفها، سوف يتم رسمها وإعلانها بناء على أنها حركة سياسية تونسية، وتشارك في مؤسسات الحكم التشريعية والتنفيذية بهذه الصفة، بعيدًا عن أية تأثيرات أممية يفرضها الانتماء الإسلامي.

النموذجان يرتبطان بما نريد أن نناقشه في هذا الموضِع، وهو ضغوط السلطة والحكم على الإسلاميين متى وصلوا إلى أي موقع من مواقع صناعة القرار الرسمي، وكيف أن هذا الأمر يطرح إشكاليات عدة حول هذه القضية، وعلى رأسها إشكالية البيئة غير المهيأة بعد لقبول الإسلاميين بأجندتهم كاملة في مواقع الحكم، سواء على المستوى الداخلي في بلدانها، أو على المستوى الإقليمي والدولي.

فالنموذج الخاص بمصر، الذي طرحناه، كان بسبب ضغوط كبيرة من جانب الدولة العميقة في مصر، بجانب عدم إمكان قبول الأطراف الدولية النافذة – التي تفرض اعتبارات موضوعية عدة ضرورة الحصول على قبولها وتأييدها متى وصل أي طرف إلى الحكم في بلد عربي – لأي موقف معادٍ للكيان الصهيوني، يتوافق مع الأجندة التي يطرحها الإخوان المسلمون دائمًا، والتي تُعلن أنه لا اعتراف ولا صلح مع "إسرائيل"، وأن فلسطين وقف إسلامي من النهر إلى البحر.

وبما أن النظام الذي كانت ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011م، في مصر لم يكن قد تكوَّن بعد، أو أسس لنفسه نقطة وقوف قوية؛ فلم يمكن بالإمكان تبني موقف آخر، بالإعلان عن إلغاء معاهدة السلام مع الكيان الصهيوني؛ حيث إن ذلك كان سوف يتم تفسيره من جانب خصوم الإخوان والثورة، على أنه إعلان حرب على الكيان، ويتم الزعيق بعلو الصوت وقتها، أن الإخوان "يريدون الزج بمصر في حرب خاسرة مع دولة الاحتلال وأمريكا لمصلحة حليفتهم حماس".

من خلال تجارب عدة في العقود الماضية، في أكثر من بلد عربي وإسلامي؛ فإن أقصى ما يمكن للإسلاميين الوصول إليه هو أن يكونوا شركاء حكم، وبصيغة توافقية تضعهم في مقاعد الأقلية

ومن خلال تجارب عدة في العقود الماضية، في أكثر من بلد عربي وإسلامي؛ فإن أقصى ما يمكن للإسلاميين الوصول إليه هو أن يكونوا شركاء حكم، وبصيغة توافقية تضعهم في مقاعد الأقلية، على النحو الحاصل في تونس، مع حركة "النهضة".

ويبدو كذلك على النحو الذي عُرِض على الإخوان المسلمين في مصر، قبل ثورة يناير من جانب الدولة العميقة التي تحالفت للإطاحة بمبارك، أو بعد الانقلاب وقبل فض اعتصامَيْ رابعة والنهضة، في أحد العروض التي قُدِّمت من جانب بعض الأطراف في الداخل والخارج، من أجل الحيلولة دون تحول الموقف في مصر، إلى صراع أوسع نطاقًا.

مغانم من دونها مغارم:

بكل تأكيد، ووفق كل قوانين العمران والاجتماع السياسي؛ فإن السلطة أمرٌ شديد الأهمية، من أجل تحقيق الجماعات السياسية المختلفة لأهدافها، ووضعها قيد التنفيذ في المجتمع.

وهو حتى الأساس الذي يقوم عليه مبدأ التداول السلمي للسلطة في الأنظمة الديمقراطية؛ حيث تتنافس أحزاب وجماعات وشخصيات، من أجل الوصول إلى مقاعد السلطتَيْن التنفيذية والتشريعية، من أجل تحقيق برنامج انتخابي ما.

ولكن، ومن خلال السياق التاريخي والسياسي الموجز السابق؛ فإن هذا الأمر بالنسبة للإسلاميين، وخصوصًا الجماعات المنضوية تحت تصنيف الإسلام السياسي، وبالتحديد الإخوان المسلمين؛ فإن هذا الأمر، وفق الظروف الراهنة من عدم التمكين الكامل؛ قد جعلت بالفعل السلطة، مغنمًا من دونه مغارم عدة.

البيئة الداخلية، والإقليمية والدولية لم تزل بعد غير مهيأة لقبول الأجندات التي يطرحها الإسلاميون الوسطيون، بالصورة المثالية المبدأية التي يقدمونها في خطابهم للجمهور، في مقابل أن هذه الجماعات لا تمتلك بعد مفاتيح التمكين

ويعود سبب ذلك بالأساس، إلى أن البيئة الداخلية، والإقليمية والدولية لم تزل بعد غير مهيأة لقبول الأجندات التي يطرحها الإسلاميون الوسطيون، والإخوان من بينهم، بالصورة المثالية المبدأية التي يقدمونها في خطابهم ووثائقهم للجمهور العام، في مقابل أن هذه الجماعات لا تمتلك بعد مفاتيح التمكين الكامل.

فالتمكين الكامل يتجاوز مفهوم السيطرة المطلقة على السلطة ومقاليد وزمام الأمور داخل الأوطان، إلى آفاق أكبر، وهو إما قبول البيئة الإقليمية والدولية لبرنامج الإسلاميين بكل ما فيه، وهذا مستحيل، أو أن يمتلك الإسلاميون عناصر قوتهم الذاتية، بالشكل الذي يفرض كلمتهم وبرامجهم على الجميع، وفق مبدأ سياسي متداول يقول بأن "القوة تخلق الحق وتحميه"، ولو أن الحق في الإسلام لا تخلقه القوة، ولكن امتلاكها فريضة كما في القرآن الكريم من أجل أن تحميه.

وفي ظل هكذا ظروف، وكما في الحالة التونسية والحالة المصرية، وفي الجزائر؛ فإن نتيجة الوصول إلى السلطة؛ إما الدمار والتفكيك والتفتيت كما في مصر والجزائر وغيرها من الدول العربية التي حاربت أنظمتها الإسلاميين، أو القبول بمواقف تفقدها بعض المصداقية، كما في الحالة التونسية التي لا يمكن القول بأنها على الأقل باتت حالة جدلية بين الإخوان أنفسهم.

وبالتالي؛ فإن المرئيات الحالية تفرض على الإسلاميين تنحية هدف الوصول المباشر إلى السلطة في الوقت الراهن، والعمل من خلال مسارَيْن أساسيَّيْن:

المسار الأول، هو الاستمرار بكل الوسائل في السعي إلى تنفيذ برامجهم كما يطرحونها، من دون أي تحوير أو تبديل فيها، تحت أية ضغوط أو ظروف تتعلق بمتطلبات الحصول على مركز أو موقع من السلطة، أو الحصول على قبول إقليمي ودولي.

المسار الثاني، هو العمل على امتلاك عوامل المناعة الذاتية، ولعل أهمها، هو امتلاك الإرادة الشعبية، وهي عملية صعبة، وبالذات بعد ما جرى في السنوات الأخيرة، في ظل عاملَيْ سوء إدارة المرحلة من جانب الإسلاميين، وسياسات الممانعة التي واجهوها من خصومهم في الداخل والخارج.

فهذه الإرادة الشعبية هي التي سوف تضمن أمرًا شديد الأهمية في صدد تمكين المشروع الإسلامي على مستوى الأمة والعالم، وتكلم عنه الإمام حسن البنا، رحمه الله، وهو العمل على تشكيل تكتل من البلدان الإسلامية التي تصل أحزاب وحركات إسلامية إلى الحكم فيها، بحيث تعمل على تحقيق التعاضد فيما بينها في مواجهة القوى الإقليمية والدولية التي تمثل محور ممانعة في مواجهة المشروع الإسلامي.

أما في الوقت الراهن؛ فإن ما يمكن ان نطلق عليه مصطلح الكمون السياسي؛ لعله هو أقرب الحلول من أجل تجميع شتات النفس، ودراسة ما جرى وأسبابه، والبدء في مرحلة إعادة البناء من جديد.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

لا تترك الميدان فريسة للشيطان

إن من يضع إصبعه على أي جزء من خريطة العالم يجد أن الواقع مرير والخطب …