العقل العربي والمطبّات الذاتية

الرئيسية » بصائر الفكر » العقل العربي والمطبّات الذاتية
1-Arab-education-2

"إن العقل العربي قام بإلغاء الزمان والتطور عن طريق رؤية الحاضر والمستقبل، من خلال الماضي، فهو فكر غير تاريخي ذو زمان راكد، لا يتحرك ولا يتموّج؛ لذلك كانت قراءته للتراث قراءة سلفية تنزه الماضي وتقدسه وتستمد منه الحلول الجاهزة لمشاكل الحاضر والمستقبل".

هذا ما أعلنه المفكر المغربي (محمد عابد الجابري)، في كتابه "نحن والتراث"، يشخّص الحالة العربية عبر رؤيته الثاقبة، وبمنظور مختلف مغاير، وليست تلك هي المشكلة الوحيدة للعقل العربي حسبما يرصدانها منذ أكثر من ربع قرن هو ونظيره المصري (د. محمد عمارة)، حين يتحدث عن أزمات العقل العربي المتعددة، لكن نظرة عمارة تنبعث من زاوية تعاطي العقل العربي مع الدين، بينما يركز الجابري بشكل خاص على الظواهر الاجتماعية والسياسية السلبية المدمرة، التي تعرقل فعل الإبداع والإنتاج، وتعطل تأثير العقل الجمعي، وتربك حركة التطور الحداثي الحضاري.

ويرجع المفكران سبب الانحدار في هذا العصر، إلى أزمة التخلف الحضاري بمعانيه، جوانبه، ومستوياته كلها، وانعدام التنمية الحقيقية في مجتمعاتنا العربية، التي ترزح تحت عبء التقليد والخرافة، وتقديس القديم، والعيش في ظل الدكتاتوريات وأنظمة القطيع والفساد المتفشي.

من الإنصاف الاعتراف بسبق الآخر في التكيف مع التغيير، ومواجهته بخطط مدروسة تدير عشرات السنوات القادمة؛ لأن هذا –الآخر – قد حرص بمخططه، أن يجعل بينه وبين منافسيه فجوة كبيرة جداً، ويسبقهم إلى التقدم بمسافات طويلة

في مناظرة له مع د. عمارة، أكد (د. فؤاد زكريا) على توصيف معاناة العقل الإنساني من أزمة التكيف مع الواقع المتغير، فمن الإنصاف الاعتراف بسبق الآخر في التكيف مع التغيير، ومواجهته بخطط مدروسة تدير عشرات السنوات القادمة؛ لأن هذا –الآخر – قد حرص بمخططه، أن يجعل بينه وبين منافسيه فجوة كبيرة جداً، ويسبقهم إلى التقدم بمسافات طويلة، حتى ولو كان ذلك بطرق غير مشروعة كالغزو الثقافي والفكري وإلهائهم عن النظر إلى مشاريع النهضة، والتحكم بتفكيرهم وإدارتهم كلياً عبر امتلاك موارد القوى العالمية.

حين أعلن كلينتون قبل سنوات في خطاب الاتحاد: "نحن نؤمن بالتغيير، نحن نصنع التغيير" صفق له منافسوه، مع أن القرآن الكريم وجه أنظارنا إلى التغيير، والتعاطي مع الآخر، وتعميم الاستفادة منذ آلاف السنوات ، لكن يبدو أن توصيف د. عمارة سليم ومنطبق تماماً على الحالة المرضية للعقل العربي، ولهذا فإن مثل هذه الدول التي تطمع بالسيادة لكانت ترى العرب منافساً قوياً حتى استطاعت صناعة الفجوة بينها وبينه ثمّ مرت إلى النهضة وتركته خلفها يتغنى بأمجاد أجداده.

هل يضرّ المفكرون بالمشروع العربي/ الإسلامي حين ينتقدونه؟

يجب الانتباه إلى أن النقد الموضوعي لا يقلل من قيمة ما أنتجه العقل العربي ورفد به العالم من منجزات، وأفكار، وميراث متعدد الجوانب والأشكال والأصعدة ، إلا أنه يقدّم وثيقة جاهزة لرواد التغيير والتعديل والتحسين، فلا يقف الأمر عند النقد وحسب، بل يتعداه إلى اقتراح حلول تنسف المطبّات الافتراضية التي لا يزال العقل العربي يتعثر بها في طريقه إلى استعادة الحضارة، أو صناعة المنجز الحضاري الذي يعيد إليه فاعليته الواقعية.

النقد البنّاء سوف يوجه المنظومة الجمعية إلى المقومات التي ما تزال متوفرة بقوة لدى العقل العربي؛ ليحسن استغلالها ويفتح ما انغلق على أمجاد الماضي

كما أن النقد البنّاء سوف يوجه المنظومة الجمعية إلى المقومات التي ما تزال متوفرة بقوة لدى العقل العربي؛ ليحسن استغلالها ويفتح ما انغلق على أمجاد الماضي، فيسكتَ بذلك أي جحود منكر لكل ما جاء في التاريخ العربي من منجزات للعقل العربي، ولعل أهم المقومات التي يجب لفت الانتباه إليها هي العناصر الجامعة كوحدة الأرض والتاريخ والعادات والتقاليد والأهداف في غالبها.

يقول الباحث (كمال أحمد): "لعل موت - بل عدم ميلاد - مَلكة النقد؛ وبالتالي تصديق اللامعقول والمتناقض هو أحد أهم أزمات وأمراض العقل العربي"، وعليه فإن تخطّي هذه الأزمة مهم لتحقيق أسباب الحضارة.

وكما يشير الباحث (بكر السباتين) فإن تشخيص حالة العقل العربي المتردية، وتوجيه النقد البناء إليه بشكل دوري بالتحدث عن هزائمه المتكررة في حلّ الأزمات، وانتقاد عجزه الواضح عن صناعة مشروعه النهضوي الذي سيمكنه من التكافؤ الحضاري مع القوى العالمية وبالتالي القدرة على التصدي لمشاريع الاستعمار الاستحواذية التي تنوي إلغاءه تماماً، ليصبح متفرجاً أو لاعب أساس في تحويل الأراضي العربية إلى حلبة لا يجف فيها الدم ولا تتركها الفتن ولا تفارقها الشرور!

نشوء أزمات العقل العربي:

بدأت تطفو أزمات العقل العربي - حسبما يرى د. عمارة – عندما بدأ الإسلام يتسرب إلى أمور الحياة الدنيوية، ليصبح هو الدنيا والدين معاً، العقيدة والشريعة وطريقة الحياة سوية، فشعر العقل العربي بالخطر، حيث لم تكن هنالك أية مشكلة ولم يكن الإسلام موضع جدل حينما كان يتحدث عن الآخرة وحسب، وكان يهتم بالشعائر فقط، حتى وإن كان الغلو ظاهراً، فالتدين الشكلي المنقوص لم يكن يعترض عليه أحد، وقد احتشد الرفض للإسلام المتكامل الذي يقدم بديلاً حقيقياً أثبت نجاحه، فأصبح محارباً؛ لأنه يشكل خطراً .

كما أسهم التمييع في زيادة الضياع والبعد عن الحقيقة وإخفائها مع مرور الزمن أكثر فأكثر، بلفت الأنظار إلى أشياء أخرى أقل أهمية وبفاعلية صفر، وعائد سلبي كبير على المشروع النهضوي العربي الذي بدأت تتهدم أساساته.

وقد قاد هذا الوضع إلى صراع الهويات، ونشوء الأنظمة القبلية، والطائفية الذي أعلن تحكمه في العقل العربي الجمعي لاحقاً، وبالتالي انعدام الانتماء الذي سهّل قيادة المجموعة التائهة حيث شاء أي فرد يملك القدرة على إقناعهم بأنه يمتلك خارطة للطريق في عقله، وتلك حقيقة مؤسفة فعلاً؛ لأن الموروث يجمّل التبعية، ويدعم الخوف من صناعة خارطة طريق خاصة ومبتكرة ومن ثم المخاطرة بتطبيقها.

مظاهر الأزمة:

من أمراض العقل العربي: تصديق معظم ما يُقال، والتحدُّث بغالبِ ما يَسمع، بدون التحقق من المصادر أو التفكير في مدى نفع أو ضرر ما يقال، بحيث تعبُر معظمها من الأذن إلى اللسان دون المرور بالعقل

صنّف الباحث (كمال أحمد)، مجموعة من أمراض العقل العربي التي يجب البحث عن حلول لها وتطبيقها عبر خطط مدروسة؛ ليتخلص المشروع العربي من المحاربة الذاتية وقيود الخوف والتبعية والانقياد، ويقي نفسه من التعثر بمطباته الذاتية.

فيقول إن أمراض العقل العربي تتمثل في: تصديق معظم ما يُقال، والتحدُّث بغالبِ ما يَسمع، بدون التحقق من المصادر أو التفكير في مدى نفع أو ضرر ما يقال، بحيث تعبُر معظمها من الأذن إلى اللسان دون المرور بالعقل، وكذلك الاعتماد على مصادر معلومات قليلة العدد، والثقة بها بقدرٍ مبالغٍ فيه، بدون مبرِّر عقلي وبالتالي العمى عن رؤية الحقائق، وعدم القدرة على رؤية الصورة الكلية، والغرق في التفاصيل إلى حدِّ الضلال عن الحقائق، وعدم الدراية بالواقع وتبعاته، أو وزن الفِكر والكلام بميزان المنطق، فتجد معظم أنواع المغالطات المنطقية مندسَّة في فكرٍ وكلام الإنسان العربي، وعموم الخوف من التساؤل أو ما يسميها بظاهرة "الجبن العقلي" بوصف الجماهير التي لا تجرؤ على التساؤل، أو التفكير في المعلومات القادمة من مصادر معينة شِبه "مقدسة" خوفًا من الوقوع في "الخطأ"، بالإضافة إلى الغياب شِبه الكامل للرسالة والرؤية عند الأفراد والجماعات، وترتيب أولويات المعرفة بالنسبة للقلة القليلة الذين لا يزهدون في تحصيل المعلومات، كذلك إهمال دراسة الماضي، وعدم القدرة -بل غياب الرغبة- على استخراج الدروس منه للاستفادة بها في المستقبل، والزهد شبه الكامل في تحصيل المعلومات لا أفقيًا ولا رأسيًا، فقليلاً ما تجد الثقافة الواسعة أو العلم العميق في مجال مُعيَّن.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية من قطاع غزة، تحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات والمعلومات، وعدة شهادات معتمدة في اللغات والإعلام والتكنولوجيا. عملت مع عدة قنوات فضائية: الأقصى، القدس، الأونروا، الكتاب. وتعمل حالياً في مقابلة وتحرير المخطوطات، كتابة القصص والسيناريو، و التدريب على فنون الكتابة الإبداعية. كاتبة بشكل دائم لمجلة الشباب - قُطاع غزة، وموقع بصائر الإلكتروني. وعضو هيئة تحرير المجلة الرسمية لوزارة الثقافة بغزة - مجلة مدارات، وعضو المجلس الشوري الشبابي في الوزارة. صدر لها كتابان أدبيان: (وطن تدفأ بالقصيد - شعر) و (في ثنية ضفيرة - حكائيات ورسائل).

شاهد أيضاً

بندقية المقاومة.. إرث أجيال فلسطين

أثبتت السنوات الخمس الأخيرة، أن المقاومة والنضال للتحرير مكون أساسي في النسيج الفلسطيني، يرضعه الأطفال …