مناعة الأمة.. تشخيص أدوائها واستراتيجية علاجها

الرئيسية » حصاد الفكر » مناعة الأمة.. تشخيص أدوائها واستراتيجية علاجها
باخرة

هل بالوسع تحديد الداء الذي يعلل ما عليه حال الأمة أو بصورة أدق ما طبيعة الداء الذي أصاب جهاز مناعة الأمة فجعلها هشة إلى الحد الذي نرى عيانا؟

ما الذي يجعل أمة هي سدس البشرية ويجعل قلبها -الناطقون بالضاد منها- وهم سدس السدس يفقدون القدرة على منازلة عدو مهما كان هزيلا مثل إيران؟

قد أفهم العجز عن منازلة "إسرائيل" لأن الغرب كله وراءها، لكني لا أستطيع أن أفهم كيف يمكن لإيران وهي أوهى من بيت العنكبوت أن تحتل جل بلاد العرب.

والأغرب هو أن هذا الاحتلال يتم بيد العرب أنفسهم ولا أقصد المتشيع منهم بل وكذلك أدعياء العلمانية والليبرالية وكل ممثلي كاريكاتور الحداثة وكاريكاتور الأصالة.

سأحاول اليوم تشخيص هذا الداء الذي ينخر جهاز المناعة العضوية والروحية للعرب خاصة وللسنة عامة عل ذلك يمكّن من وضع استراتيجية للعلاج الشافي.

وحتى يكون التشخيص موضوعيا قدر المستطاع سأتخلص من التفسير السهل والسطحي الذي يحمل الحكام المسؤولية وحدهم فيدعي الكل أنه أكثر وطنية منهم.

لا ينبغي أن نواصل نفس الموقف الذي حصل بعد نكبة فلسطين التي ركبها من كان أكثر دجلا وكذبا من الحكام الذين اقتصر تعليل النكبة على اتهام وطنيتهم.

يمكن القول إن ما يجعل منازلة "إسرائيل" عسيرة على العرب يمكن أن يكون أيضا نفس ما يجعل منازلة إيران عسيرة

ذلك أنه يمكن القول إن ما يجعل منازلة "إسرائيل" عسيرة على العرب يمكن أن يكون أيضا نفس ما يجعل منازلة إيران عسيرة: فهي مثلها أحد معاول الغرب.

ولولا ذلك لامتنع أن يكون الحشد الشعبي والمليشيات الإيرانية تعمل في الوطن العربي بحماية أمريكية في بعض الأقطار وبحماية روسية في بعضها الآخر.

ومعنى ذلك أن ما كان يتمتع به الشاه في ثلثي القرن الماضي الأولين تضاعف في عصر الملالي لأن الهجمة أصبحت علنية وبسند علني مباشر من المظلتين الأمريكية والروسية.

وفشل الأنظمة العربية في محاولة منافسة إيران و"إسرائيل" في العلاقة بالغرب ليست دالة على عجزها بل على أن هدف الغرب لا يحققه غير استخدام إيران و"إسرائيل" ذراعين للغزو والتخريب.

الغرب بحكم تجربة الماضي البعيد (القرون الوسطى) والقريب (حرب التحرير) أدرك أن المنافس الحقيقي لسلطانه ليس إيران ولا "إسرائيل" بل سنة الإقليم.

وبصورة أدق فإن ما يطلبه هو بيد سنة الإقليم أي العرب والأتراك: فهم الممر المضطر بين شطري العالم أي المحيطين الهادي والأطلسي مع الثروات.

ففي القرون الوسطى بدأ العرب وختم الترك السيطرة على الممرات فاضطر الغرب إلى تجاوز بالإحاطة بإفريقيا واكتشاف أمريكا والآن لم يعد ذلك كافيا.

خاصة والشطر الثاني لم يبق مجال استعمار لأمم متخلفة تستعمر لبيع المخدرات، فأممه أصبحت تمثل أقطابا تهدد سلطانه العلمي والتقني والاقتصادي ولأرضنا في ذلك دور متعدد الأبعاد.

الجغرافيا والاستراتيجيا وشروط الاقتصاد الحديث (الطاقة والممرات) تجعل الإقليم من ضرورات السيطرة على المعمورة والعرب والترك لا يأتمنهم الغرب.

الغرب بحكم تجربة الماضي البعيد (القرون الوسطى) والقريب (حرب التحرير) أدرك أن المنافس الحقيقي لسلطانه ليس إيران ولا "إسرائيل" بل سنة الإقليم

فإذا أضفنا الحنين الفارسي والصهيوني لاسترداد امبراطوريتين من الماضي السحيق على حساب سنة الإقليم باتت المعادلة الحالية واضحة المعالم.

لكن كل تفسير يقتصر على ظاهر الأشياء ليس تفسيرا وخاصة إذا جعل الأمر كله رهن أحد عناصر المعادلة وإهمال أخذ البقية بعين الاعتبار. فلنحاول الفهم.

ذلك أن كل تفسير لا يعتمد على قوانين كلية ليس تفسيرا: والكلي في هذه الحالة هو السنن التي تجعل البشر في تنافس دائم على أسباب العيش والمنزلة.

وهذا الكلي يعتبر علة تفسر ما يجري بين البشر في نفس الجماعة وبين الجماعات ومن ثم فهو قانون سياسة المعمورة دون تمييز محليا ودوليا وبصورة دائمة.

وقد حللت هذا القانون الكوني فوجدته قابلا للرد إلى نظرية الأحياز التي وضعتها لفهم تاريخ الأمة وكل تاريخ بمقوماته الجوهرية: المكان والزمان وثمرتا تفاعلهما وأصلها جميعا.

مكاننا (ملتقى القارات الثلاث) وزماننا (الوصل بين القديم والحديث) وأثر مكاننا في زمانا (التراث) وأثر زماننا في مكاننا (الثروة) يجعلنا سرة العالم وقلبه المادي والروحي.

ملتقى القارات الثلاث وملتقى القديم والحديث وجماع تراث البشرية وثروتها يجعل المرجعية الموحدة لذلك كله أي الإسلام السني بؤرة المصير الإنساني.

الحرب علينا ليست صدفة: فلا يمكن السيطرة على العالم المقبل كما حدث منذ انحطاطنا إلى عودتنا من دون منع استئنافنا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

وهذه الحرب ليست على المسلمين لأنهم مسلمون بل لأن لهم هذه الأحياز تماما كما حدث قبل الإسلام بين قرطاج وروما مثلا ومن ثم فالأمر لا يقتصر علينا.

وبهذا المنطق فينبغي ألا نعتبر ما يجري حاليا أمرا شاذا فعندما تمكن العرب في بداية تاريخنا من غزو الإقليم كله كان محيطها مفككا مثلما هم مفككون اليوم.

مكاننا (ملتقى القارات الثلاث) وزماننا (الوصل بين القديم والحديث) وأثر مكاننا في زمانا (التراث) وأثر زماننا في مكاننا (الثروة) يجعلنا سرة العالم وقلبه المادي والروحي

وعندما استأنف الأتراك قوة الإسلام في النصف الثاني من القرون الوسطى كان الغرب في بداية استأنف دوره العالمي فتمكن في النهاية من هزم الخلافة.

والغرب اليوم يخشى عودة الأمة ولو من دون وحدة متجانسة لما كانت عليه قبل سقوط الخلافة كما عادت أوروبا من دون وحدة الصليبيات بسياسة الغزو الاستعماري.

لا أقول تكرار التاريخ بل بمنطق الصراع الدائم بين المتنافسين على أسباب العيش والمنزلة في المعمورة: فالندرة أصل الحروب لأنها أصل الاقتصاد.

والندرة ليست حقيقة موضوعية بل هي شعور نفسي بالخوف من حصولها الممكن: الطاقة والماء والغذاء والمنزلة تلك هي أصل الحروب والسياسة والاقتصاد.

وبهذا أكون قد وضعت أسس علاجي للمشكل الموضوع: هل العرب والأتراك يعملون على علم بهذا القانون أم هم ما يزالون في غيبوبة عما يجري من حولهم؟

ما الذي يجعل العرب فيما بينهم أولا ثم فيما بينهم وبين الأتراك يعيشون وكأن ما يجري حولهم ليس عالما جديد تجاوز الأقطار إلى الجماعة الكبرى؟

هل هم مدركون أن مكانهم وزمانهم وأثر الأول في الثاني والثاني في الأول ومرجعيتهم تجعلهم مستهدفين مهما فعلوا لأن الأمر يتعلق بالاستحواذ على ما تملكه الأمة.

الندرة ليست حقيقة موضوعية بل هي شعور نفسي بالخوف من حصولها الممكن: الطاقة والماء والغذاء والمنزلة تلك هي أصل الحروب والسياسة والاقتصاد

فالأمة بثروات أرضها وسعتها تشغل أفضل وموقع جيواستراتيجي يشطر المعمورة أرضا وبحرا وجوا ولا يمكن لأي قوة عالمية ألا تطمح في حيازته: ملتقى ثلاث قارات.

وعندما أستعمل “مدركين” فإن الامر يخص من المقصود في هذه الحالة؟ أكره سخافة التفسير المقصور على الحكام والمزايدة عليهم في الوطنية والصلاح.

فالحكام -ويعلم الله كم أمقت الكثير منهم بسبب التنازل عن السيادة خاصة- حتى لو فرضناهم صالحين لا يفعلون إلا بما لديهم من أدوات الفعل والذوات الفاعلة. ما الأدوات ومن الفعلة؟

فأما أدوات الفعل فهي ثمرات الإرادة والعلم والقدرة والحياة والوجود أي كل ما يبدعه الإنسان من أدوات تحقق شروط التواصل والتبادل أو الأنتاجين الرمزي والمادي.

فأما التواصل فهو غاية الإبداع الرمزي أي كل منتجات العقل والروح الرمزية التي بها يلتحم الوجود الإنساني يتحصن روحيا ككيان حي: وذلك هو مفهوم الأمة السيدة.

وأما التبادل فهو غاية الإبداع المادي أي كل منتجات العقل والروح المادية لسد الحاجات العضوية والمعيشية والدفاعية وبها يتقوم الوجود والحماية.

وبين أن الأمة اليوم لا تبدع في شروط التواصل لتحقيق الحصانة الروحية ولا في شروط التبادل لتحقيق المناعة المادية. وذلك هو عجزها عن القيام بوظيفتيها: رعاية ذاتها وحمايتها.

الأمة بثروات أرضها وسعتها تشغل أفضل وموقع جيواستراتيجي يشطر المعمورة أرضا وبحرا وجوا ولا يمكن لأي قوة عالمية ألا تطمح في حيازته: ملتقى ثلاث قارات

وبذلك يتبين أن أدوات الفعل هي حصيلة الفعل وليس في ذلك أدنى دور: إنها تراكم انتاج أدوات التواصل في الجماعة وتراكم إنتاج أدوات التبادل فيها.

أما إذا كانت الأمة في حرب ذاتية على متراكمهما فيهما وعاجزة عن أنتاج البديل منه بسبب كاريكاتور الأصالة وكاريكاتور الحداثة فهي تصبح أمة عقيما.

والعقيم في إنتاج أدوات الفعل كمن يربح وهميا مقابلات الكرة بلاعبين مستأجرين وليس بأبنائه: فهو يمكن أن يحوز على وهم البناء حتى في الصحراء.

لكن عندما يجد الجد سيجد نفسه كمن يمشي على قدمين صناعيين -بروتاز- سرعان ما يتبين له أنه معوق حقا وأن كل مظاهر الحضارة لديه خلب وعلامة هشاشة.

يمكن للعدو أن يهدم كل ما بنيت لأنه عاجز مرتين: لا تستطيع حماية ذاتك فضلا عن تهديد عدوك بمثل ما يهددك به. فيصبح ما لديك عليك لأنك تخاف عليه وتعجز فلا تحميه.

وصلنا إلى الداء الحقيقي: أمة عزلاء لأنها تعمل كل شيء بالمقلوب. تبدأ من النهاية لا من البداية تريد النتائج دون المقدمات والثمرات دون زراعة والحداثة دون علم وعمل على علم.

بوسعي الآن أن أوزع المسؤوليات فلا أقصرها على الحكام حتى وإن كان دورهم هو الأبرز ليس مباشرة بل بما لديهم من استبداد وفساد يعطل دور البقية.

لكن البقية ما كان التعطيل يؤثر فيها لو لم تكن هي بدورها مستفيدة من الاستبداد والفساد بما يلهيها عن صالح البلاد والعباد وقد فضحت الثورة ذلك.

فما سمي جبهة الإنقاذ في مصر وتونس وحلف الثورة المضادة في البلاد التي مولتها يبين من المستفيدين من الاستبداد والفساد والتخريب النسقي للأمة.

توزيع المسؤولية الذي أقدمه لا ينتج عن انحياز مذهبي أو إيديولوجي رغم وضعي لنظرية تيسر عرضها بها دون أن تكون ناتجة عنها: النخب الخمس مسؤولة.

فالساسة هم نخبة الإرادة، والمثقفون هم نخبة المعرفة، والاقتصاديون هم نخبة القدرة، والفنانون هم نخبة الحياة، علماء الدين والفلسفة هم نخبة الوجود ورؤية العالمWeltanschauung.

ونخبة الإرادة (الاولى) ونخبة الوجود (الاخيرة) هم الأكثر مسؤولية فيما يجري لأن الأولى تفعل والأخيرة تبرر. والثانية (المثقفون) والرابعة (الفنانون) هم خدمهما.

الثانية بالعلم الزائف (المثقفون دجالون) والرابعة بالفن الزائف (الفنانون مرفهو السلاطين) وكلاهما تحارب الحصانة الروحية دون بديل وبلا وعي.

أصل الداء هو نخبة الإرادة (الساسة) ونخبة الوجود (أصحاب التأصيل والتحديث الكاريكاتوريين) تبين أن الداء سياسة الحكام وإيديولوجيا النخب

أما النخبة الوسطى أي نخبة القدرة أو الاقتصاد فهي مجرد كمبرادور لا علاقة لها بمفهوم القدرة أي بشرط الرعاية والحماية في كل أمة مدركة لدورها.

ولما كانت نخبة المعرفة والحياة (المثقفون والفنانون) أجراء عند الحكام بهذا المعنى المضاعف وكانت نخبة الوجود مبررة لكل ذلك تبين أصل الداء.

أصل الداء هو نخبة الإرادة (الساسة) ونخبة الوجود (أصحاب التأصيل والتحديث الكاريكاتوريين) تبين أن الداء سياسة الحكام وإيديولوجيا النخب.

تعيش الأمة حربين أهليتين: بين النخب السياسية ثم بين النخب الفكرية. والأولى معركتها السلطة والثروة والثانية معركتها خدمة الأولى أيديولوجيا.

حربان أهليتان: سياسية على السلطة والثروة وهي اساس الاستبداد والفساد وإيديولوجية تغطي فكريا علي الأولى إما بدعوى التأصيل أو بدعوى التحديث.

الأمة تعيش صدام حضارات داخلي يؤيده صدام الحضارات الخارجي. لذلك يبدو كاريكاتور الحداثة حليفا للغرب. لكن كاريكاتور الأصالة يفيد الغرب أكثر.

وتلك هي علة تحول من يدعون مقاومة الغرب إلى حلفاء موضوعيين لمعركته علينا لأنهم يشوهون الإسلام خلطا بينه وبين العادات الجاهلية والقبلية.

وأخيرا لا يظن بي أن استثني نفسي مما أصف فليعلم الجميع أن الطبيب ليس بالضرورة من لا يمرض بما هو مختص فيه فهو مثل غيره ولا حاجة للظنون.

ليس هدفي أن اتهم غيري واستثني نفسي بل أصف ما اعتبره أدواء الأمة حاليا وهي أدواء العلم بها لا يكفي للتغلب عليها بل لابد من العمل على علم.

ليس هدفي تجريم أحد بل أبحث عن استراتيجية للتدارك قبل أن يعم السرطان فنصل إلى الميتاستاز التي لا علاج بعدها: سأقتصر على الأولى والأخيرة.

إذا كانت نخبة الإرادة تفعل بأجهزة الدولة وباستخدام النخب الأربع الباقية وكانت نخبة الوجود تبرر لها فعلها بالأصالة الكاريكاتورية أو بالحداثة الكاريكاتورية فهما أصل الداء.

لا شك أن النخب الثلاث الأخرى لها دور ومسؤولية لكنهما دون دور النخبتين الأولى والأخيرة ومسؤوليتهما. فالحكام وأصحاب الرؤى هم مخربو الحصانة.

وأعراض الداء 5: 2- من الحكام هما الاستبداد والفساد و2- من أصحاب الرؤى الاصالة والحداثة الكاريكاتوريتان.1- الأصل: الانحطاط الذاتي والمستورد.

معركة النخب الحاكمة ليست سياسية للتنافس من أجل الرعاية والحماية اللتين هما وظيفة أي دولة ذات سيادة حقيقية بل هي تنافس المفسدين بالاستبداد.

ولا يحتاج المرء لاستدلال معقد: يكفي سؤال جنات تهريب ثروات البلاد أي بنوك سويسرا. الثورة أثبتت أن جل الحكام العرب لصوص والشاذ لا يقاس عليه.

أما النخب التي تبرر سلوك هذا النوع من الساسة بصنفيها الذي يدعي التأصيل والتحديث فيكفي أن نسمع لهم بعد الانقلابات التي حصلت في بلاد الربيع.

وطبعا فكل ما وصفت يترجم عنه مليشيات الإعلام التي تبين أنها معول تهديم لصالح أعدائها وأدوائها في أقطار أصبحت محميات للاستعمار وذراعيه إيران و"إسرائيل" وميلشياتهما بالقلم والسيف.

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • جريدة الجسر
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

موقف الفكر الحداثي من السنة النبوية

سلك الحداثيون مع السنة النبوية مسلكهم مع القرآن الكريم ونزعوا عنها صفة القدسية، وقد استندوا …