الفشل المشهود ليس دائماً دليل نجاح موعود

الرئيسية » خواطر تربوية » الفشل المشهود ليس دائماً دليل نجاح موعود
success9

مما يتبادر للذهن عند الحديث عن النجاح والتفوق والتميز، أنها هِبات لنُخبة من البشر، وأن أصحاب "المواهب" و"الطَّفْرات العقلية" هم الفئة المختارة لتنعم بتلك الرفاهيات. وإننا لو تأملنا في قَصَصِ قادة التاريخ ومشاعل الإنسانية، لوجدنا أننا ما سمعناها ولا قرأناها إلا في إطار عدم الاستسلام لبراثن اليأس عند الفشل، لأنه ما من ليل وإن طال إلا ويَعْقُبُه نهار، ومن لم يفشل فلم يَذُقْ حقيقة طعم النجاح، والفشل ليس نهاية العالم، وإنما بداية طريق مُتوَّج بأكاليل الغار... إلخ.

إلا أنّ هنالك إطارًا آخر لتلك الصور، فالنجاح الذي حققه أولئك – والنجاح بشكل عام – ليس أبدا المحصلة "الطبيعية" للفشل ولا الصاحب الملازم للإخفاق، وإلا فالعالم مَليء بالفاشلين المقيمينَ على فشلهم!

النجاح بشكل عام ليس أبدا المحصلة "الطبيعية" للفشل ولا الصاحب الملازم للإخفاق، وإلا فالعالم مَليء بالفاشلين المقيمينَ على فشلهم

وستجد في مختلف السير والتراجم عناصر لازمة على تغيّر الظروف والأشخاص والأمكنة، وهي: الهمة الوَقّادَة، والحافز الداخلي، والعزم الأكيد، والعمل الدؤوب، والصبر الجميل. أولئك قد نشؤوا على أن المسؤولية مبدأ وليست خَيارا، وأن التفوق طبع وليس رفاهية. أولئك الذين نأوا بأنفسهم عن لعبة تقاذف المسؤولية وتبادل الملامَة والاستمتاع بدور الضحية، وأخذوا زمام حياتهم بقوة وأنفسهم بعزم، لا يرجُون من أحد شُكورا ولا ينتظرون من خارج عونا أو تحفيزا. أولئك قد فقهوا مغزى الحياة وامتحانها، فأدركوا أن المسؤولية الفردية حتمية، كلٌّ بِحَسْب طاقته، وكلّ مجزيّ بعمله.

فمن هؤلاء – مثلا -الإمام بَقِيّ بن مُخْلِد الأندلسي رحمه الله تعالى، من أئمة علماء الأندلس ومحدّثيهم. اشتهر بترحاله مشيا على الأقدام في أرجاء العالم الإسلامي طلبا للعلم والحديث من رواته وأئمته، فارتحل من موطنه في الأندلس إلى المغرب، ثم إلى بغداد، حتى بلغ عدد الشيوخ الذين أخذ عنهم حوالي 284 شيخا وعالما. وقد لفت حرصه على تتبع العلم والعلماء في أرجاء البلاد الأنظار إليه، حتى لقب بـ"المِكْنَسة"، إشارة إلى من لا يترك شاردة ولا واردة إلا ويوليها اهتمامه. وذُكِر في مناقبه أنه من "ملأ الأندلس حديثا".

والشافعيّ رحمه الله تعالى، حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، ويحكي عن تلك الفترة فيقول: "كنت يتيما في حِجر أمي، ولم يكن معها ما تعطيه للمعلم، فرضي مني المعلم أن أقوم على الصبيان إذا غاب"، أي يعيد عليهم ما تعلم وحفظ، فما يخطئ كلمة. وظل على ذلك، حتى أتم حفظ القرآن، ثم حفظ الموطأ للإمام مالك وهو ابن عشر سنين. فلما انتقل لحِلَق الفقه واحتاج للتدوين، وجد الورق غالي الثمن باهظ التكاليف. فيَروي أنه – رحمه الله - كان يلتقط العظام العريضة فيكتب عليها، أو يذهب إلى الديوان فيجمع الأوراق المهملة، ويستوهبها [أي يطلب من القائم عليها أن يهَبَها له بغير مقابل] ويكتب على ظهرها. وبفضل الله تعالى وحكمة تقديره، كانت هذه المعاناة سببا في غلبة اعتماده على الحفظ، فتكوَّنت لديه ذاكرة قوية لاقطة، ساعدته مستقبلاً على حفظ كل ما يسمع وما يتلقى من علم ومعرفة.

المسؤولية الفردية والعزيمة على الرّشد والحافز الداخلي، هذه جذور الشجرة التي لابد ستُؤْتِي ثِمارها مهما طال الزمان، ويكتب الله لمناقبها الخلود بأصل ثابت وفرع من بعد في السماء

ولتتأكد أن الأمر ليس بالسن ولكن بالهمة والصدق والجدية، فالشيخ العز بن عبد السلام رحمه الله، لم يشتغل بطلب العلم إلا على كِبَر في الأربعين، وفتح الله عليه فملأ الأرض علماً وعزة نفس، وترك تراثاً علمياً ضخماً في علوم التفسير والحديث والسيرة والعقيدة والفقه وأصول الفقه وكتباً في الزهد، حتى لُقّب بسلطان العلماء، وهو لم يبدأ إلا في الأربعين، فتأمل! والإمام النووي رحمه الله، توفّي وهو في الخامسة والأربعين من عمره، وترك مع ذلك من المصنّفات ما كتب الله له أثرا لا ينقطع، يكفيك منها "رياض الصالحين"، و"الأذكار"، و"الأربعون النووية"، وغيرها كثير.

المسؤولية الفردية والعزيمة على الرّشد والحافز الداخلي، هذه جذور الشجرة التي لابد ستُؤْتِي ثِمارها مهما طال الزمان، ويكتب الله لمناقبها الخلود بأصل ثابت وفرع من بعد في السماء. وقد وعَد الله تعالى بأن: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97].

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

النزعة القارونية ووهم العظمة!

النفس البشرية تحتاج لوقفات تأملية متأنية؛ لإعادة لترتيب أمورها، بل من حقها على صاحبها ذلك؛ …