أرطغرل.. ليس مجرد دراما

الرئيسية » بصائر من واقعنا » أرطغرل.. ليس مجرد دراما
artugrul25

برز في الآونة الأخيرة نجم المسلسل التركي الشهير "قيامة أرطغرل"، وانتشر حتى في الأوساط العربية، وتميز عن سائر الإصدارت التركية المترجمة والمدبلجة سابقاً بين الأوساط العربية، حتى إن قناة قطر تقوم ببثه مدبلجاً إلى اللغة العربية، عدا عن قنوات أخرى تقوم ببثه مترجماً إلى العربية كقناة فور شباب وقناة اليرموك، طبعاً وكعادة بعض المنتجين للمسلسلات فإن المسلسل يقوم بعرض حلقة أسبوعياً من خلال القناة التركية العربية "TRT"، ومن ثم يتم إنزالها مترجمة عبر موقع يوتيوب.

وإن المتابع لهذا المسلسل الذي انتهى منه موسمان، ولا يزال بث الموسم الثالث قائماً ومستمراً، ليشهد الكثير من الأفكار التي يتم تقديمها من خلال المسلسل، غير التمثيل والأحداث، بل إن الأحداث على ما يبدو لم تُروَ هكذا تاريخياً بل تم الإضافة أو التغيير عليها، أو ربما تخيلها.

تدور أحداث المسلسل في فترة سقوط الدولة العباسية على أيدي المغول وبداية نشوء الدولة العثمانية، ويعتبر المسلسل أن #أرطغرل هو بداية تلك النشأة للدولة التي تنسب لابنه عثمان بن أرطغرل بن سليمان شاه، وتبين فترة الصراع مع الصليبيين خاصة أن تلك الأحداث كانت بعد تحرير صلاح الدين الأيوبي للقدس بسنوات، كما وتشير إلى الصراع مع المغوليين إبان فترة هجومهم على العالم الإسلامي.

تدور أحداث المسلسل في فترة سقوط الدولة العباسية على أيدي المغول وبداية نشوء الدولة العثمانية، ويعتبر المسلسل أن أرطغرل هو بداية تلك النشأة

ويبدو أن كاتب النص يريد أن يبث مجموعة من الأفكار من خلال هذ المسلسل والتركيز عليها، نتناول جانباً منها كما رأينا من خلال هذا العمل التلفزيوني:

- القومية التركية: لا بد وأن المشاهد لاحظ غياب الدور العربي عن الأحداث الدائرة في تلك الفترة، واقتصر دور العرب في حلب، والتي فعلياً كان يحكمها الأيوبيون، والأيوبيون في نهاية المطاف هم أكراد، وغير ذلك كان من الواضح التركيز على أن التركي هو القوي، والتركي هو الذي سيقوم بإنشاء هذه الدولة، وأبناء الأوغوز وغير ذلك من الإشارات التي كانت توحي بقومية تركية خالصة بعيداً عن مكونات العالم الإسلامي ككل، وإن كان هناك ظهور رمزي لوجوب الوقوف مع الدولة السلجوقية تحت حكم السلطان علاء الدين آنذاك، إلا أن الواضح من المسلسل كان هو تقديم الدعم من الأتراك للسلاجقة وليس العكس.

- الشورى: ركز #المسلسل كثيراً على فكرة الشورى، من خلال ما كان يسمى بالمجلس لسادة القبائل سواء الكايا أو الدودرغا في الجزء الثاني، وأن القرار سيلزم الجميع، حتى باختيار السيد الجديد، أو خوض الحرب، بل وحتى المحاكمات كانت تتم بحضور هؤلاء السادة.

- الخيانة: أبرزَ المسلسل أن المشكلة الحقيقية للأمة في تلك الفترة كانت من خلال الخيانات الداخلية ، ففي القبيلة برز دور كورت أوغلو، وفي حلب برز دور ناصر وفي الدولة السلجوقية برز كاراتويغار، وكذلك في الجزء الثاني سعد الدين كوبيك، وكوجاباش، وأن النصر لم يتحقق في أي مرحلة إلا بعد التخلص من هؤلاء الخونة، والذين تبين أن الخلاص منهم لا يكون سوى بقتلهم.

- الإيمان هو السلاح الحقيقي: لقد كان واضحاً من خلال النص أن الإيمان هو سلاح المؤمن، وأنه بالإيمان يستطيع المحارب الواحد مجابهة العشرات أو ربما جيشاً بأكمله ، وأن إيمانه سيخلصه، وفي اللحظات التي كان أرطغرل يكاد ينهار يأتيه ذلك الشعاع الإيماني المستمد من ابن عربي فينقذه.

- وهن الأعداء يتبين من خلال المواجهة: أراد الكاتب لفت الأنظار إلى وهن الدول العظيمة والجيوش العتيدة بمجرد المواجهة، فإن أسهل حرب خاضها أرطغرل في الجزء الأول كانت هدم القلعة، وكذلك إنهاؤه للوجود المغولي في منطقته كان بمجرد المجابهة الحقيقية التي أسقطت قناع الزيف الذي يرتديه الأعداء وأن جيوشهم لا تهزم، بل على العكس تماماً، سقطت تلك الجيوش بمجرد القضاء على الخونة والإعلان لمواجهتهم مباشرة.

لا بد لكل معركة من خسائر وقد تكون أحياناً فادحة في بعض القيادات والجنود، وهذه طبيعة العمل لهذا الدين

- لا بد من خسائر خلال الجهاد: لا بد لكل معركة من خسائر وقد تكون أحياناً فادحة في بعض القيادات والجنود، وهذه طبيعة العمل لهذا الدين.

- دور المرشد الديني: قد تكون الشخصية الأبرز في هذا المسلسل هي شخصية ابن عربي، الذي ثبت تاريخياً على ما يبدو وقوع اللقاء بينه وبين أرطغرل وكذلك ابن الرومي، إلا أن اللقاء لم يكن كما صوره المسلسل بالتأكيد، ومع ذلك جعل الكاتب من المرشد الديني هو الموجه الحقيقي لهذا القائد، وجعله المرشد له الذي إن أمره أطاعه، ولكنه جعل من ابن عربي شخصية متنوعة، متعددة المواهب غنية بالأفكار السياسية والدينية ذا بصيرة ثاقبة وكرامة وولاية، فجعله موجهاً للمحارب لكن بناء على دراية وعلم وذكاء.

- التركيز على حب الله والنبي والأذكار: وهذا كان واضحا ًوجلياً لحبهم للنبي صلى الله عليه وسلم وطريقة احترامهم لذكره أمامهم، وكذلك يقوم السيد بافتتاح مجلسه بذكر الله تعالى، حتى إن القتال إذا حمي الوطيس أخذوا ينادون: الحق هو الله، حي هو الله.

- القلة تغلب الكثرة بالإيمان والإعداد: أبرز الكاتب من خلال هذه الدراما المميزة أن القلة لا تعني بالضرورة الضعف أو الانهزام، فما حققته قبيلة الكايا وحدها وما حققته كذلك بالتعاون مع الدودرغا كان أمراً مبهراً جداً، حيث إنهم واجهوا جيوشاً تفوقهم عدداً وعدة، وكانت النهاية بنصر مؤزر لأولئك القلة المؤمنة.

أبرز الكاتب من خلال هذه الدراما المميزة أن القلة لا تعني بالضرورة الضعف أو الانهزام

- بر الوالدين: يبدو أن الأدب بصوره جميعاً كان جلياً وواضحاً في نصوص المسلسل، وأشار المسلسل إلى أهمية الوالدين وسماع كلمتهم واحترامهم أشد الاحترام.

- التقاليد والعادات: ركز المسلسل على العادات التي ورثها الأتراك عن أجدادهم أبناء الأوغوز، والتي بلغت حد التضحية بالأبناء مقابل الحفاظ على هذه العادات.

- السعي نحو الوطن لتحرير الأمة: هذه كانت فكرة أرطغرل الرئيسة، وهي السعي للوطن من أجل الانطلاق إلى تحرير العالم وإقامة الدولة، فبينما كانوا يبحثون عن مأوى آمن بداية المسلسل، صاروا يعرفون أنه لا بد من الاستقرار والعمل على إنشاء الوطن ولو كان صغيراً حتى يصل بهم إلى الدولة التي ستحكم هذا العالم.

- الخونة يفسدون نظام الحكم دون فساد الحاكم: وهذا كان جلياً في الدولة السلجوقية بشخصيات مثل كاراتويغار وسعد الدين كوبيك، فسادهم لا يعني بالضرورة فساد الحاكم آنذاك السلطان علاء الدين، وكذلك قصة خيانة ناصر لعزيز حلب.

- رحمة الإسلام وسعيه نحو السلام: أكّد الكاتب على هذا المعنى في كثير من المشاهد المتنوعة في المسلسل، أن الإسلام هو دين الرحمة، وأننا كمسلمين لا نعامل أعداءنا إن ظفرنا بهم كما هم يعاملوننا.

- التركيز على دور المرأة المساند للرجال لدرجة القتال بل وحكم قبيلة بأكملها والعبور بها إلى بر الأمان.

- حوار طويل وتركيز على التفاصيل والأحداث الجانبية: لم يخلُ المسلسل من بعض الحوارات الجانبية التي تدخل المشاهد أحياناً في حيز الملل، من خلال التفاصيل التي لا علاقة لها بالقصة لا من قريب ولا من بعيد، ولكن يبدو أن طبيعة الدراما التركية عموماً هكذا.

- إبداع في الإخراج: لا يفوتنا هنا ذكر الإبداع المتناهي للإخراج وإتقانه، وكأنك تعيش الحدث، وكذلك تنويعه في المناطق والمناظر الخلابة والتضاريس المختلفة، مع وجود المبالغات غير المنطقية في قوة وشجاعة أرطغرل ومحاربيه.

- النص الحكيم: لم يخل النص من بعض العبارات ذات الحكمة البليغة الموجودة، ولعل أكثرها تكراراً كانت عبارة: الأجل يحمينا من الموت.

ختاماً: إن ظهور مسلسل ذا فكرة تاريخية عميقة كنشأة الدولة العثمانية يحتاج إلى سيناريو وحوار خاص به بعيداً عن التفاصيل التاريخية الدقيقة وهذه طبيعة الدراما عموماً، لكن الملفت للانتباه في هذا المسلسل هو حجم المتابعة العظيم سواء على الجانب التركي أو على الجانب العربي ، حتى إنه أصبح المسلسل الأول في تركيا وحاز عدة جوائز، بل نال تكريماً خاصاً من رئيس الدولة رجب طيب أردوغان والذي قام بنفسه بزيارة موقع التصوير للمسلسل.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

دراسة: الصين دمرت 8500 مسجداً خلال ثلاث سنوات

دمرت السلطات الصينية آلاف المساجد في شينجيانغ، حسبما ذكر مركز أبحاث أسترالي الأسبوع الماضي، في …