تجربة ابن خلدون وكيف أسس القرآن لمدرسة التنوير العقلي في فهم العمران

الرئيسية » بصائر الفكر » تجربة ابن خلدون وكيف أسس القرآن لمدرسة التنوير العقلي في فهم العمران
Statue_Ibn_Khaldoun

من بين أهم العلوم التي شكلت السياسة في عالمنا المعاصر، هي علوم الاجتماع والاجتماع السياسي، والتي تندرج تحتها الكثير من العلوم التي صارت من أهم أعمدة الدراسات الأكاديمية، سواء في الجامعات أو مراكز التفكير في دول العالم المتقدمة، والتي أصبحت تشكل أحد أهم أدوات صناعة واتخاذ القرارات في وقتنا الراهن.

ومن بين العلوم التي تندرج تحت هذا التصنيف، القانون والإنسانيات والعلاقات الدولية على مستوى الفاعلين الدوليين الرسميين وغير الرسميين، والدراسات المعنية بالمجتمع المدني، وحقوق الإنسان.

وكما نتابع في صيرورات عالمنا المعاصر، وفي نشرات الأخبار وتقارير الحكومات والمنظمات الدولية؛ فإن هذه العلوم تكاد تكون هي صانعة الحدث الإنساني العام، وربما على المستوى الفردي الخاص، بجانب العلوم التطبيقية مثل الطب والصيدلة والفيزياء والكيمياء التطبيقية، وغير ذلك.

كل هذا نفخر كعرب ومسلمين، أن أول من وضع قوانين هذه النوعية من العلوم، كان أحد علمائنا العظام، وهو عبد الرحمن بن خلدون، الذي أسس لعلم الاجتماع، والاجتماع السياسي، ووضع قوانينها التي شملت الكثير من المفاهيم التي تندرج في الوقت الراهن تحت بند الحَوْكَمة والحكم الرشيد، والتي على رأسها إقامة دولة العدالة، التي لها الدور الأساسي في صعود وهبوط الأمم والحضارات.

نقرأ في الوقت الراهن الكثير من الأمور حول عوامل قوة الدولة ومناعتها الذاتية، وعن كيفية توظيف عناصر القوة الذاتية، المادية والمعنوية والبشرية، من أجل صناعة أمة قوية، وحضارة تسود.

وعندما نقرأ كل ذلك في محاضرات الكوليج دو فرانس عن الدولة، أو في كتابات جوستاف لوبون، أو في كتب كلية القانون في جامعة هارفارد؛ فإننا يجب أن ندرك أن كل ذلك، وضع ابن خلدون – الذي حلت علينا قبل يومين، ذكرى وفاته، في السادس عشر من مارس من العام 1406 ميلادية –؛ وضع أسسه وتفاصيله، وكتبه بلسان عربي مبين.

القرآن الكريم وحاكمية الشريعة في أفكار ابن خلدون:

بطبيعة الحال؛ فقد دُبِجَتْ الكثير من الدراسات عن أفكار ابن خلدون والأسس الرواسي التي وضعها لعلم الاجتماع والاجتماع السياسي، وخصوصًا في مجال #الدولة والقانون والنُّظُم، وحاكمية جهاز العدالة في سلامة الدولة والمجتمع، وعوامل صعود وهبوط الحضارات، ومراحلها المختلفة.

إلا أن هناك الكثير من الجوانب المخفية الكثير من غير المطروق في سيرته الذاتية وميراثه الكبير الذي تركه، والذي شمل الكثير من العلوم ومجالات المعرفة والفكر الإنسانية، وعلى رأسها التربية، بالإضافة إلى إسهاماته في مجال الفلسفة.

وربما كان أجدر شيء بأن يُذكر في هذا الموضع أولاً، هو التأثيرات الإسلامية التي راعى ابن خلدون أن تكون المرتكز الأساسي في كل إنتاجه وحراكه.

ودعم من ذلك، أنه كان على المذهب المالكي، الذي كان من أكثر المذاهب الإسلامية التزامًا بالأصول والكُلِّيَّات وفق النصوص الشرعية.

وبالتالي؛ جاءت فلسفات وأفكار ابن خلدون في كل الاتجاهات منبنية على أسس شرعية متينة، مع إعمال العقل في الأمور التي تستوجب ذلك، واستجابة أيضًا لأوامر قرآنية صريحة في هذا الصدد.

عندما نقرأ لابن خلدون في الفلسفة؛ نجد أنه أكد على ضرورة التزام الفيلسوف المسلم بالأسس الشرعية عنده تفسيره للظواهر المختلفة

فعندما نقرأ له في الفلسفة؛ نجد أنه أكد على ضرورة التزام الفيلسوف المسلم بالأسس الشرعية عنده تفسيره للظواهر المختلفة.

واتفق ابن خلدون في ذلك مع فيلسوف ومفكر مسلم آخر، هو ابن رشد، في صدد ضرورة أن يكون المفكر والفيلسوف المسلم، ملمًّا بالعلوم الشرعية، وذلك تفاديًا لحدوث اختلالات عقيدية في النتاج الفلسفي والفكري، باعتبار أن العقل الإنساني قاصر، ولا يمكن له أن يصل إلى الكثير من الحقائق بالعلم التجريبي فحسب، أو من خلال التفكير المجرد فقط، وإنما يجب أن تنضبط لديه بعض الأمور بضوابطها الشرعية.

وفي كتاباته وأفكاره عن التربية؛ نجد نفس الشيء؛ حيث أكد على أن أول درجة من درجات سُلَّم التربية الصحيحة الشاملة؛ تبدأ عند القرآن الكريم.

الرافد الثاني الذي كوَّن صناعة ابن خلدون الفكرية، هو العقل، فبالرغم من إدراكه لقصور العقل الإنساني عن إدراك بعض الأمور، إلا أنه آمن بأن العقل شديد الأهمية سواء في الإنسانيات والاجتماع، أو في العلوم الشرعية؛ حيث كانت العبارات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي تدعو إلى إعمال العقل في مختلف الظواهر، واضحة أمامه، وكان يدرك أن الاجتهاد هو شرط فهم القرآن الكريم ومعرفة أحكامه، وأن ذلك لن يتم من خلال قراءة النص وحده.

فنجده يؤكد – وهو الفقيه المالكي – أن العلم ينقسم إلى علمَيْن؛ العلم النقلي، ووضعه في المرتبة الأولى، والعلم العقلي، ووضعه في مرتبة تالية للعلم النقلي، الذي هو أساسه النص بطبيعة الحال، وهي مرونة فكرية لم تجتمع إلا لدى ندرة من العلماء عبر التاريخ، وتميز بها ابن خلدون.

التاريخ وقراءة ابن خلدون القرآنية للعمران:

أما الرافد الثالث الذي صنع فكر ابن خلدون؛ هو التاريخ، وهو بدوره رافد موجود في القرآن الكريم، فمن بين أهم الأبواب التي صنِّفَتْ فيها آيات القرآن الكريم، تصنيفًا موضوعيًّا، هي القصص القرآني، والذي يشمل قصص الأولين وقصص الأنبياء، وغير ذلك.

ومن بين ما قدر الله تعالى له أن يكون من رسائل القرآن الكريم الأساسية من وراء ذلك، هو أن تكون هذه القصص للعبرة والدرس، وتفادي ما وقع فيه الآخرون ممن سبقونا من أخطاء، وعدم تكرار المخالفات لأوامر الله تعالى، وضرورة تدبُّر سُنَنِه؛ من أجل الابتعاد عن المهلكات.

قرأ ابن خلدون القرآن الكريم بعناية؛ بحيث استخلص منه القوانين الأولية في مجال العمران، وأدرك منه أهمية قراءة التاريخ، في معرفة صيرورات الحضارات الإنسانية، ومن ثَمَّ؛ عمد إلى تطبيقها على أرض الواقع

وبالتالي؛ فإن ابن خلدون قبل أن يكتب مقدمته الشهيرة التي اعترف العلماء الغربيون أنفسهم أنها أسست لعلم الاجتماع، الذي هو أبو العلوم السياسية وعلوم النظم، والتي هي من أهم العلوم في وقتنا الراهن؛ قبل أن يكتبها، ويكتب عمله الموسوعي الأشهر "ديوان المبتدأ والخبر"؛ فإنه قرأ القرآن الكريم أولا بعناية؛ بحيث استخلص منه القوانين الأولية في مجال العمران، وأدرك منه أهمية قراءة التاريخ، في معرفة صيرورات الحضارات الإنسانية، ومن ثَمَّ؛ عمد إلى تطبيقها على أرض الواقع من خلال تدبر تاريخ الحضارات الإنسانية السابقة، واستخلص منها القوانين العامة لصعود وانهيار الحضارات والدول.

ووصل في تجرده ومرونته الفكرية في هذا الصدد، أن وصفه مفكرون غربيون، بأنه وهو العالم الفقيه الذي انطلق من القرآن الكريم والشريعة في فلسفاته وأفكاره وتربوياته؛ بأنه أول من قدم قراءة لا دينية للناريخ، وفق قوانين العمران الموضوعية.

وهنا ينبغي أن نشير إلى بعض معالم الفترة التاريخية التي عاشها ابن خلدون في المغرب العربي، لمعرفة بعض الخلفيات التي كان لها دورٌ في تكوينه الفكري.

ففي الفترة التي عاشها ابن خلدون، كانت منطقة شمال أفريقيا والمغرب العربي، متفرقة بين ثلاثة دول أو أسر، بعد سقوط دولة الموحِّدين، وهي المرينيين الذين سيطروا على المغرب في الفترة بين نهاية القرن الثاني عشر الميلادي وحتى منتصف القرن الخامس عشر، وآل عبد الودود، وكانوا مسيطرين على منطقة غرب الجزائر، في الفترة من الثلث الأول للقرن الثالث عشر الميلادي، وحتى منتصف القرن السادس عشر، ثم الحفصيين في تونس وشرق الجزائر وبرقة التي هي شرق ليبيا حاليًا، وهؤلاء حكموا بين الثلث الأول للقرن الثالث عشر الميلادي كذلك، وحتى الربع الثالث من القرن السادس عشر.

وهنا تأثر ابن خلدون، الذي عمل قاضيًا لدى الحفصيين قبل انتقاله إلى مصر، بحالة النهضة الثقافية التي ميزت دولتهم، كما أنه استفاد من رؤيته رأي العين للصراع بين الدول والممالك الإسلامية في تلك الفترة، بحيث استطاع تكوين فكرة عامة عن القوانين التي تحكم العلاقات السياسية بين المجتمعات الإنسانية، وعوامل قوة وضعف الدول، وغير ذلك مما اتصل بعلم العمران.

إذا ما كانت هناك دروسٌ مستفادة من تجربة ابن خلدون الفكرية، فإنه أهمها هو أنه أثبت أن النص الشرعي ليس معطِّلاً وليس ضد العقل الإنساني

وفي الأخير؛ فإنه إذا ما كانت هناك دروسٌ مستفادة من تجربة ابن خلدون الفكرية، فإنه أهمها هو أنه أثبت أن النص الشرعي ليس معطِّلاً وليس ضد العقل الإنساني، كما يتقول البعض من خصوم الأمة والحضارة الإسلامية، وأن التدبُّر في القرآن الكريم، هو صنو التنوير والفهم الصحيح للظواهر البشرية المختلفة، وللتاريخ.

كما أكدت تجربة ابن خلدون وأن الروافد الأساسية للشريعة الإسلامية، يمكنها أن تؤسس حضارات رواسخ، تغير من تاريخ الإنسانية بالكامل، وتنهض بالعقل البشري بأكثر مما تفعله المدارس الفكرية الأخرى الوضعية.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

لماذا لا نرى ناشطات نسويَّات مسلمات؟

أثارت بعض منصات التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة قضية شديدة الأهمية واللزومية في الوقت الراهن …