د.أيمن العتوم: لهذه الأمور اتخذت الرواية وسيلة لطرح أفكاري

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » د.أيمن العتوم: لهذه الأمور اتخذت الرواية وسيلة لطرح أفكاري
ayman otoom13

قبل عقود كانت اللغة العربية أيقونة المعرفة ورمزاً للحداثة في العالم، حيث كانت لغة دولة الجيوش والفتوحات والعلم أيضاً، فهي لغة القرآن الكريم الذي أوصى في أولى آياته المنزلة بالقراءة وطلب العلم، هذه الوصية التي التزمها الأسلاف فسطع نجم الرازي وابن حيان والخوارزمي وابن سينا والفارابي وكثيرون كانوا محط الأنظار ومشد رحال الأسفار.

في حوارنا مع الدكتور "أيمن العتوم" الروائي والمختص في اللغة العربية نتجاذب أطراف الحديث حول الواقع المتردي للغة بسبب ما طرأ على الأمة من أحداث وتفكك، ونستشرف المستقبل للغة عظيمة تحمل القدسية والكثير من الرسالات، لن نطيل عليكم فالحديث عن لغة الضاد في غاية التشويق.

بصائر: باعتقادك هل ما تعانيه الأمة من ضياع للهوية وتشرذم له علاقة بتخلي الأفراد عن لغة الضاد؟ وإلى أي حد يكون التمسك باللغة انتصاراً للأمة؟

د. العتوم: في الحقيقة الانهزام السياسي في أي عصر من العصور يقابله انهزام ثقافي، والقوي يفرض لغته اليوم. أمريكا هي الدولة القوية في العالم الآن وهي التي تفرض لغتها وعلومها، ومن المعروف تاريخياً أنه في زمن الخلافة العباسية كان الملوك الإسبان يتقدمون بطلبات من الخلفاء العباسيين من أجل التحاق الأمراء والأميرات بدور العلم لتعلم اللغة العربية؛ لأنها كانت لغة العلم في تلك المرحلة، ولغة العالم أيضا، تماما كما هي الإنجليزية اليوم، والسبب في ذلك هو القوة السياسية وقوة نظام الحكم الذي كان مسيطراً آنذاك، وما نشهده اليوم من واقع متمزق لا شك أنه يؤدي لضعف في اللغة العربية واستهتار بها، حيث كثر اللحن والخطأ فيها ولم يعد هناك قدسية للغة العربية بالرغم من أن الله قدسها جين جعلها لغة كتابه الخالد .

ما نشهده اليوم من واقع متمزق لا شك أنه يؤدي لضعف في اللغة العربية واستهتار بها

بصائر: أنت درست الهندسة ثم تركتها واتجهت للغة العربية وحزت الدكتوراه وعملت في التعليم والتأليف والكتابة، كيف أثرت هذه الخطوة على صقل شخصية الدكتور العتوم؟ وما هي الرسالة التي توجهها من هذه المسيرة للشباب؟

د. العتوم: كل إنسان يضع أهدافاً مرحلية في حياته وأهدافاً استراتيجية ثم يكتشف بعد أن يمضي قدماً في بعض الدروب أنه يمشي بدروب خاطئة أو أن بعض الدروب أفضل من بعض وأن بعض الدروب لا تصل به لغاياته فيغير، يجب أن يكون الإنسان مرناً ويغير اتجاهه بحسب ما هو قادر أن يصنع ، بالنسبة لي أردت أن أحدث تغييراً، وأن أضع بصمتي وأن أقول أن العربية ليست كما تظنون أنها لغة مقعرة أو لغة معقدة، ومن خلال كتاباتي تعرفون أن اللغة العربية لغة جميلة وشاعرية؛ وكما قال عنها العقاد "اللغة الشاعرية" كونها تحرك المشاعر وتوسع الآفاق وتجعل الخيال ساحرا، والمشركون حين قالوا عن القرآن "إن هذا إلا سحر يؤثر" لأنهم لم يريدوا أن يلمزوا بالقرآن من ناحية عقدية لكن أرادوا أن يكونوا صادقين في أن تأثير القرآن بل لغة القرآن عليهم كالسحر.

بصائر: أنت ألفت روايات عديدة .. ما هو السحر في المعلومة الروائية؟ لماذا اتخذتها وسيلة في طرح الأفكار ولم تتجه لأنماط كتابية أخرى؟

د. العتوم: أنا شاعر منذ ما يقرب من 30 عاماً، بدأت كتابة الشعر وعمري 12 عاماً والآن مر من عمري 44 عاماً، فأنا أكتب الشعر منذ زمن وهو وسيلة مكثفة لتوصيل الرسالة، ونحن نعيش في زمان ليس كل الناس يفهم الشعر، نعيش في مرحلة اللاشعر إذا جاز التعبير، والبيت الشعري الواحد قد يكون مختبئاً خلفه تاريخ بأكمله فيتم اختصاره من قبل الشاعر في بيت واحد، إلا أن زماننا ليس زمان الشعر!

في الرواية يعبر الكاتب عنك، وكل هذا السحر يجذب القارئ للرواية ويجعلك تفكر أنه يمكن أن تضع رسالتك وما تطمح إليه وتدبلجها بهذه الطريقة وتقدمها للقارئ

نحن نعيش الآن في زمن الرواية وهي عالم مفتوح مبسط وسهل ممتد أمامك تستطيع أن تلتقي فيه الشخوص والأحداث ، بل ربما يصنع منك الروائي شخصية أو بطلا من هذه الأبطال فتعيشها وترى في هذا البطل نفسك أو ترى أنك تفعل ذلك أو تتمنى فعل ذلك، في الرواية يعبر الكاتب عنك، وكل هذا السحر يجذب القارئ للرواية ويجعلك تفكر أنه يمكن أن تضع رسالتك وما تطمح إليه وتدبلجها بهذه الطريقة وتقدمها للقارئ.

بصائر: إلى أي حد أثر الإعلام الجديد سلباً وايجاباً على لغة الأفراد؟

د. العتوم: أعتقد أن الاعلام الجديد أثر سلباً أكثر مما أثر إيجابا في الحقيقة، لكن الذي يريد أن يبحث عن مواطن الجمال والخير يجده، والذي يريد أن يبحث عن الشر يجده أيضا، وإذا أراد أن يذهب لمن يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي من أجل تنمية الذائقة الأدبية واللغوية فسيجد ذلك وسيتمكن من تنمية نفسه في هذا الجانب، ومن ارتكز على الكتابة بالعامية أو بـ"العربيزي" وهو الأكثر حضوراً في الإعلام الاجتماعي وهو الكثرة الكاثرة. لكن هناك معيار نقدي إلهي حيث يقول تعالى: "فأما الزبد فيذهب جفاء" وهو الغالب والكثير اليوم وسيموت ويندثر مع الزمن، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

بصائر: ما هو الحد الأدنى الذي يجب أن يلم به المرء من اللغة العربية؟

د. العتوم: على المرء أن يلم بالقواعد الأساسية في اللغة العربية إلى جانب حفظ النصوص المشرقة، كحفظ آيات القرآن الكريم والتمثل بها ونصوص الحديث النبوي الشريف الذي قال عنه العلماء: "أوتي جوامع الكلم" ويعني أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول المعنى الكثير في الكلام القليل وهذا ما يسمى البلاغة، طبعا البلغاء كثيرون قبل النبي صلى الله عليه وسلم وبعده لكنه عليه الصلاة والسلام حاز البلاغة، إلى جانب حفظ نصوص الشعر.

اللغة العربية تبقى حية ويبقى الفكر الذي بثه الكاتب والشاعر والفنان من خلال هذه اللغة حياً حتى وإن مات جسده

واللغة العربية تبقى حية ويبقى الفكر الذي بثه الكاتب والشاعر والفنان من خلال هذه اللغة حياً حتى وإن مات جسده.

مات المتنبي لكن بقي قوله:
ما كل ما يتنمى المرء يدركه .. تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

ومات أبو العلاء المعري لكن ظل منه:
وإني وإن كنت الأخير زمانه ..لآت بما لم تستطعه الأوائل

ومات إيليا أبو ماضي وظل منه:
فاضحك فإن الشهب تضحك .. والدجى متلاطم ولذا نحب الأنجما

بصائر: هل هجران القراءة في المجتمعات العربية ساهم في حالة الجهل بهذه اللغة وعدم إيلائها الاهتمام المطلوب؟

د. العتوم: إلى حد كبير قد يكون هذا صحيحاً، لكن منذ حوالي 3 سنوات بدأ العرب يعودون للقراءة، كانوا يقولون في السابق أن معدل قراءة الفرد العربي في السنة 6 دقائق! وهذا رقم مذهل ويدل على تواضع المستوى في الحين الذي يقرأ فيه الأوروبي 200 ساعة، يعني أنه يقرأ أكثر من 2000 ضعف الفرد العربي وبالتالي من الطبيعي جداً أن يكون متقدماً وأن يكون مسيطراً وأن يكون في صدارات الأمم، وأعتقد أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في الانفتاح على الآخر وبدأ العرب يعودون للقراءة  وأعتقد أن الوضع بات مختلفاً خلال السنوات الثلاث الماضية وهذه العودة تبشر بخير.

بصائر:  هل يمكن أن تعود العربية لصدارتها وتصبح يوماً اللغة الأولى في العالم؟

اللغة العربية اليوم ليست هي اللغة الضعيفة، بل إن الحالة الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية للذين يتحدثون بالعربية هي الضعيفة

د. العتوم: لا أشك في ذلك، لكن هذا مرتبط بعودة العرب لدينهم ولغتهم وتماسكهم وبالتالي تشكيل قوة قادرة على أن تفرض هذه اللغة، وليس الفرض هنا بمعنى الإكراه ولكن سيضطر إليها الناس عندما تصبح لغة العلم ولغة الثقافة ولغة الحضارة كما كان في السابق، حيث كان ينظر لمن يتكلم بالعربية على أنه متقدم وأنه متحضر وأنه يحظى بالعلوم الكثيرة، وهكذا العربية؛ اليوم ليست هي اللغة الضعيفة بل إن الحالة الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية للذين يتحدثون بالعربية هي الضعيفة لذلك لم يستطيعوا إنتاج لغة فن ولا لغة شعر ولا لغة رواية قادرة على أن تصل للآخر وتؤثر به وستعود للصدارة إن شاء الله.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفية في موقع "بصائر" الإلكتروني، وصحيفة "السبيل" اليومية الأردنية في قسم الشؤون المحلية والتحقيقات. وكاتبة في مجلة "الفرقان" التابعة لجمعية المحافظة على القرآن الكريم / الأردن؛ في الشؤون الأسرية والتربوية. وتكتب بشكل متقطع في العديد من المجلات العربية منها؛ البيان؛ الفرقان الكويتي؛ وأجيال السعودية إلى جانب العديد من المواقع الإلكترونية.

شاهد أيضاً

د. بحر يتحدث عن الميراث الذي خلّفه “البنا” في الأمة الإسلامية في ذكراه الـ 71

عُرِفَ على نطاقٍ واسع عندما أسس حركة الإخوان المسلمين أواخر القرن العشرين، جاهد ضدّ الاحتلال …