ابنتي تحب!!

الرئيسية » بصائر تربوية » ابنتي تحب!!
fb_reactions2

جاءتني باكية منهارة تحاول أن تستجمع شتات نفسها، تكاد تصك وجهها رعبا وعجزاً وقلة حيلة من أمر كانت شدته بادية في ذهول عينيها الذابلة من شدة البكاء، حاولت أن أهدئ من روعها حتى أستطيع فهم ما حدث، قالت صارخة:

ابنتي المدللة التي وضعت كل أحلامي فيها وأعطيتها كل ثقتي، تعبت عليها كما لم تتعب أم على ابنتها، أوقفت لها حياتي واهتمامي، ترتدي أفضل الثياب، تأكل أفضل الطعام، لا أكلفها بشيء من أمور البيت وأحمله على عاتقي حتى لا أعطلها عن دراستها، أعود من عملي متفرغة لطلباتها التي لا تنقضي فألبيها دون مناقشة لتظهر بأفضل صورة بين أترابها!

منحتها حرية ليست ممنوحة لغيرها، أدافع عنها أمام أبيها فلا أسمح له بإهانتها أو تفضيل إخوانها الذكور عليها، أستحلفها كل يوم أن تحافظ على نفسها فهي الغالية التي لا أرضى لها بالدنية، ابنتي خانت ثقتي، ابنتي ضاعت مني للأبد، زاد انتحاب الأم المكلومة فسألتها عن عمر ابنتها فقالت:
خمسة عشر عاما، زهرة لم تتفتح بعد، بل هي طفلة، في عيني ما زالت طفلة، كيف استطاعت أن تتخطى حواجز البيت والرقابة والأب وأن تفكر مجرد التفكير في أن تفعل ما فعلته؟

ــ اهدئي يا سيدتي وأخبريني ماذا فعلت ابنتك بالضبط؟

ـ ابنتي تحب، ابنتي متعلقة بولد لا أعرف عنه شيئاً، تتواصل معه عبر صفحتها على الفيس بوك، اكتشفت ذلك مصادفة بينما قد نسيت هاتفها مفتوحا بجواري وقامت لبعض شانها. وبينما أن أتصفحه قدرا قرأت الحوار المفتوح بينهما، هي تعرفه من فترة قصيرة، تبادلا فيها كلمات الحب والغرام والشوق، ابنتي أنا تتحدث في أمور كهذه؟ وتستخدم لغة كتلك؟

ــ وماذا كان رد فعلك يا سيدتي؟

ـــ ضربتها ضربا شديدا وهددتها بأن أخبر والدها بالأمر إن هي عادت وتواصلت معه بأي وسيلة من خلف ظهري، وأخذت منها جهاز التليفون وأغلقت عليها باب حجرتها وحرمتها من كل حقوقها وقاطعتها تماما؟

فأظهرت تعجبي من ذلك التصرف وسألتها عن رد فعل ابنتها فقالت إن البنت قد فلت عيارها فهي لم تبالي بشدتي معها بل على العكس لقد اتهمتني بالظلم وبأنني لم أعد أفهمها ولا أقدر مشاعرها، دليني بالله عليك ماذا أفعل وكيف أتعامل مع هذا الأمر؟

والحقيقة أنه قد هالني الأمر، ليس أمر الفتاة وإنما أمر الأم التي تركت العلاقة بينها وبين ابنتها لتصل لهذا الحد من الفتور والغربة حتى وصلت ليس فقط إلى عدم المصارحة وإنما إخفاء كل ما يخص البنت عن أمها بل والبحث عن ذلك الحب المفتقد في البيت في مكان آخر خارجه.

دعونا نطرح بعض الأسئلة التوضيحية..

- هل هي ثقة من الأم أو من الأبوين ترك الفتاة لنفسها تقوم على أمرها دون رقيب أو متابع أو مربٍ يغرس القيم بالكلمة الطيبة والسلوك العملي وملئ وقت الفراغ إيجابيا كل يوم وكل ساعة، بل وكل دقيقة؟ هل ثقة أم غفلة وتهاون وقصور تربوي؟

- هل هي تربية أن تقتني لأبنائك أغلى الثياب وأصلح المأكولات وتذهب بهم لأفضل المدارس لتلقي تعليمهم الدنيوي؟ أم هي رعاية جسدية لا أكثر؟

- هل يفهم الأبوين طبيعة كل مرحلة تمر بها البنت وما يصاحبها من تغيرات نفسية وفسيولوجية ويكون هناك اتفاق مسبق لتفهم لتلك الطبيعة وبالتالي التعامل معها بالقدر الكافي من الاهتمام السليم تربويا؟

- ثم هل يضع الأبوين آلية معينة لاستخدام أدوات التواصل الاجتماعي المفروضة علينا فشغلت الأبوين عن البيت علاوة على ما يشغلهما أصلا من أعباء اقتصادية واجتماعية عن الأبناء؟ كذلك تحديد آلية لتعامل الأبناء أنفسهم مع تلك الوسائل التي لا مناص لنا من مواجهتها للتعامل وليس للمنع؟

أعتقد أننا لو أجبنا عن هذه التساؤلات بهدوء لاستطعنا أن نضع حلا للمشكلة أو منعاً لحدوثها، أو تجاوزها بأمان إن هي حدثت بالفعل وهو المتوقع في إطار تلك المرحلة من العمر.

إن التربية ليست تعني بحال من الأحوال التعليم، وإنما التعلم جزء ضئيل من عملية التربية الواسعة

إن التربية ليست تعني بحال من الأحوال التعليم، وإنما التعلم جزء ضئيل من عملية التربية الواسعة، لن أتحدث عن اختيار الزوجة التي هي أم الأبناء، وعن فترة الحمل والتي يذكر العلماء كم هي مؤثرة في توجه الوليد، وقد سئل المفكر الجزائري " مالك بن نبي " عن التربية متى تبدأ، فقال للسائل كم عمر الفتاة؟ قال ثمانية أشهر، فابتسم الرجل قائلا: لقد فاتك في تربيتها ثمانية أشهر!!

فالعلاقة التربوية بين الأم وابنتها هي صلة "وثيقة" وليست صلة "ثقة" .

فالأم هي الملاذ الآمن والحضن الدافئ والمرجع الأول لابنتها بحسن استماعها والإنصات إليها بلا ضجر، ومصاحبتها والإسرار لها ببعض ما يخصها هي شخصياًـ بشرط أن تكون مواقف تستطيع أن تخرج منها البنت بقيمة تربوية دون أن تقوم #الأم بتوجيه مباشرـ فتشجع الفتاة أن تتحدث وتتناقش مع والدتها وتصرح بما قد يخطر ببالها أولا بأول دون خوف من صدود الأم أو ضجرها أو انتهارها بكلمة إياك وعيب ومصيبة وسوف أفعل بك أو سوف أبلغ أباك، وما إلى ذلك من مصطلحات التهديد التي تنفر البنت عن أمها وتجعل لها عالمها الخاص بينها وبين نفسها أو بين صاحباتها أو صاحب تبحث عنه بنفسها أو تكون صيدا سهلا لأحدهم.

ويجب أن تفهم الأم جيدا أن ما تمر به ابنتها في هذه المرحلة وربما قبل هذا السن بقليل أو بعده بقليل هو شيء وارد جدا، فسواء الولد أو البنت يمرون بمرحلة ما يسميها المربون #المراهقة وهي مرحلة التغيير الأكبر في حياة الإنسان من الطفولة بكل ما فيها من اعتماد على الغير سواء كان هذا الغير آباء وأمهات أو معلمين أو مربين إلى مرحلة #الشباب وإثبات الذات، بينما هو ما زال في نظر البعض طفلا يشعر هو بهذه التغيرات الجسمانية والنفسية والميل للطرف الآخر ومحاولة التعرف عليه بصورة مختلفة عما سبق.

فبالنسبة للولد كان يقال له إن زميلتك هذه وجارتك وقريبتك هي أختك فلا يراها الآن أخته بل ويجد أن قلبه بدأ يتحرك بشكل جديد ما كان يعرفه من قبل، بينما البنت التي كانت تتحدث إلى القريب أمام الأهل بمنتهى البراءة والأمان أصبحت تخجل ويتغير لون وجهها بل ويرتعش صوتها أحيانا حين تتحدث إليه.

لابد أن تحسن الأم الاستماع لابنتها والمصاحبة والمراقبة دون قيود تلاحظ؛ حتى لا تضطر البنت لإيجاد طريقة للهروب من تلك القيود، وإشعار الفتاة بالحب وأنها مرغوب فيها من الأهل جميعا وأنها ليست عبئا عليهم

وليس أقرب للبنت من الأم والتي كما قلنا يجب أن تبدأ باكرا فلا ننتظر وقوع المشكلة ثم نبدأ في التحرك، حسن الاستماع من الأم والمصاحبة والمراقبة دون قيود تلاحظ حتى لا تضطر البنت لإيجاد طريقة للهروب من تلك القيود، وإشعار الفتاة بالحب وأنها مرغوب فيها من الأهل جميعا وأنها ليست عبئا عليهم أو أنهم يفضلون عليها إخوانها الذكور مثلا فتشعر بنوع من الظلم أو القهر في منزلها.

كذلك انشغال الأم في العمل أو في أمور الدعوة ليس مبررا أبدا لعدم تفهمها لاحتياجات البنت في كل مرحلة من مراحل حياتها ، وما يجب أن نأخذ به هو التحدث بصراحة تامة مع البنت عن علاقتها بالجنس الآخر.

ماذا إذا حدثت المشكلة؟

إذا اكتشفت الأم أن ابنتها فعلا قد وقعت في هذا الشرك، فلا تتجه بأي وسيلة إلى العنف وإلا فالنتيجة الحتمية هي اتخاذ رد الفعل الأعنف والذي لا تحمد عقباه

أما إذا اكتشفت الأم أن ابنتها فعلا قد وقعت في هذا الشرك، فلا تتجه بأي وسيلة إلى العنف وإلا فالنتيجة الحتمية هي اتخاذ رد الفعل الأعنف والذي لا تحمد عقباه، وإنما يتدارك الموقف ونتصارح بأننا قد أخطأنا جميعا وقصرنا في علاقتنا ببعضنا البعض، وتعترف الأم لابنتها بالحب وتضمها إليها وتعطيها مزيدا من الحب؛ كي تشبع تلك العاطفة لديها ولا تلجأ للتهديد، وواجب الأم في هذه الحالة مصارحة الوالد والاتفاق على أسلوب للعلاج يغمر البنت باحتياجاتها العاطفية خاصة من والدها أو إخوانها الذكور إن وجدوا، ولا يجب أن تشعر البنت بمعرفة والدها للأمر؛ حتى لا ينكسر حاجز الخوف عندها حين تعلم أنه علم ولم يفعل شيئا بل تذكرها والدتها بأنها لن تخبر والدها الذي يحبها ويثق بها.

ويبقي على #الوالدين أن يعرفا أن تلك المرحلة ما هي إلا امتداد طبيعي لما غرساه في فترة الطفولة الأولى، فلنمهد لمراهقة آمنة بطفولة نهتم بها ولنعطي أبناءنا من الحب ما يكفيهم، فهم غرسنا الذي لن نحصده وحدنا وإنما سيحصده المجتمع كله قبل أن نندم فلا يفيد الندم.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة مصرية، مهتمة بالشأن الإسلامي العام، حاصلة على بكالوريوس إعلام من جامعة القاهرة، وكاتبة في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية، لها العديد من المؤلفات المنشورة، مثل: المنهاج في الدروس المسجدية للنساء، معالم على طريق التمكين الحضاري، وأبجديات الثورة الحضارية وغيرها.

شاهد أيضاً

مصطلح “تأثير الفراشة” ودوره في تغيير مسار الحياة

عندما سقط مسمار من حِدوة الحصان، سقطت الحِدوة من ساق الحصان، فتباطأ الحصان في سيره، …