على أعتاب العام الجديد

الرئيسية » خواطر تربوية » على أعتاب العام الجديد
syria-rubble

بخطوة مترددة وبغصّة نفس ترمي الإنسانية قَدمها على أعتاب السنة الميلادية الجديدة، وما ترددها وغصصها إلا بسبب خيبات العام المنصرم، فقد أخزاها الإنسان إذ طعنها طعنات عدّة في ظهرها، فكانت أخرها كل من الموصل وحلب، طعنتين داميتين في قلب الإنسانية.

فأكثر ما قدّمه مجلس حقوق الإنسان لأولئك الذين قضوا تحت الأنقاض ولأولئك الأطفال الذين ماتوا وللنساء اللائي انتُهكت حرمتهن هو التنديد والإنكار ومن ثم التنديد والإنكار ومن ثم لا شيء!

يعلم الجميع أن العين لا تقاوم المخرز وأن العنق لا يقاوم السيف وأن الحياة لا تقاوم الموت، وأن الطائرات التي ترمي البراميل والكلور والصواريخ الارتجاجية لا يقاومها الرصاص ولا الرشاش... لكن كان بالإمكان أن يأخذ مجلس حقوق الإنسان المجرمين إلى محكمته العادلة أو يقدم اعتذاره إذ لا يمثل الإنسانية ولا حقوقها.

على الإنسانية اليوم أن تقدم اعتذاراً لثكالى الموصل وأرامل حلب، عليها أن تعتذر من النساء العفيفات اللاتي تعدّى على حرمتهن أبناء أبي جهل.

تعترف أن الإنسان الذي خلقه الله تعالى من نفحة روح وطين لازب هو اليوم في حلب أشدّ ضراوة من الوحوش المسعرة، وأكثر إيلاما لأخيه الإنسان من الضباع الجائعة!!

لقد ضرب الإنسان مثلاً من الوحشية؛ عجزت عنها السّباع الضارية، فتلك دفعتها ضرورة المسغبة إلى الافتراس، أما هو عظم في نفسه الطَمع فجعله يمصّ بلسانه دم الضحية أكثر ما يمصها الضبع

لقد ضرب الإنسان مثلاً من الوحشية؛ عجزت عنها السّباع الضارية، فتلك دفعتها ضرورة المسغبة إلى الافتراس، أما هو عظم في نفسه الطَمع فجعله يمصّ بلسانه دم الضحية أكثر ما يمصها الضبع!!

ولهذا تهتز هيبة الإنسانية في بداية هذا العام، إذ إن فريقاً من الناس تكالبوا وتراقصوا على جثث الموتى، ولا يزالون منسوبين لها يتكلمون باسمها، يقلقها أن الجاهلية التي بيننا وبينها خمسة عشر قرناً والتي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم :(( إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ)) (مسلم). هي لاتزال موجودة بيننا وأقرب من بياض العين لسوادها.

الجاهلية اليوم تاج رؤوس الميليشيات والتنظيمات العاثية في الأرض الفساد.

يطوي العام المنصرم آخر صفحة في كتابه وقد أسقطَ القناع عن ذلك الإنسان الذي فعل من الخسائس ما لامته عليه الوحوش. ويسقط أيضا القناع عن فريق المتفرجين الذين أصابهم خدر الغفلة فأسكر عقولهم، فلم يعودوا قادرين على أخذ أي موقف، بل أن يقولوا كلمة حق، فكانوا فريقاً بين المؤمنين الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، والمنافقين الذين يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف!!

ليعلم أولئك الساكتون أنهم شركاء المجرمين في القتل والتنكيل بسكوتهم، وليعلم أولئك أنهم يسجلون لأنفسهم عاراً تاريخياً لن تمحوه الأيام، يحملون عار تلك الفتاة التي اغتصبت وذلك الطفل الذي تضرّج بدمائه وهو نائم

وليعلم أولئك الساكتون أنهم شركاء المجرمين في القتل والتنكيل بسكوتهم، وليعلم أولئك أنهم يسجلون لأنفسهم عاراً تاريخياً لن تمحوه الأيام، يحملون عار تلك الفتاة التي اغتصبت وذلك الطفل الذي تضرّج بدمائه وهو نائم.

تلج الإنسانية سنتها الجديدة بحذر وقد علمت أن ( بابا نويل) كانا خدّاعا إذ وعد أطفال سوريا والعراق أن يدخل عليهم ليلا وهم نائمون ليضع هداياه ووروده، لكنه نزل عليهم قنابلاً وصواريخاً من السماء!!

تلج وقد علمت أن إيقاد أشجار "الكريسماس" وإشعال شموع القساوسة وتراتيل السلام والمجد ليست إلا مظاهر كذب تغطي جرائم أشرار الأرض، يُخدع بها قاصروا الفهم من العرب.

إن هذا العام الجديد ليس في مخيفاً للدرجة الكبيرة، وليس منذراً بجيش جرار يأكل الأخضر واليابس مالم يصحُ أولئك النائمون من غفلتهم.

إن العدو من الخساسة والضعف بمكان، وليس من عقيدة تجمعه ولا إيمان، وما نصره إلا بالملوك النائمين والرعية المشتتين.

إن هذا العام ينذر أصحاب الفخامة من الحكّام والملوك وينذر التجار والنافذين في بلاد العروبة:

أن القتال في حلب كان سببه القتال في الموصل، والقتال في الموصل كان سببه القتال في الفلوجة. وأنه وهذه حالنا لا يستبعد أن يكون في عاصمة عربية جديدة

1- أن العبودية ليست للشهوات من النساء ولا للأموال.إنما هي لله تعالى خالصة من أي شرك.

2- أن القتال في حلب كان سببه القتال في الموصل، والقتال في الموصل كان سببه القتال في الفلوجة. وأنه وهذه حالنا لا يستبعد أن يكون في عاصمة عربية جديدة!!

3- أن الوقوف بين فريق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وبين نقيضهم من المنافقين من غير أن يتمعّر الوجه لهو الهلاك بعينه.

4- ألّا عزّة لأصحاب الأماني والأحلام، الذين لا يقدمون لإسلامهم ولا لعروبتهم سوى الكلام.

ليس في ذلك تحبيط ولا تخذيل بل هو النُذر الذي جاء به العام الجديد ليصلح المسلمون ما أفسدوا في عامهم الفائت وليتوبوا إلى بارئهم توبة نصوحاً، وليعلموا أن عزتهم ليست بأن ننفق الملايين على أعياد الميلاد من أجل تلميع ومسح جوخ الغرب. إنما العزة بنصر هذا الدين وأهله.

لتخطو الإنسانية بحسن ظنّ بالله تعالى، وليستقيظ النوّم ممن أمضوا عامهم الماضي سكارى تنتخيهم العروبة فلا ينتخون، وتستنجدهم النساء الملهوفات فلا ينجدون، وتستصرخهم أصوات الأطفال اليتّم فلا يردون.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب في القضايا الفكرية، محاضر ومقدّم دورات في التربية، له مؤلفات ومقالات منشورة.

شاهد أيضاً

أعمال الإنسان بين استغلال الوقت والتوفيق

كثيراً ما يقف الإنسان ذاهلاً أمام عمره وهو يمر به سراعاً كقطرات الماء المتسربة من …