اللغة العربية بين المسوخ الثقافية وأثر التغريب.. جهود لابد منها

الرئيسية » بصائر الفكر » اللغة العربية بين المسوخ الثقافية وأثر التغريب.. جهود لابد منها
arabic24

يقول الله تعالى، في سُورة "الشعراء": {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ(192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ(193) عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ(194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195)}، وفي سُورة "يوسف"، يقول عز وجل: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(2)}، ولئن كان لذلك الذِّكر دلالة؛ فهو يدل على عِظَم اللغة العربية، ومكانتها؛ حيث فضلها الله تعالى على كل ألسن الأرض، لكي تكون الوعاء الذي ينزِّل فيه قرآنه الذي قيَّض له الحق تبارك وتعالى أن يكون هو الثِّبْت الذي أنزل الله تعالى فيه شريعة التوحيد، الأمانة العظمى، وأكمل به إيمان أهل الأرض.
وبالتالي؛ فإن مكانة اللغة العربية لا تقتصر فحسب على شعوب العرب؛ إنما امتدت إلى كل أرجاء العالم ، منساحةً مع انسياح دين الحق، وديمومة ذكر الله تعالى، التي شاءت إرادة الخالق عز وجل أن تكون في كل زمان ومكان، وما دامت هناك صيحة "الله أكبر"، وما دامت هناك صلاة، وما دام هناك قرآنٌ كريم؛ فإننا سوف نجد اللغة العربية أينما نولِّي، إلى أن يشاء الله تعالى أن يرفع القرآن الكريم من صدور أهل الأرض.

ولذلك يمكن فهم أسباب أن تكون اللغة العربية ضمن نطاقات استهداف أعداء الأمة، ضمن منظومة القيم والمستهدفات الموضوعة لفصل الأمة العربية والمسلمة عن هويتها، ومفرداتها، وعلى رأسها اللغة العربية.

من بين أهم عوامل تباعد الأجيال الجديدة من المسلمين عن القرآن الكريم، هو فقدانهم الانتماء إلى لغتهم الأم التي يقرؤون بها القرآن الكريم

فلا تنفصم معركة اللغة العربية عن معركة القرآن الكريم ذاته، فمن بين أهم عوامل تباعد الأجيال الجديدة من المسلمين عن القرآن الكريم، هو فقدانهم الانتماء إلى لغتهم الأم التي يقرؤون بها القرآن الكريم ويقيمون بها صلواتهم، وبتعبدون بها لله تعالى، ويتصلون بها مع سُنَّة النبي الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، والتي تعتبر متممةً للقرآن الكريم فيما يخص تعاليم الإسلام وعقيدة الوحيد.

ومن المؤسف أننا في عصرنا الراهن، نجد أن المسلمين من غير العرب، أكثر حرصًا على تعلُّم اللغة العربية والارتباط بها، من أبناء الشعوب العربية الذين من المفترض أنهم الأكثر ارتباطًا باللغة العربية بحكم أنها – على الأقل – لغتهم الأم.

وفي ظل عصر الحالي؛ حيث تهيمن الحضارة المادية الغربية بمفرداتها الناعمة، وعلى رأسها اللغة الإنجليزية بمختلف أوعيتها، من آداب وفنون ومعلوماتية، وغير ذلك؛ فإننا نجد أن التقليد الأعمى من جانب شرائح كبيرة من أبناء مجتمعاتنا العربية والإسلامية، قد قادهم إلى أن يتحول لسانهم إلى لسان أعجمي خالص، وخصوصًا من أتباع المدارس الثقافية الفرنسية والإنجليزية، ممن تأثروا برياح التغريب.

أدت ظواهر مثل التعليم في الخارج، والذي جاء إلينا في الداخل ممثلاً في المدارس والجامعات الأجنبية؛ إلى أن تتحول أجيال بالكامل إلى مسوخ ثقافية، لا تعلم أي شيء لا عن لغتها، ولا عن دينها

ولقد أدت ظواهر مثل التعليم في الخارج، والذي جاء إلينا في الداخل ممثلاً في المدارس الدولية والجامعات الأجنبية؛ إلى أن تتحول أجيال بالكامل إلى مسوخ ثقافية، لا تعلم أي شيء لا عن لغتها، ولا عن دينها بالتالي، أي شيء.

وقد يكون أمرًا جيدًا أن تتلاقح الثقافات، من خلال التعليم ومختلف وسائط وأوعية المحتوى الفكري والثقافي، مثل الآداب والفنون، لكن على أن يكون ذلك من خلال ضمانات تحمي الهوية، وتشرف عليها الدولة ومختلف أقنية التنشئة الاجتماعية والثقافية، والحفاظ على الخصوصية.

وهو ما نجده في أمم ناهضة مثل الصين واليابان والهند؛ حيث إن هذه الأمم، قد انخرطت بجدية كاملة وكفاءة وفاعلية حقيقتَيْن، ولكن مع المحافظة على الخصوصية الثقافية والفكرية واللغوية لها، بما يضمن لها الحفاظ على قيمها وعاداتها وتقاليدها، وهو ما يفسر ثبات الديانات الوضعية التقليدية في هذه المجتمعات، مثل البوذية والهندوسية وعبادة الأجداد، وغيرها من صور الديانات الوثنية.

ولقد وصلت هذه المجتمعات إلى مستوىً من الكفاءة في الحفاظ على هويتها، وإثبات ذاتها، إلى مستوىً أنها غزت المجتمعات الغربية نفسها، بقوتها الناعمة.

فعلى سبيل المثال، هناك حاليًا انتشار ملحوظ للديانات الوضعية الشرقية مثل البوذية، وما يرتبط بها من ممارسات ورياضات، مثل "اليوجا"، بسبب طبيعتها الروحية التي تعوض المادية المتوحشة للحضارة الغربية.

ولكن ينبغي التأكيد على أن هذه الحالة التي نعاني منها في العالم العربي، من مسخ ثقافي، وضياع للهوية اللغوية والفكرية لأجيال بالكامل، وضع طبيعي في ظل حالة التردي الحضاري العام التي وصلت إليها الأمة، بعد قرون طويلة من الاستعمار الذي كان ولا يزال أكثر ما ركَّز عليه هو هوية الأمة ومنابعها الرئيسية، وعلى رأسها اللغة العربية.

وتفرض هذه الأوضاع، ولاسيما في عصر الصورة والتقنيات الرقْمية والسماوات المفتوحة، على جميع الأطراف المعنية بعملية التنشئة، أن تسعى إلى معالجة هذا الوضع من خلال المزج العبقري بين الأدوات التقليدية التي لا تزال لها فاعليتها بل وضرورتها في ظل الحالة المتردية من المستوى التعليمي والتقني الموجود في غالبية المجتمعات العربية والإسلامية، بما في ذلك ألواح الكتابة التقليدية وأقنية مثل الكتاتيب، وبين الأدوات الحديثة التي من شأنها تحقيق الجاذبية اللازمة للغة العربية وفنونها لدى الأجيال الناشئة.

وهي – للأسف – في ظل عدم اهتمام غالبية الأنظمة والحكومات بواجباتها الأساسية في صيانة هوية المجتمعات والحفاظ عليها في ظل حرب حضارية لا ترحم المتأخرين؛ هي مهمة أساسية للطليعة الإسلامية الحركية، التي عليها الكثير من الأعباء – حقيقةً – في المرحلة الراهنة، في ظل تقاعس – كما قلنا – الحكومات والأطر الرسمية عن القيام بأدوارها.

أهم ما يجب التركيز عليه هو التأكيد على أن هوية المسلم لا تكتمل من دون أن يهتم بلغته الأم، وربطها بعباداته التي لا يمكن له أن يتخلى عنها

ولعل أهم ما يجب التركيز عليه في هذا الجانب، هو التأكيد على أن هوية المسلم لا تكتمل من دون أن يهتم بلغته الأم، وربطها بعباداته التي لا يمكن له أن يتخلى عنها، فما دام يصلي؛ فإنه يجب أن يكون حافظًا للقرآن الكريم أو لبعضه، وما دام يحفظ من القرآن الكريم؛ فإنه ولابد متقنًا للغة العربية.

وهنا تبرز أهمية تحفيظ القرآن الكريم، والسُّنَّة النبوية المطهَّرة، فبجانب أن هذا الأمر من الضروريات المنسية لعقيدة كل مسلم، بل إن بعض علماء وفقهاء الأمة، يقولون بأنه لا علم إلا العلم الشرعي، وعلى رأسه علوم القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف؛ فإن حفظ القرآن والسُّنَّة، له أبلغ الأثر في الحفاظ على اللغة العربية حية في النفوس والعقول .

كما تبرز ضرورة ربط المسلمين بتراثهم الأدبي ولاسيما الشعر الذي هو ديوان العرب، والذي به حُفِظت اللغة العربية قرونًا طويلة قبل نزول القرآن الكريم على المصطفى "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم".

ويبقى القول إن هذا الأمر ليس من نافلة القضايا؛ بل هو في صلب معركة هوية هذه الأمة ومستقبلها.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

كيف تعامل دعاتنا ومؤسساتنا الدينية مع أزمة كورونا المُستَجَد؟

في الواقع فإن هذا التساؤل في ظل ظروف وباء كورونا المستجد لا يتعلق بشائع التصوُّر …