هل حقاً.. الصوت أمانة؟

الرئيسية » بصائر الفكر » هل حقاً.. الصوت أمانة؟
voting6

إن من الشأن البشري المدني الاتفاق على سير الحياة، إما بخطوطها العريضة أو بتفاصيلها الدقيقة، ولقد اعتاد البشر أن يكون لهم قادة والباقي أتباع كما منهم خاصة وعامة، ونخب وساقة، رواحل ومنقادين، وهذا لا يعيب أحداً مطلقاً، في النهاية مهما امتاز الناس فسيكون مميز وأميز حتى يقود أحدهم، وفوق كل ذي علم عليم، ولا يمكن في المنطق لا عقلاً ولا عادة أن يتساوى البشر في القيادة والمهارة والعلم والذكاء والفطنة والحكمة حتى يستحيل أن تجد القائد والمقود، فهذا مما لا يقول به أحد.

ولقد استحسن الناس كذلك الكثير من الأنظمة لاختيار الكفؤ القائد؛ منها ما كان مترتباً على السن، ومنها على الجاه ومنها على العلم ومنها على العشيرة أو البلد، وبعد كثرة الناس وتشتتهم صار من الصعب الاتفاق على قيادة واضحة وبارزة إلا من خلال ما يسمى بالنظام الانتخابي، وهو شكل من أشكال #الشورى الجماعية أو العامة، والتي يستطيع من خلالها الناس المشاركة باختيار ممثليهم في أي مجلس أو رئيسهم الذي يحكمهم.

ولأن التنظيمات كالمجتمعات تماماً فإنها خلصت كذلك إلى وجود قيادة ومجالس تنفيذية وشورية وكلها يتم فرزها من خلال #الانتخاب؛ واختيار القيادة من خلال الانتخاب يعكس صورة حضارية متقدمة، فلا استئثار ولا محسوبية ولا توريث في الاختيار، وغالباً ما تكون الانتخابات في التنظيمات لتنفيذ الأفكار والبرامج لا للمصالح والمطامع.

غالباً ما تكون الانتخابات في التنظيمات لتنفيذ الأفكار والبرامج لا للمصالح والمطامع

وفي ذلك يقول حسن البنا عندما قرر الإخوان المشاركة في الانتخابات النيابية: "وما كان يدور بخلد واحد من أبناء الدعوة صغيرهم وكبيرهم أو يخطر ببال مؤمن بها فى أية شعبة من الشعب -ولن يكون هذا أبدًا بإذن الله- أن تسخّر الدعوة المقدسة للوصول إلى حكم أو الحصول على غُنم، أو مناورة حزب لحساب حزب، أو مناصرة فرد للنيل من فرد، أو لترجيح كفة هيئة على هيئة، أو لتدعيم مركز حكومة أو إلقاء الوقود فى تنّور الفرقة والخصومة، فإن ذلك أبعد ما يكون عن تفكير أبناء هذه الدعوة الذين عاهدوا على الإيمان والجهاد ابتغاء وجهه وطلبًا لمرضاته، وإيثارًا لما عنده ﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:23]، ولولا ما علم الله تبارك وتعالى فى أنفسهم من صدق واطلع عليه سبحانه فى نياتهم من خير وحق لما ظهرت لهم كلمة، ولما صادفوا كل هذا النجاح فى وقت غلبت فيه المادية على كل شىء، وظهر فيه الفساد فى البر والبحر بما كسبت أيدى الناس، ولكن هذه المعجزة الباقية الخالدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه والمؤمنين برسالته، حتى يرث الله الأرض ومن عليها ﴿فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:18]). انتهى.

كيف أنتخب؟

يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة:8].

ويقول كذلك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِين} [النساء:135].

ويقول أيضاً: {وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُه} [البقرة:283].

الأصل أن يكون نظام الانتخاب خاصاً، أي أنه يقوم على النخب فهي التي تختار الأكْفاء القادرين، لأن عموم الناس أو عموم التنظيم عوام قد لا يعرفون المرشحين أو لا يعرفون كيف يفاضلون بينهم

في البداية الأصل أن يكون نظام #الانتخاب خاصاً وغير عام، أي أنه يقوم على النخب فهي التي تختار الأكْفاء القادرين، لأن عموم الناس أو عموم التنظيم عوام قد لا يعرفون المرشحين أو لا يعرفون كيف يفاضلون بينهم، وكثير من العامة ينتخب على مصالح ومآرب شخصية كالقريب أو الصديق أو ربما يبيع صوته بثمن بخس، وانظر معي إلى ما فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين جعل الخلافة شورى بين ستة من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم علم فيهم القدرة و #الكفاءة ، ولم يجعلها شورى بين عوام المسلمين.

ولما لم يكن هذا النظام موجوداً، وصار لزاماً علينا أن نخضع لانتخابات عامة يشارك فيها جميع أفرادا التنظيم وجب على المرشحين بداية أن يتقوا الله بترشحهم، حتى لو رشحهم آخرون، فلينظر كل منهم لكفاءته وليسأل من حوله كيف يرون أداءه وقدرته  خاصة ممن خالطه بالعمل والتنظيم، فإن كان لا يستطيع أو لا يقدر فلْيتنح جانباً وليعتذر من إخوانه الذين أحسنوا الظن به، ولا يستح منهم إن رأى في نفسه أنه غير كفؤ.

ثم إن على الناخب أن يعلم أهمية الانتخاب لهذه القيادة، وأن يعلم تمام العلم أنه بسكوته وعدم مشاركته يكون قد منح صوته للأضعف، لأنه قد حرم هذا الصوت للأكفأ، وغالباً ما تكون الانتخابات الداخلية متقاربة الأصوات، يرجح الكثير منها فرق صوت واحد فقط.

على الناخب أن يعلم تمام العلم أنه بسكوته وعدم مشاركته يكون قد منح صوته للأضعف، لأنه قد حرم هذا الصوت للأكفأ

ثم إن على الناخب أن يتفرس وأن يسأل جيداً عن المرشحين، ومن ثم يحسم قراره في الانتخاب ، وله في الانتخاب صورتان:

أولاهما أن ينتخب الأكفياء بغض النظر عن برامجهم.

وثانيهما أن ينتخب بناء على البرنامج كانتخاب كتلة أو توجه معين بأكمله بغض النظر عن كفاءة المرشحين ضمن هذا التكتل، وقد يكون هذا هو الأكثر فعالية، لأن المجالس إذا اختيرت بالتوافق أو كانت مختلطة الأفكار والبرامج فغالباً ما تتعطل ولا تعمل، وإنها لكثيراً ما تقف على التفاصيل وتكثر فيها المناكفات والاصطفافات، وإن تعدد الأفكار داخل التنظيم يعتبر ظاهرة إيجابية إذا خلا من الاصطفافات العمياء وسوء الظن واغتيال الشخصيات أو اتهام النوايا، أي أنه مبني على البرامج والأفكار.

ومن ثم على كل عضو أن يقوم بالواجبات المطلوبة منه للمشاركة في هذه الانتخابات كالمشاركة الفاعلة في الأنشطة العامة ودفع اشتراكاته السنوية، ولا يقبل بحال أن يقوم أحد بالدفع عنه حتى لو لم يطلب منه التصويت لشخص معين، وكثير منهم من باع صوته بهذه الطريقة، وهي محرمة شرعاً وتنظيماً، لإن إعطاء الصوت بناء على دفع الاشتراك كمن باع صوته بثمن بخس.

وأخيراً على الأفراد الناخبين التفرس في الوجوه الشابة الجديدة، وعدم إعادة التدوير للأشخاص منتهي الصلاحية ، الذين لم يقدموا في الدعوة شيئاً في سابق تقلدهم المناصب القيادية في الدعوة، مهما أكثروا من الوعود والعهود، لأنهم قد أخذوا فرصتهم وأثبتوا إخفاقهم، وبُعدهم عن الواقع وأن كلامهم هو سراب في أضغاث أحلامهم، فكم تأخرت الدعوات وتخلفت عن ركب التطور أو اقتناص الفرص المتاحة بسبب قيادة قديمة عفا عليها الدهر لا تزال تقبع في عصرها الذي نشأت فيه غائبة عن عصرنا وعن ما نحن فيه.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

كيف تستطيع أنْ تُغيِّرَ العالم؟

تستند التنمية "development" في المجتمعات الإنسانية كافة -ثَريِّها وفقيرها، مُتقدِّمها وناميها- على أساسيَيْن اثنَيْن، الأول/ …