كن ربانيًا ولا تكن “إسرائيليًا”

الرئيسية » خواطر تربوية » كن ربانيًا ولا تكن “إسرائيليًا”
iman12

كثيرًا ما نمر على آيات الله ونعرض عنها رغم تلاوتنا لها ونحن ندرك أو لا ندرك، والغافلون عن آيات الله تلاوة وتدبرًا وتفكرًا هم كثر، والأكثر منهم أولئك الذين يتلون الكتاب ويأخذون منه العبرة بخصوص اللفظ لا عمومه.

وآية طالما تلوتها واعتدت على ضبط الأحكام بها شأنها شأن باقي كتاب الله، إلا أنها استوقفتني في المرة الأخيرة وقد أيقظت شيئًا ما في داخلي، بل هي انتفاضة هزت أركان روحي وأعماقي هزة من العنف ما يجعلها كفيلة بهدم عرش كبرياء أي إنسان كائناً من كان، ومهما بلغ من العلم وارتقى، ومهما كانت درجة الالتزام التي يتحلى بها. لذا كان لزامًا على كل منا أن يجعل لنفسه ضابطًا تمامًا كما إشارة المرور تنظم السير في الطرقات، وكذلك الضابط والرقيب على نفسه ينظم دقات قلبه ونبضه شهيقه وزفيره شعوره وأفكاره سكناته وحركاته.

آية في سورة عظيمة إنها في قوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [سورة البقرة: آية96]، يقرأها التالي لكتاب ربه وكأن الآيات لا تختص إلا بالقوم الذين تتحدث عنهم وهم بنو إسرائيل، وهؤلاء ترسخ بهم حب الحياة وملك عليهم شغاف قلوبهم وشعاب أرواحهم لدرجة آثروا الذلة والهوان في سبيل حياة أي كانت تُبقي على أنفاسهم ولو كانت أشبه بعيش الأنعام، وكم منّا سلك دروب بني إسرائيل في الحرص على العيش والذي يشبه أي شيء إلا الحياة؟!

كم منّا سلك دروب بني إسرائيل في الحرص على العيش والذي يشبه أي شيء إلا الحياة؟!

يقرأ الآية والأمر لا يعنيه، والحياة إن عشتها من أجل شهواتها ولذاتها وجعلتها المقصد والغاية من عيشك، فإنّ هذه الطريقة لا محال ستجعلك تقتفي أثر بني إسرائيل في تشبثهم بأذيال حياة لا عزة فيها ولا كرامة، بل حياة مغموسة في الذل يتجرع صاحبها الهوان مع كل نفس يتنفسه في سبيل بقاء جسده على قيد حياة، غير آبه إن هلكت الروح أو تحجر القلب أم أزهر وأثمر كلاهما.

وأما من يدرك الغاية التي من أجلها خُلق وفي سبيلها يقطع شوط الحياة فإنه سيحرص على مُضي هذه الحياة وقد استغل فيها كل ثانية إذ هي الفرصة التي لن تكرر، من أجل ذلك عليه أن يعيش هذه الفرصة بكل تفاصيلها بعزة وقد استمد هذه العزة من واهب الحياة، لأن الوجهة التي نقصدها والدار التي نبغيها تستحق أن نحيا الحياة بشرف ونقضيها بعزة، فالإسلام يريد للمسلم أن يحيا برفعة وشموخ وكبرياء، بل ويجعل ذلك عنوان الموت رافضًا أن يضحي بأي منها في سبيل حياة نكرة لا أثر له فيها ولا معلم، فعن أبي هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل: "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري" (رواه أبو داود)، فمن يدرك أنّ له ربًا الكبرياء رداءه والعظمة إزاره يتوجه له بالطلب والقصد والاستعانة فيرفض أن يحيا حياة يركع له فيها ويسجد وقد مُزجت بأي شائبة من الذل والهوان.

ليست البطاقات الشخصية ولا بيئة النشأة من تحدد هويتك؛ إنما هي أعمالك وتوجهاتك وحدها من تقرر إن كنت تسلك سبل الرشاد أم إسرائيلياً تتوه في عرض الصحراء

وهذا ما يجعل المسلم الحق مختلفاً عن بني إسرائيل، وعليك أيها الإنسان الذي فيك قبس من الروح الإلهية أن تعيد قراءة آيات ربك ولا سيما هذه الآية لترسم على نهجها معالم حياتك، ومن خلالها تحدد تفاصيل روحك وخبايا قلبك، وعلى وقعها تضبط أنفاسك ونبضك، وقتها تأتيك الحياة راكعة تحت قدميك، ومثلك حري به أن يكون ربانيًا لا إسرائيليًا، فكل من سار على أثر قوم كان لهم في الانتماء أقرب، فليست البطاقات الشخصية ولا بيئة النشأة من تحدد هويتك؛ إنما هي أعمالك وتوجهاتك وحدها من تقرر إن كنت تسلك سبل الرشاد أم إسرائيلياً تتوه في عرض الصحراء، فمن يعصي ربه في صغار الأمور كان أجرأ أن يعصيه في كبارها كما تحايل يهود في الصيد يوم السبت، وفي أي أمر يُوجه لهم وجدت مجادلتهم وتقهقرهم لدرجة أنهم آثروا البقاء في ذل فرعون متذبذبين في تنفيذ أوامر نبيهم وما ذلك إلا نتيجة حرصهم على أي حياة كانت، والمسلم الذي يسلّم لأمر الله ويستقبله تنفيذًا وتطبيقًا وإقدامًا إذا ما وضعت الحياة كلها في كفة وأمر الله في كفة أخرى لرجحت الأخرى، فتصغر الحياة بناظريه إن خلت من عزة تقتبس معانيها وحقيقتها من عزة يتصف بها مولاه العزيز العظيم.

وجلّ شأنه تعالى إذ يقول: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [سورة المنافقين: آية 8].

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة حاصلة على الدكتوراة في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن. و محاضرة في جامعة القدس المفتوحة في فلسطين. كتبت عدة مقالات في مجلة دواوين الإلكترونية، وفلسطين نت، وشاركت في المؤتمر الدولي السادس في جامعة النجاح الوطنية حول تعاطي المخدرات. مهتمة بالقضايا التربوية والفكرية، وتكتب في مجال الروحانيات والخواطر والقصة القصيرة.

شاهد أيضاً

لا يجد الجواب إلا من يؤرّقه السؤال!

من المُذهل كَمُّ المسلمين الذين يَمضُون في حياتهم وينفقون أعمارهم طاوين قلوبهم على أسئلة وحيرات …