كيف تربي طفلاً مقاوماً؟

الرئيسية » بصائر تربوية » كيف تربي طفلاً مقاوماً؟
الآلاف يخرجون في مسيرات بغزة احتفالا بوقف إطلاق النار

فتحت عيني على الدنيا لأجد جدتي لا تحضر أعراساً لأن عمي الشهيد لم يجف دمه بعد، ولأن أبي ممنوع من الدخول إلى الضفة ولا يمكنها أن تراه. بضع سنين وافقنا على نقل ابن عمي إلى المستشفى بين الحياة والموت على إثر وطء صديقه لغماً مزروعاً وهما يلعبان في الأحراش. أودى اللغم بحياة الصديق وترك ابن عمي بقدم واحدة!

بضع سنين أخرى وصرت أسمع عن عمتي أم السبع أولاد لا تحضر الأعراس لأن لها ابنين مبعدين إلى مرج الزهور، والأكبر كان في الأردن ممنوعاً من الدخول إلى الضفة ورؤية والدته، وواحد لا تعلم أين هو بعد أن سافر ليدرس وانقطعت أخباره، وآخر معتقل إداري، والصغيران اللذان بالكاد تجاوزا العاشرة يؤخذان للتحقيق كلما حدثت مواجهات في المنطقة. عقد من الزمن وماتت جدتي واستشهد لعمتي ولد في مواجهات الأقصى. وقبيل أيام ابن ابن عمتي -أي حفيد عمتي- اعتقل وهو في العاشرة من عمره لأنه كان حاضرا اثناء بعض الاضطرابات.

ليست قصة خرافية إنها يا سادة حقيقية مئة بالمئة بل ربما نسيت أن أخبركم تفاصيل أكثر خوفا من الإطالة وليست قصة شخصية ولا نادرة - مع فظاعتها- بل إنها تتكرر في معظم العائلات الفلسطينية مع بعض التعديلات أو الزيادات أو الاختصار من هنا وهناك.
كل ما حدث كان يروى لي وأنا صغيرة أو بعيدة أو لاهية بمدرسة أو جامعة أتابع والدي وهو يتصل بهذا ويسأل عن ذاك ويخيم الحزن على منزلنا بضع أيام حسب فداحة الفقد ثم تسير عجلة الحياة ونمضي.

أما الحالة الأخيرة وهي اعتقال الطفل ذي العاشرة فقد لامست شغاف قلبي أنا الأم التي لديها طفل في مثل سن ذلك الصغير، وارى كيف أن أكبر هموم ابني أن أسمح له أن يخرج في نهاية الأسبوع ليلعب مع رفاقه في الحارة، ويغضب لأني أضعت فردة جوربه أثناء الغسيل، ويفرح إذا ما طبخت له أكلة يحبها!

وبالرغم من حرصي على تربيته تربية مقاومة إلا أنه يذكرها حين يسمع نشيدا للمقاومة أو يحضر أخبارا بصحبتي وفي غير هذا الوقت هو طفل فقط لا يملك من هموم الدنيا أكثر مما ذكرت.

إنه قدر مكتوب على الشعب الفلسطيني أن يرث المقاومة أباً عن جد ففي حكايتي معاناة أربعة أجيال: جيل جدتي الثكلى، ثم جيل أبنائها: أبي النازح وعمي الشهيد وعمتي المبعد أبناؤها. ثم جيلنا نحن: أنا بنت الغربة وابن عمي فاقد القدم وابن عمتي الشهيد. وها قد افتتح حفيد عمتي جيل أبنائنا أي الجيل الرابع.

وبما أنه قدر مكتوب فلم لا نحضر أطفالنا له؟ ترى ما هي أهم المبادئ التي يجب أن يربى عليه طفل قد يكون له في أي لحظة قريب أسير أو شهيد أو بيت مهدم أو والد مبعد؟ أو يكون هو ضحية اعتقال أو طلقة طائشة تجعله معوقا باقي حياته أو حتى تقطف روحه ويصبح شهيدا؟ ما الذي يمكننا فعله وتربية أبنائنا عليه نحن المهجرين في منافي الأرض الذين يصلنا بالوطن ذلك الحبل السري الذي يقطع لكل المواليد إلا نحن الفلسطينيين يظل معنا حتى نورثه لولد الولد!!

من المهم ابتداء تحديد هل يعيش الطفل تحت نير الاحتلال أو أنه مهجر؟

إن الأطفال الذين يعيشون تحت نير الاحتلال يكونون أكثر وعياً بحيث تزيد أعمارهم على سنهم الحقيقي بكثير

إن الأطفال الذين يعيشون تحت نير الاحتلال يكونون أكثر وعياً بحيث تزيد أعمارهم على سنهم الحقيقي بكثير، ولعل التقارير الإخبارية التي يتواجد فيها أطفال المحن شاهد على ذلك. وهؤلاء تربيهم المحنة ويصقلهم الموقف وبالرغم من أن بعضهم يعايش بعض الخوف في صغره وبعض انعكاسات هذا الخوف كالفزع أثناء النوم والخوف من الغرباء والتبول اللاإرادي إلا أنهم سرعان ما يتجاوزون هذه المشاكل ويكبر معظمهم متفهماً للقضية والمقاومة.

أما أطفال المهجرين فهم غالبا ينسخون بيئة المكان الذي يعيشون فيه، فإن عاش الأطفال في مخيمات الشتات وجدت أن المقاومة حاضرة في تطلعاتهم وأمانيهم، أما إن عاشوا في مناطق الاغتراب خاصة الغربية منها فيكونون مرهونين بالدور الذي يتقمصه الوالدان، فإن كانا ممن يحملون الهم ورثوه لأبنائهم. والغريب أن الشعب الفلسطيني بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم الحزبية وبالرغم من طول عهدهم بالغربة إلا انهم مازالوا يربون أبناءهم على الوطنية والمقاومة بشتى أشكالها ولكن بدرجات متفاوتة.

الطفل قبل السابعة يترك ليعيش الجو في الأسرة دون كثير حديث معه عن موضوع المقاومة، وإنما يتم تربية القيم الأخلاقية والإنسانية العامة

والنقطة الثانية المهمة بعد مكان العيش هي مراعاة المرحلة العمرية للطفل، فالطفل قبل السابعة يترك ليعيش الجو في الأسرة دون كثير حديث معه عن موضوع المقاومة، وإنما يتم تربية القيم الأخلاقية والإنسانية العامة من حب للخير وكره للظلم وإعلاء لقيمة الحرية والكرامة وتربية للوطنية بالقصص البطولية والأخبار المبهجة، ويتجنب بشدة أن يعرّض للأخبار السيئة أو جبروت اليهود وممارساتهم القمعية ضد المقاومين؛ لأن ذلك -في أكثر من حالة شاهدتها شخصيا- يولد ردة فعل سلبية لدى الطفل من جبن وخوف من اليهود، والمبالغة في تقدير قوتهم، وللمصادفة فإنني أثناء كتابتي لهذا المقال شاهدت طفلة في السابعة تلون المسجد الأقصى في إحدى الفعاليات، وحين سألوها هل تحبين الأقصى أجابت: نعم. وحين سئلت هل تودين أن تذهبي إليه قالت بخوف: لا فيه يهود!

إذن فيما قبل السابعة يلقن الطفل معاني الوطنية وحب الوطن وعليه أن يعرف اسم قريته أو مدينته، ويذكر له ما تمتاز به من جمال، ويعرف أن اليهود سرقوا هذه البلاد منا دون الحديث عن بطشهم وقبيل السابعة بقليل يعرف على فضل المسجد الأقصى وفضل الأرض المقدسة من ناحية دينية ويحفظ آيات سورة الإسراء التي تتعلق بمباركة المسجد الأقصى.

في المرحلة ما بين السابعة إلى الرابعة عشر يجب أن يثقف الطفل حول قضيته، بحيث يعرف أهم الأحداث التي وقعت فيها، وأن يستطيع معرفة أهم المصطلحات المتعلقة بالقضية

في المرحلة الثانية وهي العمر ما بين السابعة إلى الرابعة عشر يجب أن يثقف الطفل حول قضيته، بحيث يعرف أهم الأحداث التي وقعت فيها، وأن يستطيع معرفة أهم المصطلحات المتعلقة بالقضية كالنكبة والنكسة واللاجئ والنازح والضفة الغربية وقطاع غزة وغيرها، وأن يقرأ عن أهم الشخصيات التي ساهمت في القضية قديما وحديثا، ويعرفها معرفة جيدة ويتم تدريجيا تعريفه بالفظائع التي ارتكبها العدو ونزرع في داخله الحمية للدين وللمبدأ والكرامة والحرية وليس لبقعة محدودة من الأرض، مما يربي الطفل على الولاء لأمته ودينه وعقيدته.

في مرحلة المراهقة حيث تمتاز هذه المرحلة بناريتها، يجب استغلالها بطريقة إيجابية، فيوجه إلى النشاطات المتعلقة بالقضية حسب ميوله

في المرحلة الثالثة وهي العمر ما بعد الرابعة عشر حيث يكون الطفل في أوج مرحلة المراهقة، وهذه المرحلة تمتاز بناريتها ويجب استغلال هذه النارية بطريقة إيجابية، فيوجه إلى النشاطات المتعلقة بالقضية حسب ميوله، فمن كان ميله أدبيا يوجه للأدب من قصة وشعر يتعلق بالقضية، وربما يبدأ بعضهم بالكتابة في هذه المرحلة.

ومن كانت ميوله فنية يوجه للرسم والكاريكاتير وغيرها، وإن كان الفن لديه مسرحيا وجه إلى المسرح والإخراج وإنتاج الأفلام القصيرة ولو بتقنيات متواضعة.

ومن كانت ميوله حركية لا بئس من توجيهه للدبكة الملتزمة أو لمخيمات الكشافة.

وبالنسبة للفتيات يوجهن للحفاظ على التراث الفلسطيني من تطريز وإتقان بعض الأكلات التراثية والتوجيه خلال ذلك أن هذا ليس انتقاصا للفتاة ولا تحجيما لدورها بل هي رسالة مهمة لا يستطيع الرجل غالبا القيام بها.

ويذكر أمام الجنسين أن العدو يحاول أن يسرق الحمص والفلافل والتطريز الفلسطيني وحتى الكوفية بعد أن سرق الأرض، فلا أقل من أن نتقن هذه التراثيات للحفاظ على الوطن.

أما من كانت ميوله ثقافية فيوجه إلى المشاركة بالمحاضرات والندوات وحضور البرامج التلفازية النقاشية حول اتفاقيات السلام وما يخص القضية.

ولجميع الشباب من هذه الفئة يتم التوجيه لخدمة القضية خدمة فاعلة على مواقع التواصل الاجتماعي والمشاركة في الهاشتاقات والفعاليات الإلكترونية بفعالية وتوعيتهم على مخاطر الإسقاط الأمني على هذه المواقع، وأن العدو لا يستقل بأية معلومة، لذلك فإن ليس كل ما يعرف يقال.

ولو أن تربية الأبناء أمر تلقائي إلا أنه لم يكن شيئا سهلا في يوم من الأيام، وتربية طفل مقاوم مهمة أصعب وأعمق وأكثر مسؤولية وتحتاج إلى مربٍ واعٍ متفتحٍ مواكبٍ للواقع مدركٍ للتاريخ مخططٍ للمستقبل.

إن الحرب لم تكن يوما خيارا للشعب الفلسطيني، بل فرضت عليه فرضا من البعيد والقريب، ولكن هذا الشعب هو من اختار المقاومة طريقا للبقاء، فلتستمر المقاومة ولينجب المقاومون مقاومين حتى التحرير.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية

شاهد أيضاً

العفو والتسامح ضوابط ومفاهيم

من الملاحظ أنه في بعض مواسم الطاعات تنتشر النداءات مُطالبة المسلمين بالعفو والتسامح والمصالحة وإصلاح …