أخي في الله.. بكم تبيع أخوّتك؟

الرئيسية » خواطر تربوية » أخي في الله.. بكم تبيع أخوّتك؟
BC5558-001

كانت الهجرة النبوية المباركة نوراً فارقاً في حياة البشرية حين انتقلت النبوة من حيز المحلية محاصرة في شعاب مكة وبيت الأرقم ومطاردات الكافرين وتعذيب المؤمنين إلى حيث يكون للإسلام دولة بلا جدران تنفتح على العالم أجمع، ترسل منها الوفود لمخاطبة الملوك والأمراء، وكيف لا وقد جعل صلى الله عليه وسلم دولة عالمية منذ نشأتها الأولى، وكان خطاب دستورها السماوي موجها للبشرية كلها قبل اكتشاف حدودها المعروفة والغير معروفة لهذا الزمان، بل لم يكتف بعالم الإنسان وحده، بل كل العالمين الذين من إنس وجن وعوالم لا نعرف عنها شيئاً.

كيف لا وقد آخى نبيها بين أفرادها منذ اللحظة الأولى التي دخل فيها عاصمة العالم في ذلك الوقت، المدينة المنورة، ليصير المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، وتأخذ الأخوة والحب بين الناس بعداً آخراً، بعد التوارث كالأخ من الدم، بل أشد قرباً وآصرة بالدين والانتماء والمهمة المختارة لهداية البشرية جميعها.

وهنا يبرز سؤال انتبهت إليه، ألم يكن أجدى أن يؤاخي النبي صلى الله عليه وسلم بين المسلمين بعضهم البعض في مكة قبل الهجرتين (الحبشة والمدينة) فيكون تحركهم نابعاً من الحب فيه وعاطفة ورابطة التآخي؟

رابطة الأخوة كانت تحتاج لنفوس مهيأة تربوياً وإيمانياً لتتحمل أعباءها التي كانت أول ما قام به نبي الإسلام في المدينة مع بناء المسجد

ألم يكن من الأولى إعلان ذلك الميثاق الأخوي بين المؤمنين الفقير منهم والغني، الضعيف والقوي، العبد والحر، ليؤازر أحدهم الآخر؟ وهذا السؤال أطرحه على المفكرين وأهل البحث.

لكن ما قذف في قلبي هو أن رابطة #الأخوة كانت تحتاج لنفوس مهيأة تربوياً وإيمانياً لتتحمل أعباءها التي كانت أول ما قام به نبي الإسلام في المدينة مع بناء المسجد، أعباء تجعل الأخ المسلم يورث ماله لأخيه المسلم طواعية بكل الحب والرضا.

فتهيئة نفوس تتحمل أن يكون خصم المؤمن أو عدوه هو كل ما يعاديه في الدين والعقيدة، ويمكن أن يكون هذا الخصم هو أخوه بالنسب، أما الجانب الآخر فإن تلك الأخوة التي بني عليها التكافل المجتمعي الذي لم يحدث له سابقة في التاريخ الإنساني إلا في دولة الإسلام في المدينة، فهو تكاليف بناء الدولة، تكاليف نشر دعوة التوحيد وتعبيد الأرض لربها وتعريف الناس بخالقهم، تلك التكاليف كانت تحتاج لنفوس متراصة كالبنيان المتين لا فرقة ولا فرجة بينها.

وهذه المسألة لا تخص المال أو توفير المسكن والمأكل والأمن فقط، فقد يتآخى فقير مع فقير أي أنه لن يكفيه مالا، إنما يكفيه عزوة الأخوة، وأواصر الأخوة وروح الأخوة، لهذا الذي ترك بلاده، وبيته، وأهله، وعشيرته، وصار مطاردا في بلاد بعيدة غريبا، وحيدا، خائفا، حزينا.

الظروف التي يمر بها المسلمون والعاملون لهذا الدين متشابهة، فصاروا أحوج ما يكون لانتهاج نفس الخطوات التي انتهجها نبيهم لضمان قوة الصف ووحدة الكلمة

وها هي الأيام تعاد، والتاريخ يتكرر، ومع علمنا بأنه كما قال النبي صلي الله عليه وسلم "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" لكن الظروف التي يمر بها المسلمون والعاملون لهذا الدين متشابهة، فصاروا أحوج ما يكون لانتهاج نفس الخطوات التي انتهجها نبيهم لضمان قوة الصف ووحدة الكلمة؛ ضمانا للاستمرار وتأمينا للجبهة الداخلية في مواجهة جبهات خارجية تفتح نيرانها من كل اتجاه على تلك الفئة التي انقسمت وانقصمت داخليا وخارجيا. فصارت صيدا سهلا وصفا يكاد يكون متهالكا من الداخل عاجزا عن مواجهة ما يحيط به من مؤامرات وفتن.

أيها الأخ المسلم، أتذكر تلك اللقاءات الأسرية التربوية التي كنت تترك أعمالك وانشغالاتك وأموالك وبيتك وتجلس فيها بالساعات بجوار أخ لك لا يجمعك به سوى العمل لله ولدينه بغير مقابل سوى أن ترضي ربك؟

أتذكر حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله وكنت تتمسك فيهم بأخيك في الله رغبة في أن تحلق بظله سبحانه، فكنت تتقرب إلى الله بحبك إياه؟

أتذكر لهفته عليك حين تتخلف عن اللقاء فيخرج منه مسرعا إليك ليسأل ويطمئن؟

أتذكر حين مرضت ولم تجد بجوارك سوى أخيك في الله تنهمر دموعه خوفا عليك، ثم هو لا ينام حتى يطمئن عليك؟

أتذكر حين حملك للطبيب غاضبا هنا ومهرولا هناك ليجلب لك دواءك؟

أتذكر حين قام ببيع هاتفه، أو بعض مصاغ زوجته، أو اقتسم معك راتبه، أو بعض طعام بيته؟

أتذكر حين تم اعتقالك فكان يحمل بيتك، ويعد لك الزيارة، لا ينام حتى يطمئن على كفاية بيتك بينما أنت آخر ما تفكر فيه في معتقلك هو احتياجات أبنائك لأنك تعلم وتوقن أنهم في معية الله ثم رعاية في رعاية أخيك الذي لن يتخلى عنهم؟

أتذكر حين جمعتكم خيمة، وطبق واحد تتقاسمون الطعام فيه؟

أتذكر حين رفع صوته عليك ثم هو لا يستطيع أن ينطق بكلمة إلا مصحوبة بكلمة يا أخي؟

أتذكر ليلة قضيتموها معا في ذكر وابتهال ودعاء واحد، ليس فيه طلب من الله لكما، وإنما كلها دعوات للأمة اجتمعتم عليها؟

أتذكر حين تكون غائبا فتتلهف والدتك على رؤيته لأنها تعلم جيدا أنه أقرب الناس إليك، وأنه يحبك كما لم يحبك أخوك من النسب، وأنها حين تراه فكأنما رأتك وشبعت منك؟

أتذكر أخي المسلم حضن أخوك المسلم حين تعود بعد غيبة، أو تئوب بعد ابتعاد؟

أتذكر حين تكاسلت فوجدت من يأخذ بيدك ويذكرك بكلمة أخي، ما على هذا تعاهدنا وتبايعنا؟

أتذكر حين تصافحه لا يترك يدك حتى تتركها أنت، وأنتما تعلمان أن الذنوب تتساقط من بين أيديكما طالما تتصافحان؟

أتذكر أخا لك يذب عنك ولا يسمح لأحد بالاعتداء عليك في غيبتك؟

أتذكر أخا لك فتح لك بيته وهو آمن على أهله أنك لن تحاول أن تنتهك حرمة أو تتطلع فيما لا يحق لك من حرمات؟ بكم يمكن أن تبيع أخي تلك المكاسب؟

ما بالنا اليوم نتراشق، ويتهم أحدنا الآخر بلا بينة فتركنا في صفوفنا فرجة دخلت منها الشياطين وتتبعت عورتها الأعداء، فاخترقونا منها

إخواني المسلمين، إن الخطب موجع، شديد، وقد تحول بأسنا فيما بيننا، ما بالنا اليوم نتراشق، ويتهم أحدنا الآخر بلا بينة فتركنا في صفوفنا فرجة دخلت منها الشياطين وتتبعت عورتها الأعداء، فاخترقونا منها، وأشعلوا من خلالها جذوة الخلاف والتناحر وعمقوا الهوة لتصير سحيقة يمكن أن تبتلعنا جميعا بتاريخنا ومهمتنا وأخوتنا الموهوبة من الله التي لا يمكن شراؤها {ولو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم}.

أخي في الله، بكم تبيع أخوتك؟، افعلها إن شئت وأنا أشتري، فلن يقدرها إلا أخ لك كنت له يوما طريقاً إلى الجنة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة مصرية، مهتمة بالشأن الإسلامي العام، حاصلة على بكالوريوس إعلام من جامعة القاهرة، وكاتبة في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية، لها العديد من المؤلفات المنشورة، مثل: المنهاج في الدروس المسجدية للنساء، معالم على طريق التمكين الحضاري، وأبجديات الثورة الحضارية وغيرها.

شاهد أيضاً

كيف نحقق التوكل الصادق؟

لا شك أنَّ التوكل على الله من عوامل الراحة النفسية، بل من أهم أسباب الرزق …