إضاءات تنبيهية على 6 مفاتيح علمية (2-2)

الرئيسية » بصائر الفكر » إضاءات تنبيهية على 6 مفاتيح علمية (2-2)
research14

تناولنا في الجزء الأول 3 مفاتيح أساسية لإرساء أركان المهارات الأساسية اللازمة لكل سالك سبيل العلم الحق. وفي الجزء الثاني نستكمل المفاتح الثلاثة الباقية:

4. التجرد للحق:

وهو المصطلح الأصيل في ديننا وثقافتنا لمفهوم "الموضوعية". والموضوعية بمعنى "الحِياد الفكري" لا وجود لها! لأن العقل "المحايد" لا وجود له بداية ! فالعقل ليس عضوًا وظيفيًا منفصمًا في الهواء، بل هو مركب في كيان متكامل من الفكر والشعور والخبرات والخلفيات التي رضعها صاحبها مع النشأة الأولى، وبالتالي لابد أن يصطبغ بها قطعًا، ويظل لذلك الاصطباغ أثر وبصمة مهما ظن صاحبه أنه تخلص منه أو أنه "محايد".

لكن الموضوعية بمعنى التجرد للحق متى ثبت بالبراهين الصائبة، تعني تغيير التوجه العقلي من وجهة كان صاحبها يظنها الصواب إلى أخرى اتضح أنها الصواب أو الأصوب، فهذا التجرد لا ينفي كون المتعلم أو الباحث ذا توجه معين، لكنه مبدأ يحثه على الجمع بين عدم التصلب الأعمى وفي ذات الوقت عدم التذبذب والجري وراء كل ناعق قبل التثبت.

ولعل مقولة عباس العقاد توضح الفارق بين هذين بجلاء: "العناد والثبات على الرأي نقيضان: العناد إصرار بغير سبب، أو لسبب ظهر بطلانه، والثبات إصرار على رأي يؤمن به صاحبه، ولم يظهر له ما يدعوه إلى التحول عنه".

الموضوعية بمعنى "الحِياد الفكري" لا وجود لها! لأن العقل "المحايد" لا وجود له بداية! فالعقل ليس عضوًا وظيفيًا منفصمًا في الهواء

5. التفكير التحليلي لا التكتلي:

وتعني المهارة الفكرية في تحويل فكرة عامة إلى تفاصيل أدق وجزئيات أكثر ثراء، وكذلك الجمع بين الأفكار المتناثرة في تسلسل مترابط طالما كانت تنتمي لسياق متقارب قابل للجمع بداية، وهذه المهارة تبدأ أول ما تبدأ في التعاملات الشخصية قبل الأوراق العلمية، بل في نمط تعامل الفرد مع ذاته أولًا! فمن لم يكن هذا ديدنه الفكري، يتعثر كثيرًا عن محاولة تكلفه أثناء البحث العلمي، ويظهر جليًا من بين الأوراق أن الأفكار ملصقة بالغراء بدل أن تنساب باتساق، كيف ذلك؟

بأن تعتاد "محاورة" ذاتك ودواخلك، لتقف على جذور ما يعتمل في صدرك من فوضى شعورية، بدل أن تتركها تسيطر عليك وتسيرك، بالاستسلام للأحاسيس والتعبيرات الهلامية من قبيل "مزاجي متعكر"، "صدري ضيق"، "أشعر بقلق وهواجس".. إلخ. التفكير التحليلي يعني أن تبدأ في تحليل هذه الكتل الشعورية بأسئلة تجلو ضبابها وتنظم فوضاها: لماذا أشعر بذلك؟ ما هي هذه الهواجس؟ هل بيدي حل عملي لها؟ إذا لم يكن بيدي حل عملي فالقلق ليس حلًا ولن يقدم أو يؤخر.. وهكذا.

وينطبق نفس المبدأ في الحوار والنقاش مع الآخرين، بأن تحلل كل محور إلى مجموعة بنود يرد عليها واحدًا واحدًا، بدلًا من الصياح في نفس النفس بغير الوصول لشيء لأنه لم يحدد شيء بداية! وكذلك في إصدار الأحكام التعميمية المطلقة على شخصيات الآخرين، واختزالهم في صفة أو صفتين!

وخير مثال توضيحي لذلك أسلوب المقارنة الشائع في المدارس وبين الإخوة، وهو من أسوأ الأساليب في التعليم وأبعدها عن القيمة التربوية، لأن نموذج “الطالب المثالي” أو “الأول” أو غيرها من "أفعل" التفضيل ترسل رسائل نفسية لغير الفائزين بها بأن ذلك الفرد أو الأفراد الفائزين قد احتكروا أسباب الفضائل، وبالتالي لم يعد لهم سوى القوالب العكسية من الفوضى والمشاغبة أو البلادة والكسل! ومن ثم يتجهون لترسيخ هذا الصفات السلبية في أنفسهم من باب "العناد" تارة، ومن باب اللامبالاة والاكتراث تارة أخرى، والمنشأ في كلتا الحالتين هبوط نفسي في استشعار قيمة الذات كفرد أكرمه الله بالوجود وامتحنه به، وفي استشعار أواصر الترحاب والانتماء الاجتماعي الذي يشجع الفرد أن يسمو بفرديته لصالح المجموع - الذي هو منهم.

الأسلوب التربوي النبوي يقر لكل فرد بميزته، ويحلل كل شخص على أنه نسيج وحده، فإذا طالعت كتابًا من كتب فضائل الصحابة، تكاد تشعر أن كل واحد هو "الأفضل"

أما الأسلوب التربوي النبوي فنجد أنه يقر لكل فرد بميزته، ويحلل كل شخص على أنه نسيج وحده، فإذا طالعت كتابًا من كتب فضائل الصحابة، تكاد تشعر أن كل واحد هو "الأفضل"، وهذا مما يجعل النفوس تشعر بالتكاملية السوية دون حسد ولا غل، وتستجيش حس التعاون غير المتكلف.

6. الفارق بين سبيل العلم وخندق المدرسة

إن ما يجري في المنظومة المدرسية ليس تعليمًا بقدر ما هو "تدريس" أي تكريس لما خطته الكتب الدراسية ، وتلقين أصم للطلبة ليوم الامتحان المقدس. فالتعليم في مفهوم المنظومة الدراسية الحالية في الأغلب الأعم قائم على بناء كمٍّ معلوماتي لا علمي، وهو حَشد متراكم لكنه غثاء كغثاء السيل. فالطالب يدرس ليستظهر ويسمّع، فيتفوق وينتقل من قالب معد سلفًا إلى الذي يليه، ومع كل نقلة تتساقط التراكمات المعلوماتية كأوراق الخريف حيث لا عودة ولا مآب.

والطريف أن الكثيرين ينمقون هذه المهزلة الفكرية بترديد أحاديث فضل طلب العلم، دون التوقف لمراجعة مفهوم العلم الحق الذي تضع له الملائكة أجنحتها رضا به، فقد استعاذ المصطفى صلى الله عليه وسلم من "علم لا ينفع"، فإذن ليس كل "علم" نافع، لأن النفع ليس لصيقًا بالعلم من حيث هو علم أي تصنيف قائم في المعارف، وإنما العبرة بالآثار المترتبة على العلم على مستوى الحياة والحركة والبناء به . شتّان بين الثقافة المسؤولة التي تنشأ عن حاجة حقيقة إليها، فتحدِث أثرًا أو تكون سببًا في أثر ينفع الناس، والمعرفة الباردة أو الترف الفكري أو التُّخَمَة الثقافية – سِيّان - التي منشؤها في الغالب "الأهمية المتوهمة". لابد أن نحفظ هذا لأن المقرر الدراسي يملي علينا ذلك، لأن قوالب المجتمع لن تقبلنا بغير الشهادات المختومة، التي تفيد بأننا "اجتزنا" المرور على تلك التراكمات، بغض النظر عن فائدتها أو أثرها!

العلم الحق هو ما رسخ في الفهم، فحفظ في الصدر، فانعكس في العمل به. وهو مادة حياة تخالط الأحياء

هذا النوع من المعرفة الباردة، التي لا تتعدى ثلاجات الأذهان، ولا تثمر حركة دافعة ولا قوة دافقة تطور الحياة وتنميها، هي هدف تافه رخيص لا يستحق إشغال النفس ساعات فيه، فكيف بإفناء أعمار في ركابه؟!! وما القيمة التي عادت علينا في حل مشاكلنا من اكتظاظ رفوف المكتبات بالدراسات والرسائل، واكتظاظ الأدمغة بمضموناتها وتوليفاتها؟

العلم الحق هو ما رسخ في الفهم، فحفظ في الصدر، فانعكس في العمل به. العلم الحق مادة حياة تخالط الأحياء، أما المهازل المدرسية فهي موت محقق لمن اكتفى بظلام خندقها وزخارف أختامها.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

أعمالنا الدعوية.. بين الالتزام والتطبيق وإعمال الاجتهاد

من أهم عوامل الفشل في أي إطار مُنتَظَم، التكلُّس والجمود، وعدم مواكبة المستجدات[/tweetable]، وهذا له …