د. محمد جزر: المرض نعمة إن صبر عليه المؤمن

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » د. محمد جزر: المرض نعمة إن صبر عليه المؤمن
24doctor

من سنة الحياة أن لا يظل الإنسان على حاله طيلة عمره، فهو يحزن ويسعد، يغنى ويفقر، يكون صغيراً ثم يكبر، يصح ويمرض، إلا أن مرحلة المرض تكون الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان كون اعتلال الصحة يسيطر على الجسد ويمنعه من الاستمتاع بالكثير من تفاصيل الحياة، تُرى هل يأتي المرض على هيئة عقوبة؟ أم هو ابتلاء واختبار لمدى صبر الإنسان؟ ما الذي يحتاجه هذا المريض لكي يصح ويشفى؟ كيف هدانا النبي صلى الله عليه وسلم لمعاملة هذا المريض وتخفيف لحظات ضعفه والمساهمة في استعادته لصحته؟ ولماذا ابتلى الله بعض الانبياء بالمرض؟

حول هذه المحاور استضفنا الدكتور محمد جزر إمام وخطيب مسجد الحاج خضر عطية في الأردن، والمختص في الحديث الشريف:

بصائر: متى يكون المرض ابتلاءً للعبد ومتى يكون عقوبة له؟

د. جزر: المرض نعمة من نعم الله على عباده؛ يكفِّر الله به الذنوب، ويمحو به الخطيئات، ويرفع به الدرجات، فعن أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ رضيَ الله عنهما، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "مَا يُصيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ، وَلاَ حَزَنٍ، وَلاَ أذَىً، وَلاَ غَمٍّ، حَتَّى الشَّوكَةُ يُشَاكُهَا إلاَّ كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَاياهُ" (متفق عليه).

المرض نعمة من نعم الله على عباده؛ يكفِّر الله به الذنوب، ويمحو به الخطيئات، ويرفع به الدرجات

وقد يكون المرض سبباً لأن ينال العبد أجر الشهادة؛ فعن عائشةَ رضيَ الله عنها: "أَنَّهَا سَألَتْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عَنِ الطّاعُونِ، فَأَخْبَرَهَا أنَّهُ كَانَ عَذَاباً يَبْعَثُهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ يشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللهُ تعالى رَحْمَةً للْمُؤْمِنينَ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ في الطَّاعُونِ فيمكثُ في بلدِهِ صَابراً مُحْتَسِباً يَعْلَمُ أنَّهُ لا يصيبُهُ إلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ إلاَّ كَانَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ الشّهيدِ. (رواه البخاري).

بل قد يكون الابتلاء بمرض ما سبباً لأن يدخل الله العبد فسيح جناته  ؛ فعن أنس رضي الله عنه قَالَ: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، يقول: "إنَّ الله عز وجل قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عبدي بحَبيبتَيه فَصَبرَ عَوَّضتُهُ مِنْهُمَا الجَنَّةَ" يريد عينيه، (رواه البخاري).

وقد يكون المرض عقوبة من الله من العبد على ذنب اقترفه؛ فيبتليه الله في جسده عقوبة له على ذلك الذنب؛ ليعافى ولا يؤاخذ به في الآخرة  ؛ فعن أنسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: “إِذَا أَرَادَ الله بعبدِهِ الخَيرَ عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ في الدُّنْيا، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبدِهِ الشَّرَّ أمْسَكَ عَنْهُ بذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يومَ القِيَامَةِ” (رواه الترمذي والحاكم).

وقد يكون المرض من باب محبة الله للعبد؛ ليعظم له الأجر والثواب - مثلما حصل للأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ـ وقد قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: “إنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلاَءِ، وَإنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ قَوْماً ابْتَلاَهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ” (رواه الترمذي، وَقالَ: حديث حسن).

ومثال ذلك حين ابتلى الله سبحانه وتعالى آدم بالإخراج من الجنة، وابتلى يونس بن متى بالغرق في بطن الحوت، فرفعهما الله بهذا البلاء لصبرهما واحتسابهما الثواب عنده سبحانه، وكانت كفارة للمخالفة التي وقعت من كل منهما عليهما الصلاة والسلام.

الواجب على المريض ألا يشغل نفسه بسبب المرض هل هو عقوبة من الله أو ابتلاء له؛ بل الواجب عليه أن يرضى بقضاء الله وقدره، ولا يتسخط لما أصابه

بصائر: كيف يصبر المسلم على ما ألم به من ألم وفقدان للصحة؟

د. جزر: الواجب على المريض ألا يشغل نفسه بسبب المرض هل هو عقوبة من الله أو ابتلاء له؛ بل الواجب عليه أن يرضى بقضاء الله وقدره، ولا يتسخط لما أصابه؛ وأن يصبر ولا يجزع؛ فإنما يوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب.

و أن يسعى في الأسباب الشرعية التي يحصل بها الشفاء من استعمال الرقية واستشارة الطبيب الحاذق وتناول الدواء.

و أن يجتهد في الدعاء؛ فإن الله تعالى هو الشافي والمعافي جل جلاله.

و أن يتذكر دائماً أن في الدنيا من هو أعظم بلاء منه، مع تذكُّر عظم الأجر الذي أعده الله لأهل البلاء في الآخرة، والله ولي التوفيق.
وينبغي للمؤمن وهو يتعرض للبلاء أن يشاهد حق الله في تلك البلوى، فالله هو السيد، ومن حق السيد أن يفعل في عبده ما يشاء ولا يسأل عما يفعل، سبحانه وتعالى.

كما ينبغي للمؤمن أن يعلم أن ما أصابه هو اختيار الله له ورضاه به  ، وما كان لعبد وما ينبغي له إلاّ أن يرضى باختيار الله وإلاّ يرضى بما رضيه الله، فبئس العبد إذن إذا اختار غير ما اختار الله ورضي بغير ما قدر الله له وارتضاه.

كما ينبغي على المسلم أن يعلم أنّ الله إذا أصابه ببلاء فإنما يقدم له الدواء النافع، ويسوق له العلاج الناجح، فهو سبحانه العليم الرحيم يعلم أن هذا العبد لا ينفع له إلاّ هذا الدواء، وذاك العبد لا يصلح له إلاّ ذاك العلاج، وكل ميسر لما خلق له، وهو الرحيم سبحانه يرحم عباده بأن يبتليهم ببعض المصائب ليكفر عنهم سيئاتهم حتى يردوا عليه يوم القيامة مطهرين طيبين ليس فيهم دنس أو خبث، أو يرفع من شأنهم ويعلي من منازلهم، فأرحم الناس بك من يشق عليك لكي يدفع عنك الضر، ويقرب إليك المصالح والمنافع: كمثل الأب الذي يطلب من الطبيب أن يقطع قدم ابنه المريض لكي لا ينتشر المرض الخطير إلى سائر الجسد، فهو يقطع عضواً ويشق على ابنه من أجل رحمته والمحافظة عليه.

فليصبر المسلم على تجرع الدواء وإن كان مراً، فهو من عند الحكيم الخبير العليم الرحيم.

ولقد جاء في الأثر: أن الله إذا أحبّ عبده حماه الدنيا وطيباتها وشهواتها كما يحمي أحدكم مريضه.

إذا سخط العبد وجزع ولم يصبر ونكص على عقبيه وانقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، وصارت المصيبة في حقه مصيبتين

بصائر: ما هي السلوكيات التي قد يقوم بها فيفقد أجر الصابرين على البلاء؟

د. جزر: إن سخط العبد وجزع ولم يصبر ونكص على عقبيه وانقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، وصارت المصيبة في حقه مصيبتين كما قال ابن المبارك رحمه الله: "إن المصيبة واحدة، فإذا جزع صاحبها فهي اثنتان، لأن إحداهما المصيبة بعينها، والثانية ذهاب أجره، وهو أعظم من المصيبة".

أمّا الصابر المحتسب بصبره تصير مصيبته في حقه نعماً كثيرة، وما بين منزلة الصابر ومنزلة الساخط إلا صبر ساعة.

وأما إذا أبدى المبتلى السخط والجزع، فلا يظن أن يكون ابتلاؤه مكرمة من الله له لرفع درجاته، وقد علم سبحانه منه عدم الصبر والرضا، فالأقرب في هذه القرينة وجه المجازاة والعقوبة، وقد قال بعض الصالحين: "علامة الابتلاء على وجه العقوبة والمقابلة: عدم الصبر عند وجود البلاء، والجزع والشكوى إلى الخلق”.

وعلامة الابتلاء تكفيراً وتمحيصاً للخطيئات: وجود الصبر الجميل من غير شكوى، ولا جزع ولا ضجر، ولا ثقل في أداء الأوامر والطاعات.

وعلامة الابتلاء لارتفاع الدرجات: وجود الرضا والموافقة، وطمأنينة النفس، والسكون للأقدار حتى تنكشف".

ولعل الأهم من هذا كله أن يقال: إن الفائدة العملية التي ينبغي للعبد التأمل فيها هي أن كل مصيبة وابتلاء هي له خير وأجر إن هو صبر واحتسب، وأن كل ابتلاء ومصيبة هي له سوء وشر إن جزع وتسخط، فإن وطَّن نفسه على تحمل المصائب، والرضى عن الله بقضائه، فلا يضره بعد ذلك إن علم سبب البلاء أو لم يعلمه، بل الأَوْلى به دائما أن يتَّهِم نفسه بالذنب والتقصير، ويفتش فيها عن خلل أو زلل، فكلنا ذوو خطأ، وأينا لم يفرط في جنب الله تعالى.

بصائر: ما الدور المنوط بالمقربين من العبد المبتلى بالمرض للتخفيف عنه والأخذ بيده للنجاح في هذا الاختبار؟

د. جزر: إن الدين الإسلامي دين الألفة والتآلف، والرحمة والتراحم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

وقد جعلت أوامر هذا الدين للمسلم على أخيه المسلم حقوقاً، يلزمه الوفاء بها والحرص عليها، وقد ذكر العلماء كثيراً من الآداب والذوقيات عند عيادة المريض، وكلها تصب في مواساة المريض ورفع معنوياته، والحرص على راحته وعدم إزعاجه.

ومن أهم هذه الآداب: المسارعة في عيادته، و الدعاء للمريض بالشفاء، واختيار الأوقات المناسبة، ووضع اليد على جبهة المريض والسؤال عن حاله، والتنفيس له في الأجل وعدم تهويل المرض، بأن يدعو له بطول العمر وذهاب المرض، وأن يكون الحديث عند المريض بما يدخل السرور على قلبه، ويبعث الأمل في الشفاء وأن يكون بعيداً عن اللغو.

الغرابة حين يشمت بمصائبك أقرب الناس إليك، والغرابة حين يفرح بألمك من كنت تعتقد أنه صاحبك وخليلك، والغرابة حين يسعد بجراحك من ينتسب إلى أمتك

بصائر: ما خطورة الشماتة بأصحاب الابتلاء والمرض، وكيف يهذب المسلم نفسه على اجتناب ذلك؟

د. جزر: ينقل أهل التفسير عن وهب قال: إن أيوب عليه وعلى نبينا السلام قيل له: ما كان أشق عليك في بلائك، قال: "شماتة الأعداء"، وهو "الضر" الذي أصابه حين نادى ربه فقال: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83].

إنه داء الشماتة الذي أصاب تلك النفوس المنحطة الوضيعة فلا غرابة من أن يتصف المجرمون الحاقدون بها، لكن الغرابة حين يصاب بعض أفراد أمتنا المسلمة بهذا الداء. نعم الغرابة حين يشمت بمصائبك أقرب الناس إليك، والغرابة حين يفرح بألمك من كنت تعتقد أنه صاحبك وخليلك، والغرابة حين يسعد بجراحك من ينتسب إلى أمتك.

فيموت أخوة لنا هنا وهناك فترى الشامتين يغردون ويكتبون ويتحدثون بفرحهم وسرورهم نكاية بإخوانهم، ويحاصر إخوة لنا هنا وهناك فيعمل إعلام الشامتين على إظهار الغبطة والنشوة بما يحصل لأخوتهم، وتباد أمة منا في شرق الأرض أو غربها فيتصدى الشامتون لوسائل التواصل يردحون ويرقصون طربا لتلك الإبادة، وما ذلك إلا لأن الشامتين يختلفون مع أولئك في طروحاتهم أو آراءهم أو أفكارهم أو منهجيتهم.

ولا أدري كيف يبيح المسلم لنفسه الشماتة بأخيه المسلم؟ فهل لك أن تتشفى بمصيبة أخيك حتى وإن كنت تخالفه؟ ألم يرد على مسامعك ما أخرجه الشيخان في الصحيح: (إن النبي صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام، فقيل له إنها جنازة يهودي، فقال: أليست نفساً؟)، فلو كان يهوديا ما جاز لك أن تشمت بمصيبته فكيف بأخيك المسلم؟

حتى كان السلف يخافون من تلك الخصلة اللئيمة فقال أحدهم: شمت من رجل فقد أسنانه ففقدت أسناني، وقال آخر: شمت من رجل فقير فأصابني الفقر، وقال آخر: شمت بمفلس فأفلست، حتى قال ابن مسعود: إني لأخشى أن أشمت بكلب.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفية في موقع "بصائر" الإلكتروني، وصحيفة "السبيل" اليومية الأردنية في قسم الشؤون المحلية والتحقيقات. وكاتبة في مجلة "الفرقان" التابعة لجمعية المحافظة على القرآن الكريم / الأردن؛ في الشؤون الأسرية والتربوية. وتكتب بشكل متقطع في العديد من المجلات العربية منها؛ البيان؛ الفرقان الكويتي؛ وأجيال السعودية إلى جانب العديد من المواقع الإلكترونية.

شاهد أيضاً

كيف تتخلص من الانقياد الأعمى وتُعزّز ثِقتك بنفسك؟

كانت لي زميلتان في المدرسة، وكانت إحداهما متسلطة على الأخرى بشكلٍ كبير، فإنْ خاصمت إحدى …