لماذا علي أن أسامح الآخرين.. وكيف أقوم بذلك؟

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » لماذا علي أن أسامح الآخرين.. وكيف أقوم بذلك؟
Forgive-6

لم يتعرض أحد من البشر للأذى والإهانة والتسفيه، بل حتى محاولات الاغتيال الجسدية والمعنوية، والخوض في الأعراض، مثلما تعرض له رسول الله-صلى الله عليه وسلم- لكنه مع كل ذلك كان أكثر رحمة بمن آذوه، فلم ينتقم منهم، ولم يقابل إساءاتهم بالإساءة. هكذا كانت أخلاقه، وكان تسامحه بمثابة قوة ناعمة وهائلة غيّرت مجرى التاريخ الإنساني لصالح الخير والمحبة والسلام، وهذا ما يجب أن يكون عليه كل مسلم يتأسى بأخلاقه، فالحياة لا تخلو من منافسين وخصوم.

فالتسامح خلق عظيم، ومنهج قرآني قويم، فهو العفو عن الزلل، والصفح عن الخلل، ولا يوفق إليه إلا من أحبه الله، ونفس المسامح نفس سامية، كريمة عالية، لماذا؟ لأنك لن تسامح إلا من ظلمك، وأخطأ عليك وجار!! وهل يقدر على هذا إلا من تربى على مائدة القرآن، وانصقل بأخلاق سيدنا محمد-صلى الله عليه وسلم-، ووافق هذا كله توفيق الله تعالى.

فكم هي حاجتنا للتسامح فيما بيننا؟ وهل يمكن أن يكون التسامح مدخلاً لوجع جديد؟ وكيف نرسخ ثقافة التسامح بين أبنائنا منذ الصغر؟ وكيف نتعامل مع من أخطأ بحقنا؟ هذه الأسئلة وغيرها يجيب عليها التقرير التالي:

الحاجة إلى التسامح

داوود حلس الأستاذ المشارك بكلية التربية قسم المناهج وطرق التدريس في الجامعة الاسلامية بغزة قال لـ"بصائر": "إن ديننا الاسلامي الحنيف قام على التسامح بين أفراد المجتمع، ولولا وجود التسامح ما استقام حال لمجتمع على الإطلاق"، مشيراً إلى تسامح المصطفى -صلى الله عليه وسلم- حتى مع كفار قريش، عندما فتح الرسول مكة قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء، لافتاً إلى أن ذلك الموقف يُرسخ قيمة التسامح في المجتمع.

د. داوود حلس: لولا وجود التسامح ما استقام حال لمجتمع على الإطلاق

وأضاف "كلما كان التسامح سائداً بين أفراد الأسرة والمجتمع كلما سادت المحبة والألفة بين الناس وبالتالي توحيد الصف، ونحن بحاجة ماسة في عالمنا الإسلامي والعربي اليوم إلى التسامح".

كيف تعامل رسولنا مع من ارتكب خطأ بحقه؟

وأشار حلس إلى أن من ارتكب خطأ بحقنا لا بد أن نسامحه ثم نوجهه التوجيه الصحيح، "فرسولنا عندما اجتمع مع عتبة بن ربيعة نجد قمة التسامح، والحوار التربوي، مع أن عتبة كان مشهوراً بالذكاء والحكمة، فقال لقومه ها هو الرسول يجلس في المسجد لوحده، ما رأيكم أن أكفه عنكم؟ فرتب كلماته وذهب إلى الرسول، فقال له الرسول: إذا كنت تريد مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفًا سَوّدناك علينا، حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان لك رِئْيًا تراه لا تستطيع رده، بمعنى مرض نفسي طلبنا لك طبيب يداويك".

وتابع "على الرغم من أن عتبة كان بهذه الحالة كافراً، لكن رسولنا الكريم كان يستمع إليه، حتى لما انتهى من حواره قال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟ وهذا قمة التعامل والتسامح مع من يخطئ بحقنا".

وأردف حلس قائلاً: "مع أن عتبة جاء ليعطي الرسول مفاهيم تخالف الشريعة الإسلامية، لكنه لم يوبخه ويمنعه بل استمع إليه بكل احترام وتقدير، فمن أخطأ بحقنا يجب أن لا نرد الخطأ بخطئ أكبر، بل نعالج الخطأ، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن).

وذكر أن الذي يدفع البعض إلى التعنت وعدم مسامحة الآخرين هو الأنانية ، "ومعنى الأنانية هو أن أُصّر على رأي ولو كان خطأ، وهذا قمة حب النفس وعدم التنازل للآخرين".

حلس: التسامح ليس إذلالاً على الإطلاق، بل هو قيمة إسلامية حميدة، ولا يعني أن أسامح الآخر أنني أتغاضى عن الخطأ، بل أسامح لأعالج الخطأ

كيف نرسخ التسامح بين أبنائنا منذ الصغر؟

وطالب حلس بأن يكون في كل أسرة مجلس لها، يتكون من الأب والأم والأبناء من أجل ترسيخ ثقافة التسامح بين أفراد المجتمع وبالذات بين أفراد الأسرة الواحدة، قائلاً: "شيء جميل لو أن هذا المجلس الأُسري اجتمع في ليلة سمر على مشروبٍ محبب للجميع، ويطرح الأب قضية اجتماعية أو أُسرية، ويأخذ بآراء الأبناء، فمن هنا يعلمهم كيفية الحوار، واحترام الرأي والرأي الآخر، ومن هنا يرسخ التسامح، فأنا أحترم رأيك وآخذ به إذن سيكون هناك تسامح وحوار".

وأردف قائلاً: "عندما يخطئ الابن في أحد أفراد الأسرة أتقبل خطأه وأنصحه، تماماً كالأمن الصفي، وهو أن يشعر التلميذ في حجرة الصف أنه لو ارتكب خطأ في ناحية علمية بأنه لا يعاقب ويسامح".

وقال حلس: "نحن نحتاج إلى أمن أسري ولا يجوز أن يكون الأب متسلطاً بمعنى الرأي الأول والأخير له، فعندما يطرح الأب قضية ويأخذ برأي الأبناء والأم، فإنه بذلك يُشعر الأبناء بالتسامح والحوار البناء والجيد، فالتعليم يجب أن يكون بهذه الطريقة ونحتاج لمثل هذه الطريقة منذ نعومة أظافر أطفالنا".

هل يكون التسامح مدخلاً لوجع جديد؟

وأوضح أن المسامحة لا تعني أن أوافق على الخطأ أو على استمراره ، بل تعني أن أسامح بشرط أن لا يتمادى هذا الإنسان في خطئه.

واستدل بموقف رسولنا الكريم حينما جاءه فتى، فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا!، فما كان من الصحابة إلا أن أشهروا سيوفهم، فكيف يقول هذا الشرط بحضرة الرسول -صلى الله عليه وسلم-!! فقال الرسول له: هل ترضاه لأمك؟ هل ترضاه لأختك؟ هل ترضاه لابنتك؟ وعالج الخطأ ببيان مفاسد مطلبه، وسوء عواقبه، وفي هذا إرشاد للمعلمين والمربين والدعاة باللطف بالجاهل قبل التعليم، وفق حلس.

وتابع "هنا كان التسامح وفي نفس الاتجاه كان العلاج، ووضع يده على صدره ودعا له، (اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحَصِّنْ فرْجَه، فلم يكن شيء أبغض إليه منه -الزنا-).

حلس: عالمنا اليوم يعاني من أزمة قيم، والتسامح قيمة، والقيم لا تدرس ولا تعلم، بل تُكتسب، فأنا أكسبها للفرد من خلال مواقف تعليمية، حتى تصبح هذه القيمة من الثوابت عنده

وأكد حلس أنه يجب أن نتعلم من المدرسة المحمدية هذه الأخلاق الاسلامية القيمة، مشيراً إلى أن عالمنا اليوم يعاني من أزمة قيم، "والتسامح قيمة، والقيم لا تدرس ولا تعلم، بل تُكتسب، فأنا أكسبها للفرد من خلال مواقف تعليمية، حتى تصبح هذه القيمة من الثوابت عنده".

أهمية التسامح

د. ماهر السوسي: الخطأ أمرٌ واقع لا يمكن التحرز منه، والتعامل مع خطأ الآخرين تجاهنا يكون بالتّروي والتؤدة، وعدم الاستعجال في الرد

ومن ناحيته، قال ماهر السوسي الأستاذ المشارك بكلية الشريعة والقانون في الجامعة الإسلامية بغزة: "إن أهمية التسامح تكمن في المحافظة على المجتمع المسلم قوياً متماسكاً، كما أمرنا الله تعالى بقوله: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} [آل عمران: 103]، فالتسامح يمنع التفرقة، إذ هو يزيل الضغائن من القلوب، ويولد الحب الذي تقوى به اللُحمة الاجتماعية ".
وأضاف أن التسامح يظهر أثره فيما يسود المجتمع من ودّ وإخاءٍ ومحبة، واختفاء مظاهر المشاحنات والنزاع بين أفراده، ومن ثم لين الناس بعضهم لبعض.

كيفية التعامل مع خطأ الآخرين؟

واستدل بما جاء في حديث النبي- صلى الله عليه وسلم- (كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ)، مؤكداً على أن الخطأ أمرٌ واقع لا يمكن التحرز منه، وكل منا مُعرّض لأن يخطئ بحق غيره، أو يخطئ أحد بحقه، مبيناً أن التعامل مع خطأ الآخرين تجاهنا يكون بالتّروي والتؤدة، وعدم الاستعجال في الرد، بحسب السوسي.

وقال لـ"بصائر": "إن الأهم من ذلك كله ألا نغضب بمجرد العلم بهذا الخطأ، لأن الخطأ سيفقدنا توازننا، ويجعل ردنا غير مقبول، وقد تنعكس نتيجته سلباً علينا؛ ذلك لقول النبي- صلى الله عليه وسلم- في وصيته للأعرابي "لا تغضب مراراً"، ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)).

السوسي: لا بد من أن نسأل أنفسنا عن سبب هذا الخطأ، وعن الدافع الذي دفع صاحبه له، فلعله يكون مُحقاً، أو لعله استعجل في أمره ثم علم بخطئه وندم، أو لعله لم يقصد ما صدر عنه، أو لعله لم يكن يقصدنا نحن وإنما يقصد غيرنا

وشدد السوسي على ضرورة أن يُسيطر الإنسان على نفسه أولاً، ويكبح جماحها، ثم يتدبر الأمر، "ولا بد من أن نسأل أنفسنا عن سبب هذا الخطأ، وعن الدافع الذي دفع صاحبه له، فلعله يكون مُحقاً، أو لعله استعجل في أمره ثم علم بخطئه وندم، أو لعله لم يقصد ما صدر عنه، أو لعله لم يكن يقصدنا نحن وإنما يقصد غيرنا".

وتابع "يجدر بنا أن نسأل أنفسنا هذه الأسئلة قبل كل شيء، ثم بعد ذلك نحاول الرد على هذا الخطأ إن تأكدنا أنه بالفعل خطأ وأننا نحن المقصودين به؛ وحبذا لو التمسنا لهذا المخطئ عذراً كما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (لا تظن بكلمة صدرت من أخيك شرا وأنت تجد لها في الخير محملا).

أجر المتسامحين

السوسي: الله تعالى أخفى أجر التسامح من باب تشويق الناس إليه وحثهم على فعله

وأكد أن الله تعالى "لم يبيّن لنا أجر المتسامحين، حتى يكون ذلك مدعاة لمضاعفة الأجر حسب جهد المتسامح، ومواظبته على هذا الخُلق الحسن، فالله تعالى أخفى الأجر من باب تشويق الناس إليه وحثهم على فعله"، على حد تعبيره.

وأوضح السوسي أن الذي يساعد المسلم على التسامح مع الناس، هو علمه بأن الله تعالى قد أمر بالتسامح، وأنه عز وجل يحب المتسامحين، وأن التسامح هو أقرب لتقوى الله تعالى، مستدلاً بقوله تعالى: {وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}، {وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة:237]، وقوله: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:134]، والتسامح هو صورة من صور الإحسان إلى الناس .

متى يسامح الإنسان؟

واسترسل قائلاً: "يمكن للإنسان أن يسامح مع من يعلم أن التسامح يصلح حالهم، وإنهم ما أخطؤوا متعمدين، أو أن التسامح سيشجعهم على عدم تكرار الخطأ ، أما إذا كان الأمر خلاف ذلك، فللإنسان أن يُعاقب من أخطأ بحقه، بمثل ما فعل به، لقول الله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} [النحل:126].

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفية فلسطينية مقيمة في قطاع غزة، حاصلة على درجة البكالوريوس في الصحافة والاعلام من الجامعة الاسلامية بغزة عام 2011م، وكاتبة في موقع "بصائر" الإلكتروني، وصحيفة "الشباب" الصادرة شهرياً عن الكتلة الاسلامية في قطاع غزة. وعملت في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية أبرزها صحيفة فلسطين، وصحيفة نور الاقتصادية، وصحيفة العربي الجديد.

شاهد أيضاً

لتجنب “كورونا”… “خليك بالبيت” لكن لا تهدر وقتك

"خليك بالبيت"، واحدة من أهم النصائح لتجنب انتشار فيروس كورونا، بتطبيقها يحمي الفرد نفسه من …