الحركة الإسلامية وكيفية الخروج من نفق الأزمات؟

الرئيسية » بصائر الفكر » الحركة الإسلامية وكيفية الخروج من نفق الأزمات؟
perfect-solution5

من بين أهم المشكلات الحاضرة في الوقت الراهن، لواقعنا الحركي، هو توقف بعض الأطر، سواء على المستوى الفردي، أو مستوى بعض الفصائل والجماعات، أمام ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح "هزائم اللحظة"، التي نجمت عن الأزمات الكبرى التي اعترضت طريقها في مرحلة ما بعد الربيع العربي.

هذا التوقُّف جاء في سياق معطِّل في أكثر من اتجاه؛ الأول، هو التأثير المعنوي الذي يقود إلى قعود الإنسان عن العمل، ومع انتشار هذا التأثير؛ ينتقل هذا القعود إلى فضاء الجماعة بأكملها.

التأثير الثاني، جاء في نقطة مهمة كذلك، وهي السياق الحركي الذي تتحرك فيه الجماعة والأفراد؛ حيث توقفت غالبية الأطر الحركية عند مستوى الأزمة، وشغلت نفسها بالاستجابة لأحداث وتطورات فرعية، فرضتها هذه الأزمات، ولاسيما فيما يخص الأمور المتعلقة باستحقاقات هذه الأزمات، ولكن في سياقها الضيق، مثل البحث عن ثارات شخصية، أو التخطيط لإسقاط الأنظمة التي أجرمت في حق شعوبها، أو انقلبت على الشرعية في بلدانها، بشكل غير سليم، منبني على انفعالات عاطفية، وسطحي لا يضع في اعتباره موازين القوى، ولا البيئة الداخلية، وكذلك الإقليمية والدولية التي يتحرك فيها المشروع الإسلامي وجماعاته، وكذلك ثورات الربيع العربي.

توقفت غالبية الأطر الحركية عند مستوى الأزمة، وشغلت نفسها بالاستجابة لأحداث وتطورات فرعية، فرضتها هذه الأزمات

وفي حقيقة الأمر؛ فإن هذه الأمور الأخيرة هامة، وهي ضمن أهداف المراحل المتقدمة من المشروع الإسلامي كما حددها آباؤه الأوائل، مثل الإمام حسن البنا، والإمام أبو الأعلى المودودي، والشهيد سيد قطب، وغيرهم، ولكن الكثيرين يغفلون حقيقة شديدة الأهمية، وهي أن هذه الأمور، طويلة المدى، وبحاجة إلى تخطيط بعيد النظر، يضع في اعتباره كل الأمور المتعلقة بما تسعى إليه #الجماعة المسلمة.

في هذا السياق، وقف الكثيرون أمام اللحظة الراهنة، والتي سحبت خلفها سنوات، طالت في بعض البلدان، كما في سوريا وليبيا، إلى ستة، وفي مصر، إلى ثلاثة، مما عطل الكثير من الأمور الهامة التي كانت #الحركة الإسلامية منشغلة بها في مرحلة ما قبل الربيع العربي.

ولعلنا لا نكون مبالغين لو قلنا إن جانبًا مهمًّا للغاية من أزمات الأقليات المسلمة في البلدان الغربية، جاءت نتيجة مردودات هذه الحالة؛ حيث ضعْف الاهتمام، وانسياق البعض وراء ثارات ضيقة، مما نتج عنه أعمال عنف وعنف مضاد مع الدولة وأحيانًا مع المجتمعات في بعض البلدان العربية؛ كل ذلك كان له أكبر انعكاس سلبي على أوضاع المسلمين في الغرب، وسمح لشخصيات يمينية متطرفة، مثل دونالد ترامب في الولايات المتحدة، وجيرت فيلدرز في هولندا، وماريِن لوبان في فرنسا؛ بأن تستقوي على المسلمين هناك، وتسعى إلى تهجيرهم من منافيهم الإجبارية التي اضطروا إليها بسبب ظروف أوطانهم.

فالمخطِّط الاستراتيجي داخل الحركة الإسلامية، أوقف الأمور على ظروف لن تتغير قريبًا، باعتبار أن التصدي لها أولوية، وبعد انقضاء هذه الأولوية؛ يتم الالتفات للمهام الأساسية.

وهذا قلنا إنه مبدأ منبني على تصور خاطئ؛ لأن الظروف القائمة لن تتغيَّر آنًا، وكل ما سوف يحدث، هو إهدار المزيد من الموارد والوقت والجهد، مع تأصيل أباطيل الأنظمة بشأن المشروع الإسلامي وجماعاته، بأنهم جماعات هدم؛ لا بناء.

على الحركة الإسلامية أن تضع على رأس قائمة اهتماماتها، وفي المنتَج التخطيطي والتنفيذي لها هو كيف يمكن إدارة الأمور وتحقيق تقدم في شتى المجالات، وفق مقتضى الأمر الواقع؟

في هذا الإطار؛ فإنه ينبغي التأكيد على أن الحركة الإسلامية في الوقت الراهن، يجب أن تضع على رأس قائمة اهتماماتها، وفي المنتَج التخطيطي والتنفيذي لها - لو صحَّ التعبير - هو كيف يمكن إدارة الأمور وتحقيق تقدم في شتى المجالات، وفق مقتضى الأمر الواقع؟.و

وهو ما يعني أن تتبنى الحركة الإسلامية في الوقت الراهن، وبالذات جماعة "الإخوان المسلمون"، التي تعتبر الأكبر والأهم، وفق كل المقاييس الموضوعية، إطارَيْن متوازيَيْن، للحركة، الأول هو التصدي للخصوم، والسعي إلى استعادة حقوقها من الأنظمة التي تجنَّت عليها، وأجرمت في حقها.

أما المسار الثاني، فهو الأهم، ويتعلق بالسعي إلى استعادة ما فقدته الحركة من مساحات سياسية واجتماعية خلال السنوات الماضية، سواء بسبب ممارسات الأنظمة والحكومات، أو بسبب أخطاء حقيقية وقعت فيها، وينبغي عليها الاعتراف بها، والسعي إلى التقدم مرة أخرى إلى الأمام، وكأنه لا توجد ظروف استثنائية تواجهها.

هذا النموذج السليم لإدارة الموقف وفق كل قواعد العلوم الاستراتيجية المعروفة، برغم أنه مرهِق لأنه يتطلب تخطيطًا مزدوجًا وحشدًا للموارد بشكل أكثر كفاءة وفاعلية؛ أي يضمن تحقيق الأهداف المُخطَّط لها، وفق الجدول الزمني الموضوع لها، وبأقل قدر ممكن من الموارد، سواء البشرية أو المالية، وغيرها من صور الموارد.

وهناك الكثير من النماذج في التاريخ الحديث والمعاصر التي تخص كياناتٍ، دولاً ومجتمعاتٍ، أصرت على خوض المسارَيْن معًا، ونجحت في ذلك ضمن معارك "حياة أو موت" بالمعنى الحرفي للكلمة، وكان أولى بالحركة الإسلامية دراستها وتطبيقها، باعتبار اتساع نطاق قدراتها عن أي حكومة أو دولة أخرى، في ظل الطابع الأممي والعالمي لها.

فخلال الحرب العالمية الثانية؛ وجدنا أن بريطانيا، قد عملت في اتجاهَيْن أساسيَّيْن؛ الأول هو التصدي للمد النازي في أوروبا، والعمل على دحره وراء حدوده، وحماية وجودها هي ذاته الذي هدده الرايخ الثالث في ذلك الحين، والثاني، هو الاستمرار فيما كانت تفعله قبل الحرب العالمية الثانية، كدولة عظمى، وهو الحفاظ على صيرورات وبقاء إمبراطوريتها مترامية الأطراف.

على الحركة الإسلامية أن تسعى إلى استعادة ما فقدته من مساحات سياسية واجتماعية خلال السنوات الماضية، سواء بسبب ممارسات الأنظمة، أو بسبب أخطاء وقعت فيها

وتضمن ذلك مهامَّ رئيسية جسيمة، من بينها الحفاظ على جسم المجتمع البريطاني سليمًا متماسكًا بالشكل الذي يليق بحضارته ومقتضيات ذلك في مختلف الاتجاهات، وبكونها دولة عظمى في ذلك الوقت.

وأبلغ دليل على ذلك، أن بريطانيا خرجت من الحرب العالمية الثانية بدمار واسع في داخل البلد، ولكنها خرجت كذلك وقد زادت مساحة إمبراطوريتها الاستعمارية، ولا زالت كما هي مجتمعًا موحدًا، بالرغم من محاولة الشيوعية العالمية استغلال حالة الحرب العالمية، والتأثير على قرارات ومواقف للقوى الاجتماعية والحزبية اليسارية، وعلى رأسها حزب العمال من أجل كسب أرضٍ جديدة في أهم دولة في العالم في ذلك الحين.

وثمَّة توضيح مهم في هذه النقطة، وهو أن بريطانيا، عندما بدأت، بعد الحرب العالمية الثانية في التخلي عن مستعمراتها السابقة طواعيةً؛ لم يكن ذلك بسبب فشلها في الحفاظ على إمبراطوريتها الاستعمارية هذه، ولكن كان ذلك بسبب ما أدت إليه الحرب في صدد إعادة رسم خريطة القوى الدولية، وظهور الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في ذلك الحين على رأس نظام عالمي جديد، فرض على بريطانيا التراجع وراء حدودها، مع انتهاء عهد الاستعمار المباشر بمعناه القربب.

أي أن انسحاب بريطانيا من مستعمراتها لم تكن فيه بدعًا من القوى الاستعمارية الأخرى في ذلك الحين، مثل فرنسا وإسبانيا وهولندا؛ حيث بدأت جميعها في إخلاء مستعمراتها، ضمن سياقات جديدة للسياسة العالمية، وليس لفشل في السياسة البريطانية.

وبرغم عدم اتفاقنا مع بريطانيا العظمى باعتبارها قوة استعمارية، زرعت الاحتلال الصهيوني في قلب الأمة العربية والإسلامية، ومنحت ما لا تملك إلى مَن لا يستحق؛ إلا أن جوهر الاستراتيجية التي تبنتها في الحرب العالمية الثانية، هو أحد أوضح النماذج التي يمكن التأسِّي بها، بعد دراستها وتمحيصها، من أجل استخلاص قوانين عامة منها للحراك في أوقات الأزمات، تستفيد منه الحركة الإسلامية في أزمتها الراهنة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

استهداف الدين لا تصحيح مساره.. عن منهجية بعض الإعلاميين الخاطئة

بدايةً، ينبغي التأكيد على أن هذا الموضوع غرضه الأساسي تنويري في إطار موضوعي، وليس لهجومٍ …