القلوب المتناحرة ترسم الحدود الآثمة

الرئيسية » خواطر تربوية » القلوب المتناحرة ترسم الحدود الآثمة

تفكرت في آمالي وأحلامي ووجدت بعضها قد ورثته من الآباء، والبعض رضعته في سنواتي الأولى، وجزءاً كان للأصدقاء منه دور لا بأس فيه، والمساحة الكبرى مما أحمل في فكري وقلبي ثمرة رسوخ عقيدة ما زال لي كل الفخر بانتسابي لها رسالة ورسولاً، والجميل أن تجد من حولك من يشد عضدك في تعهد هذه الثمرة من رفقاء الدرب والأفكار.

واليوم كبرنا وكبرت أحلامنا وآمالنا لدرجة ضجت بها قلوبنا وأفكارنا فما عاد لها فيها متسع، ومن الآمال التي استوطنت الروح والقلب والفكر وتأبى أن تفارقنا اجتثاث تلك الحدود الواهية التي تقطع أوصال الوطن الكبير الواحد وكأنها جدران تفصل بين القلب الواحد في تجويف الصدر، وفي تحليق الفكر فوق ربوع الوطن الواحد _حتى أكاد أشعر أن يديَّ مبسوطتان وما بين اليسرى واليمنى أضم ما بين مشارق الأرض ومغاربها_ تعود بي الأفكار إلى مقاعد الدراسة في مراحلها الأولى لأتذكر كم كنت أكره تلك الخريطة التي كانوا يطلبون منا تحديد الدول عليها وتمييز ما  بين الدولة والأخرى بخطوط متعرجة أو مستقيمة أياً كانت!

المهم.. كثيراً ما كان يخطر ببالي أسئلة: من وضع هذه الحدود؟! ومن سوّلت له نفسه أن يكون له الحق في ذلك؟! وعلى الرغم من ذلك استطاعوا أن يخرّجوا جيلاً بل أجيالاً تُحسن التفريق بين هذه الدول على الخريطة كما هو على أرض الواقع، من خلال هذه الحدود أو الخطوط التي ما زال فكري عصياً على حفظها بل وتحديدها.

أهم وزارة من وزاراتنا ألا وهي التربية والتعليم لها الجزء الأكبر في ترسيخ التقسيمات والحدود في عقولنا وقلوبنا منذ الصغر

وعندما كبرت أيقنت أننا أنفسنا لنا النصيب الأكبر في احتلال بلادنا وتمزيقها إلى رقع بالية لا تستر لنا عورة ولا تسد لنا ثغرة ، بل إنّ أهم وزارة من وزاراتنا ألا وهي التربية والتعليم لها الجزء الأكبر في ترسيخ هذه التقسيمات في عقولنا وقلوبنا ومنذ الصغر، وحتى هذه اللحظة تخنقني العبرة كلما رأيت خريطة تجسد الحدود وترسمها بالنار والحديد.

وكلما نظرت إلى تلك الخريطة تذكرت اليد الآثمة التي رسمت الحدود بداية على ورق لتصبح واقعاً معاشاً ما زلنا نتجرع منه مرارة القرار وحسرة التقسيم، والذي يضاعف من ألمك ومعاناتك أن تكون تلك الحدود التي رسموها قد رسموها بقلم من رصاص فأصبحت أسرع من نار في الهشيم لتترسخ في جسد الأمة حقيقة واقعة ندركها بل ونشارك في أحداثها.

إنّ تلك العقلية الآثمة التي دبرت وفكرت لا أراها إلا مدرسة يتتلمذ فيها الشيطان بنفسه، ويشاركها بالإثم نفسه تلك اليد التي قَبِلت بتلك الحدود وصادقت عليها، بل ونشاركها بإثم الجريمة نحن عندما نسمح لتلك الحدود أن تتجاوزنا لتترسخ في عقولنا وذاكرتنا بل وقلوبنا، فالإنجاز الذي حققه أولئك الراسمون الحدود بين أوطاننا والذين قاموا بتجزئة الأمة الواحدة على الورق أولاً؛ إنما هو ترسيخ هذه الحدود في كياننا، عندها فقط استطاعوا أن يحققوا ما كان مجرد خطوط ورسومات على الورق إلى حقيقة واقعة كل شخص منا يعيشها ويحياها بل ويساهم فيها من حيث لا يدري، فترى أبناء الأمة فقدوا الانتماء لكل ما هو خارج البقعة الجغرافية التي يسكنون، بل وينظرون لمن هو خارج حدود هذه البقعة على أنه غريب أجنبي، وإذا دخل حدود وطنه ما هو إلا دخيل على أرضه لا تتجاوز فترة مكوثه إلا أياماً سُمح له بها وفق الأنظمة والقوانين، فنسينا في متاهتنا هذه حتى حق إكرام الضيف الذي هو سجيتنا حتى وإن كان غريباً، فما بالك ونحن ذوو قربى؟!  بهذا استطاع اللاعبون بجغرافيتنا وعقولنا وقلوبنا وأرواحنا أن يجعلوا من الأخوة أعداءً بل من ألد الأعداء.

ويا ليتهم عندما أرضعونا لبان العز ورفض الذل والخنوع زرعوا فينا أن العدو لا يُدحر بحجر ولا يُقاوم بسكين فحسب؛ بل هناك عدو لدود أشد، إنه القابع في قلوبنا وعقولنا، هذا العدو متجذر ومتمرس فينا يقيدنا بأغلال من العصبية المقيتة والجاهلية العمياء، يقودنا على نفس الخطى التي رسمها السابقون دون التفكر ولو للحظة لتغيير ولو جزء من المسار، لذلك نبقى نتعثر في نفس العثرة، ويمنعنا الكبرياء الآثم من مواجهة أنفسنا حتى لا ندرك أن التغيير جذوته متقدة في أعماقنا وبدايته من نفوسنا، ألم يقل جل شأنه: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [سورة الرعد: آية11] .

أما آن الأوان لأن ندرك أنّ من يدفع الظلم عن أخيه في الإنسانية إنما يدفعه بداية عن نفسه، فكيف إذا كان هذا الأخ يشاركني أخوّة الدين إضافة إلى أخوّة الإنسانية؟!

أما آن الأوان لأن ندرك أنّ من يدفع الظلم عن أخيه في الإنسانية إنما يدفعه بداية عن نفسه؟! وأنّ أخي في الإنسانية الذي يجوع في أقصى الشرق إنما هو نذير  لجوعي في الغد، فكيف إذا كان هذا الأخ يشاركني أخوّة الدين إضافة إلى أخوّة الإنسانية؟! إنّ الدم الذي يراق في سبيل العزة والحرية والكرامة سيشرق شمساً تضيء ما بين المشرق والمغرب ، أما آن لنا نعيد تدبر قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة} [سورة الحجرات:آية10]، لماذا لا تتبع قلوبنا قلوب المهاجرين والأنصار ولا تقتفي خطانا أثر خطاهم؟!

ما كان المهاجرون والأنصار إلا بشراً تماماً كما نحن، لكن المشارب إذا اختلفت والقلوب إذا تدابرت والأرواح إذا تنافرت اختلفت النتائج وانتكس الزمان وبسطت الجاهلية سطوتها لتمزق ما كان قد اجتمع ، وتُفرق ما اتحد، ما استطاع المهاجرون والأنصار أن يتجاوزوا الحدود إلا بعدما تجاوزتها قلوبهم وأرواحهم فكانت حدود الإخاء والإيثار خطوطاً حمراء لا يجوز المساس بها، تختلف كلياً عن الحدود التي قبلناها في أفهامنا فارتضيناها على أرضنا، ما استطاعوا ذلك إلا عندما عمّر الإيمان قلوبهم فسار مع الدماء في عروقهم، وسنبقى أعجز من أن نمسح دمع اليتيم في عين طفل أفجعه الظلم على والديه، وسنبقى أوهن من أن نذود عن حرمة بيوتنا ناهيك عن حرمة غيرنا، وسنظل أهون من بعوضة ودماؤنا أبخس من دم الشاة تتكالب علينا الأمم يتقاسمنا اللئام على موائدهم، ما دمنا نرفع شعارات خاوية نهتف بأمجاد أسلافنا وأفعالنا تناقض أفعالهم وخطانا تجافي خطواتهم.

أما آن لنا أن ندرك أنّ القلب الواحد لا ينبثق عنه إلا وطن واحد، وأنّ الأمة التي تدين للواحد يتمايز بها الناس بما علموا وعملوا لا بما علموا ورفعوا من شعارات وهتفوا بهتافات؟!

أما آن لنا أن ندرك أنّ القلب الواحد لا ينبثق عنه إلا وطن واحد، وأنّ الأمة التي تدين للواحد يتمايز بها الناس بما علموا وعملوا لا بما علموا ورفعوا من شعارات وهتفوا بهتافات؟!

{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [سورة التوبة:105].

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة حاصلة على الدكتوراة في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن. و محاضرة في جامعة القدس المفتوحة في فلسطين. كتبت عدة مقالات في مجلة دواوين الإلكترونية، وفلسطين نت، وشاركت في المؤتمر الدولي السادس في جامعة النجاح الوطنية حول تعاطي المخدرات. مهتمة بالقضايا التربوية والفكرية، وتكتب في مجال الروحانيات والخواطر والقصة القصيرة.

شاهد أيضاً

إني معكم!

مما يقتضيه إيمان المؤمن -بالله المالك- الربط على قلوب الواجفين من تقلبات الحياة، الذين يعيشون …