متى يكون الحب رزقًا؟

الرئيسية » خواطر تربوية » متى يكون الحب رزقًا؟
4246901-love

كثيرون هم الباحثون عن الحب، أمَّا واجدوه فقليل ما هم. والمهم حقًّا هو إدراك نوع الحب، الذي نحصل عليه أو نسعى إليه. فالحب كغيره من الأشياء، يمكن أن يكون رزقًا أو يتحول وباءً على صاحبه. وهنا عرض لبعض علامات الحب حين يغدو رزقًا، وما يدعمها من السنة النبوية المطهرة، أو حياة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين:

1- موقف لا يُنسى!

عادة ما يحب البشر الإنسان، الذي صنع لهم معروفًا لاينسى، ذلك لأن مثل هؤلاء الأشخاص نادرو الوجود. علاوةً على أن صنيعهم الخيِّر جاء غالًبا في وقته. مثال ذلك، ما حصل مع النبي ﷺ في أول مرة نزل فيها عليه الوحي، حيث عاد ﷺ إلى المنزل خائفًا مذعورًا، ومما قاله لزوجته السيدة خديجة رضي الله عنها: "لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي". فردت عليه السيدة خديجة رضي الله عنها، بذلك الرد الرائع الذي خلَّدته كتب التاريخ والسيرة ، والأهم قلب النبي ﷺ: "كَلاَّ وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ". (رواه البخاري)

وقد حفظ لها النبي ﷺ هذا الموقف النبيل بعد سنين من وفاتها. وكان النبي ﷺ كثيرًا ما يُثني على السيدة خديجة رضوان الله عليها، أمام السيدة عائشة رضي الله عنها فيحسن الثناء. فتحكي السيدة عائشة رضي الله عنها تعليقًا على ثناء النبي ﷺ: (فغرِت يوماً، فقلت ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدقين(هي المرأة التي سقطت أسنانها من الكِبَر فلم يبق إلاَّ حُمْرَةُ لِثَاتِهَا)، قد أبدلك الله عز وجل بها خيراً منها، قال ﷺ: "ما أبدلني الله عز وجل خيراً منها، قد آمنتْ بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء" (رواه أحمد). وهكذا حفظ النبي ﷺ، تصديقها له ومواساتها لشدته، ولم ينس جميلها قط، حيث كان في أمس الحاجة لهذا الدعم. وهكذا الحب حين يكون رزقًا، فتغذيه وتنعشه الَّلفتات الجليلة والراقية ، والمواقف التي لا تُنسى  !

كم من زوجة تعاهد زوجها على شيء وتطيعه فيه، فإذا ما تغيرت الحال، أو غاب عنها لموت أو سفر، أخلفت الوعد، وتخلَّت عن الطاعة

2- الطاعة حتى في غياب الحبيب!

كم من زوجة تعاهد زوجها على شيء وتطيعه فيه، فإذا ما تغيرت الحال، أو غاب عنها لموت أو سفر، أخلفت الوعد، وتخلَّت عن الطاعة. أما في قصة فاطمة بنت عبد الملك، فإننا نلمس مثالًا راقيًا، لحب الزوجة لزوجها أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، والوفاء له، والالتزام بطاعته، حتى بعد وفاته. فقد رُوي أن عمر بن عبد العزيز سأل زوجته فاطمــة، أن تختار بين حليٍّ نفيسٍ أهداه لها والدها وبينه، فاختارته هو. فلما تُوفي عنها، وتولى أخوها يزيد بن معاوية منصب الخلافة، عرض عليها ردَّ جواهرها. فأبتْ وقالت: (لا والله، ما أطيب به نفسًا في حياته، وأرجع فيه بعد موتـه). [أخرجه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في الحلية].

فالحب يكون رزقًا حين تكتنفه طاعة تنبع من مودة، وتفاهم، وإعطاء خيارات، وطيب نفس  . فكان من الممكن أن يجبرها زوجها على التخلص من الجواهر، ولربما أطاعت! ولكن وقتها تغدو النفس غير النفس، والطاعة غير الطاعة، والحب رِزءًا، هذا إن وُجد!

3- مراعاة مشاعر الطرف الآخر

عندما يصل بنا الحب لنقدر مشاعر الآخر ونحرص عليها، هنا يكون الحب رزقًا  . فما أسهل التغني بعبارات الهيام، ولكن الكثير يرسب في الاختبار حين تحين ساعة الصفر. لذا، كانت من المفاتيح التي ذكرها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لامتحان معادن البشر هي المخالطة والمعاشرة.

ومن الأمثلة الرائعة التي تدل على مراعاة المشاعر، هو ما كان بين أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، وزوجها الزبير بن العوام رضي الله عنه، والذي عُرف بغيرته الشديدة. فحدث مرة أن كانت رضي الله عنها تحمل النوى على رأسها، فمرَّ بها النبي ﷺ، وعرض عليها أن تركب البعير، فتذكَّرت غيرة الزبير فأبت. ولما أخبرت زوجها لاحقًا بما جرى، قال رضي الله عنه:(والله لحملك النَّوى على رأسك، أشد من ركوبك معه). [رواه البخاري].

ليس كل حب رزقًا، فهناك من الحب ما قتل، ودمر، وفرّق

كثيرًا ما نذكر القصة السابقة كمثال لغيرة الزوج، وحرص الزوجة على مشاعر زوجها. وهذه لا ريب رسائل مهمة. ولكن ما نود إلقاء الضوء عليه هنا، هو تقدير الزوج ومراعاته لموقف زوجته. وتبيانه لها أن مشاعر الغيرة، التي قد تسيطر عليه في أي موقف، لهي أهون عليه من تعبها!

ليس كل حب رزقًا إذن، فهناك من الحب ما قتل، ودمر، وفرّق. لذلك لا نَعجبُ حين وصف نبينا عليه الصلاة والسلام، حبه للسيدة خديجة رضي الله عنها بالرزق، فقال: "إنَّي رُزقت حبها!" [رواه مسلم].

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومترجمة من مصر، مهتمة بقضايا التعليم والأسرة والتطوير الذاتي

شاهد أيضاً

جمالك بأخلاقك!

سمعت بالأمس أحد مذيعي البرنامج التلفزيونيه يتحدث بكلام جاد محوره أن الأخلاق تمر بأزمة أو …