القسام وحرب الأدمغة.. رسائل لمقاومة من نوع جديد

الرئيسية » بصائر الفكر » القسام وحرب الأدمغة.. رسائل لمقاومة من نوع جديد
o-CYBER-WAR

لقد خرجت الحرب من مفهومها التقليدي ميدان القتال المباشر (Direct Battlefield) إلى المفهوم الجديد ميدان القتال غير المباشر، وكان لزاماً في ظل الصراع مع عدو يقف على الحافة التقنية لصناعة الاقتصاد عالي التقانة والتكنولوجيا الحديثة وإدارته لثاني أكبر "وادي سليكون" للتكنولوجيا في العالم، أن يكون الاختراق بالمثل.

لقد فهمت المقاومة الفلسطينية والقسام على رأسها اللعبة جيداً، فقد وظف القسّام الخبرة التكنولوجية الكبيرة لدى شبابه، والتي عبرت الحدود دون أن يحدها حصار، وفهم طبيعة الحرب السيبرانية وأهميتها، والأهم أنها لا تحتاج جنوداً تحدهم الحدود من داخل فلسطين، بل يمكن الاستعانة بأي شخص يمتلك القدرة والكفاءة على اختراق المواقع الحساسة في العدو الصهيوني وتوجيه رسالات قاسية له.

ولك أن تتخيل مثلاً تعطيل عمل القطارات أو المطارات، أو البنوك من خلال اختراق أنظمة التحكم بها في الكيان الصهيوني، وأثر ذلك على الحياة العامة في الكيان الصهيوني، ونفسية المجتمع، وحجم الخسارة الكبيرة المترتبة عليها، أو تعطيل الصورة في الطائرات بدون طيار التي تمتلك الدور الأكبر في حسم المعركة على الأرض، والتشويش عليها ما يعني قلع أعين العدو ليقاتل بدون بصر!

62% من الصهاينة يتخوفون بشكل كبير من حرب "السايبر" القادمة تجاههم والتي يخوضها جنود مجهولون، حيث اعتبروها أنها الخطر الأكبر عليهم

شكلت صفقة "وفاء الأحرار" إضافة نوعية لطبيعة الصراع الدائر مع العدو الصهيوني، فمئات المحررين من الأسرى الفلسطينيين والذين قضوا عشرات السنين في السجون الصهيونية، تعاملوا خلالها مع الضباط الصهاينة في السجون، وأتموا دراستهم في الجامعة العبرية، قدموا صورة أوضح لطبيعة المجتمع الصهيوني ونقاط القوة والضعف فيه، كما أن قدرتهم الكبيرة على إتقان لغة العدو تعني بالضرورة الوصول لكافة الدلالات والكلمات المفتاحية المستخدمة بشكل يومي في المجتمع الصهيوني وتحليلها.

ووفقاً لتقرير نشره موقع “يسرائيل ديفينس” المتخصص في الشأن العسكري الصهيوني مطلع عام 2014م، عن استطلاع للرأي أجراه معهد “IPS” للدراسات السياسية والاستراتيجية، وذلك قبيل انعقاد المؤتمر الرابع عشر لمستوطنة “هرتسليا” والذي ركز في موضوعاته على التهديد الإلكتروني “حرب السايبر” التي تهدد المجتمع الصهيوني، فإن 62% من الصهاينة يتخوفون بشكل كبير من حرب "السايبر" القادمة تجاههم والتي يخوضها جنود مجهولون، حيث اعتبروها أنها الخطر الأكبر عليهم.

ونقلاً عن الخبير بالأمن القومي –الإسرائيلي- مسعود اغبارية فقد أكد أن الاحتلال الصهيوني تكتم على تداعيات الهجوم الإلكتروني على أمنه القومي رغم اعتراف وسائل الإعلام الصهيونية بقوة هذه الهجمات.

هجمات السايبر ومعارك الفضاء الالكتروني تؤثر كثيراً في الرأي العام الصهيوني، وتسبب حالة من الهلع والخوف من تداعيات تطورات هذه الحرب على المستقبل

واعتبر اغبارية أن هجمات السايبر ومعارك الفضاء الالكتروني تؤثر كثيراً في الرأي العام الصهيوني الداخلي، وتسبب حالة من الهلع والخوف من تداعيات تطورات هذه الحرب على المستقبل، مؤكداً أن الاحتلال الصهيوني برغم استثماراته الكبيرة في الصناعات التكنولوجية ومنظومة تطوير وحماية المعلومات، والربح الاقتصادي إلا أنه سيبقى عاجزاً عن مواجهة الجندي المجهول بهذه الحرب الافتراضية الآخذة بالاتساع والتصاعد، والتي لا يمكن السيطرة عليها مهما طوَّر الكيان الصهيوني من منظومات معلوماتية دفاعية.

ونستحضر في هذا الصدد، كيف هُزم الأمريكيون في فيتنام في اللحظة التي نجح فيها الفيتناميون لنقل المعركة إلى عيون وعقول الأمريكيين داخل أمريكا، عبر شاشات التلفزة والرأي العام والتي ولَّدت رأياً مضاداً للحرب عبر فضح المجازر المرتكبة من قبل الأمريكيين بحق المدنيين في فيتنام أولاً، ثم الخسائر في الجنود الأمريكيين من قبل الثوار الفيتناميين ثانياً.

وعلى نفس الشاكلة تماماً وإن تغيرت الوسائل نظراً لتطور التكنولوجيا، اليوم وصل القسّام للعمق والعقل الصهيوني، ووصل لهواتف الجنود الصهاينة ولجيوبهم، وبغض النظر عن مساعي رئيس هيئة الأركان في الكيان الصهيوني "غادي ايزنكوت" الضغط على الاستخبارات العسكرية الصهيونية "أمان" من خلال نشر خبر اختراق القسّام لهواتف الجنود الصهاينة للقبول بعملية الدمج للوحدات الإلكترونية ضمن جسم "سيبراني" واحد مع أجهزة الجيش الصهيوني الأخرى، باعتباره أول تراجع لدى ايزنكوت في خطة "جدعون" لتأهيل الجيش الصهيوني، إلا أن الحرب السيبرانية القادمة هي مجال واسع لا يمكن للصهاينة وقفها نهائياً.

ولعل تشكيل مجموعات شبابية عربية وإسلامية مختصة في الحرب السيبرانية حتى ولو بشكل عشوائي، وبمبادرات فردية سيلعب دوراً كبيراً في أي حرب مقبلة مع العدو الصهيوني، ولكنها تحتاج عزيمة وإرادة شبابية عربية من الجيل الصاعد، والذي أبدع بشكل كبير في التكنولوجيا.

مثلت الضربة السابقة لمجموعات "أنونيموس" 2013 نقطة مفصلية مهمة في الصراع مع هذا العدو الصهيوني، وكان صنَّاع الهكرز شباب عربي جزائري وأردني ومصري، وغيرهم من الشباب، وقد تعطلت بموجبه مئات المواقع الإلكترونية الحساسة في الكيان الصهيوني، وقد تؤسس هذه المرحلة لما بعدها.

ويبقى ميدان الصراع الجديد –الحرب السيبرانية- رحباً قابلاً للتمدد، لا يقف عند الفلسطيني وحده، ولا يقف عند مجال بعينه، في ظل مجتمع صهيوني هش يطارده شبح الموت باستمرار، ينبغي علينا أن نستثمر كافة القدرات والجهود الشبابية النابغة في مجال التكنولوجيا والبرمجيات خصوصاً لإنهاء شبح الاحتلال وسطوته علينا وعلى قراراتنا السياسية.

_____________

الهوامش

(1) ميدان المعركة المباشر "direct battlefield" هو ميدان القتال على الأرض يشهد التحام وانغماس مباشر بين طرفي القتال.
(2) يطلق على الحرب الإلكترونية "الحرب السيبيرية" لأنها شبيهه بالحرب، حيث يهاجم القراصنة "Hackers" الملفات والمواقع وغيرها التي تخص الأعداء.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب صحافي من غزة حاصل على درجة الماجستير في الاقتصاد السياسي، متخصص في الشأن السياسي والقضايا العامة، وعمل مع العديد من الصحف والمواقع العربية والأجنبية، شارك في كتاب عن "الأسرى الفلسطينيين" نشر بعدة لغات. أعد مجموعة كبيرة من المقابلات الصحفية والتوثيقية مع مجموعة من صناع القرار والقادة الفلسطينيين، وأنجز مجموعة من التحقيقات الصحفية الاستقصائية.

شاهد أيضاً

أبرز المشكلات الاجتماعية في عصور الاستبداد

منذ فجر التاريخ المدوّن، لم تعرف البشرية أمة لم تعانِ من الاستبداد في فترة ما …