المقاصدية وتبدل الظرف وبديهيات فقهية واجبة في عصر التكفير!

الرئيسية » بصائر الفكر » المقاصدية وتبدل الظرف وبديهيات فقهية واجبة في عصر التكفير!
islam-mosque

لانزال مع قضية هي من أهم ما يرتبط بأزمات الأمة، وأعمَلَتْ فيها ما أعمَلَتْ من سيوف الفتنة والانقسام، وهي قضية التكفير، التي جعلت أمة التوحيد شِيَعًا متنافرة، بل ومتناحرة، وضاعت بين أطيافها الحركية المتحاربة، مصالح شعوب الأمة في كل أطراف الأرض؛ من الروهينيجا والأويجور في أقصى شرق آسيا، وحتى مسلمي الولايات المتحدة الذين يتهددهم دونالد ترامب بالطرد والتهجير، لا لشيء؛ إلا لعنصريته إزاءهم.

وكأية ظاهرة إنسانية؛ هناك الكثير من الأسباب التي تقف خلف هذه الأزمات المتلاحقة التي تضرب بأطنابها في مساقات الأمة، الاجتماعية والسياسية؛ إلا أننا نقف في هذا الموضع على هذا الجذر الشديد الأهمية، والذي يعود إلى أصلٍ مهم، وهو غياب الرؤية المقاصدية عند الفقيه والعالِم، بحيث وصلنا إلى مستوىً من الجمود والتشبث غير المحمود بالنص، بصورة يرفضها النص نفسه، أدى إلى تكفير مجتمعات مسلمة بالكامل، تشهد بالتوحيد، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة.

تعتبر المقاصد الشرعية من أهم الأمور التي يجب على الفقيه والعالِم أن ينظر إليها وهو يصدر حكمه الشرعي في أية مسألة

بدايةً، فإن هناك مشكلة متعلقة بنقطة الرؤية المقاصدية للشريعة الإسلامية، بنصوصها وأحكامها؛ حيث يعتبرها الكثيرون من نافلة القول، أو عبارة عن رياضة ذهنية، أو مجال لدَرْس الصفوة، بالرغم من أن المقاصد من أهم الأمور التي يجب على الفقيه والعالِم أن ينظر إليها وهو يصدر حكمه الشرعي في أية مسألة.

ولتحرير المفهوم، فإن مقاصد الشريعة أو المقاصد الشرعية، أو مقاصد الشارع الأعظم من الأحكام الشرعية، تعرَّف في علم أصول الفقه، على أنها، كما في "الموافقات" للإمام الشاطبي، هي ما قصده الشارع الأعظم، رب العزة سبحانه، من الضروريات والحاجيات والتحسينات، أي، بمعنىً آخر، الحِكَم التي من أجل تحقيقها، بعث الله تعالى الرسل، وأنزل الشرائع، وتتضمن مصالح المكلَّفين وفق مناطات التكليف المعروفة، وهي العقل والحرية.

وبشكل عام؛ فإن المقاصد تهدف إلى "نفي الضرر ورفعهِ وقطعهِ"، وحفظ الكليات الشرعية الخمس المعروفة، وهي حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال، مع مراعاة مطلق المصلحة، سواء أكانت هذه المصلحة جالبةً لمنفعة، أم دارءةً لمفسدة.

في القرآن الكريم الكثير من الشواهد والنصوص التي توضح أن المقاصد من الواجب والضروري وضعها عند إصدار أي حكم شرعي

وفي القرآن الكريم الكثير من الشواهد والنصوص التي توضح أن المقاصد بهذا المعنى، من الواجب والضروري وضعها عند إصدار أي حكم شرعي؛ فكثير من الأحكام تبعتها في القرآن الكريم، عبارات تدعو إلى العفو، وحتى في الحدود القاطعة في أمور شديدة الأهمية، مثل القصاص الذي لا تستقيم حالة السلم الأهلي والاجتماعي إلا به؛ فإن القصاص مشروط ومرهون بأن يكون لحفظ النفس في الأصل، ومشروط كذلك بشرط الرشادة والعقلانية في تنفيذه.. يقول تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [سُورة "البقرة" - الآية 179].

أي أن المصلحة هي التي تحكم الحكم الشرعي كما هو واضح في هذه الآية الكريمة، وفي آيات أخرى.

وبشكل عام، من بين الآيات القرآنية الكريمة التي يستند إليها العلماء المقاصديين في التأكيد على أن مراعاة المقاصد من صُلب الشريعة؛ قوله تعالى: {ُيرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [سُورة "البقرة" - من الآية 185].

ولقد وعى المسلمون الأوائل وعلماء السلف المتقدمون ذلك.

فهناك الموقف الشهير لعبد الله بن عباس "رَضِيَ اللهُ عنهما"، عندما سأله أحد الخوارج عن توبة القاتل فقال: "لا توبة له"، بينما سأله آخر فقال: "له توبة"، ثم قال: "أما الأول فرأيت في عينه إرادة القتل فمنعته، وأما الثاني فجاء مستكينًا قد قتل فلم أقنطه" [مقدمة المجموع للإمام النووي، ورواه القرطبي بطريق آخر في تفسيره].

وفي المذاهب الأربعة، نجد أن المالكية والحنفية، كانوا يضعون المقاصد والمصالح المرسلة، نصب أعينهم، وهم يفتون، أما الإمام الشافعي فقد بدَّل من الأصل، الكثير من أحكامه عندما هاجر من العراق إلى مصر؛ مراعاةً لظروف الزمان والمكان.

وكان للإمام الشاطبي الذي يُعتبر من أهم ما كتب في المقاصد، مقولة مهمة توضح أهمية الجانب العقلي في فهم النص، وتلخِّص هذا كله؛ حيث يقول:

".. وذلك أني ولله الحمد لم أزل منذ فتق للفهم عقلي، ووجه شطر العلم طلبي، أنظر في عقلياته وشرعياته، وأصوله وفروعه، لم أقتصر منه على علم دون علم، ولا أفردت من أنواعه نوعًا دون أخر، حسبما اقتضاه الزمان والإمكان وأعطته المنة المخلوقة في أصل فطرتي، بل خضت في لجاجه خوض المحسن للسباحة، وأقدمت في ميدانه إقدام الجريء، إلى أن مَنَّ علىًّ الرب الكريم، الرؤوف الرحيم، فشرح لي من معان الشريعة ما لم يكن في حسابي".

ومن بين أهم الكتب التي وضعت في مجال المقاصد من جانب علماء السلف، كتاب "المقاصد الشافية في شرح خلاصة الكافية"، للإمام الشاطبي، وفيه شرح ألفية، الإمام مالك، وكتاب "الموافقات" للإمام الشاطبي أيضًا، وكتاب "مقاصد الشريعة" للإمام ابن عاشور، و"الفائق في المقاصد الشرعية"، و"الإمام في مقاصد رب الأنام"، وكلاهما للإمام أبو عبد الرحمن الأخضري، وهو - كما هو ملاحَظ - مالكي المذهب، مثل الشاطبي ومحمد الطاهر بن عاشور.

ينبغي غرس قيم العقل وأهمية إعماله في النص الشرعي، وضرورة الانطلاق في فضاءات المعرفة من دون جمود أو قيود، ومن دون تفريط كذلك

هذه الأمور كلها، نحن في هذه المرحلة من تاريخ الأمة؛ أحوج ما نكون إلى أن تكون في قمة اهتمامات ليس الدعاة فحسب؛ بل والمربِّين كذلك؛ حيث ينبغي غرس قيم العقل وأهمية إعماله في النص الشرعي، وضرورة الانطلاق في فضاءات المعرفة من دون جمود أو قيود، ومن دون تفريط كذلك، ومنذ الصِّغَر.

ولعل هذه المهمة ليست باليسيرة في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها الأمة؛ بين شيع الفتن والتكفير والضلالات، وبين أعداء متربصين بها، يبذلون كل مرتخص وغالٍ من أجل تعطيل الأمة، واستمرار هذه الحالة من التفتت والفتن والاقتتال.

ومن ثَمَّ؛ فإن الرجوع إلى الأصول الأولى لوسائل التعليم والدَّرْس، التي تتجاوز هذه الحالة من الحصار والهجوم الشرس؛ مثل حلقات المساجد، والكتاتيب بعد تحديث الأدوات التي يتم استخدامها فيها، بما يتناسب مع روح العصر.

فهذه المرحلة التي تخاطبها دروس وحلقات المساجد، هي مرحلة الغرس الأول؛ الذي لو صَلُح؛ لصلح شأن الإنسان بعد ذلك، ولو فشل وفسد؛ لفسد شأن الإنسان كله بعد ذلك.

إنها مهمة طليعية ثقيلة، ولكن ضرورية في عصر الفتن والتكفير هذا الذي نحياه!..

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

قضية “التداول الحضاري” في الإسلام.. بين توجيه القرآن وعجز أصحابه المعاصرين

منذ نحو قرنَيْن من الزمان، دخلت الأمة المسلمة مرحلة من الركود الحضاري، تلتها حالة من …