جلست يوما بجوار شيخي الذي أحبه، وكان هذا منذ أكثر من اثني عشر عاما أو يزيد، وكنت وقتها مازلت صغيراً بجوار هذا الجبل الأشم من الصبر والثبات.
وكان كما أخبرني يحب حديثي رغم صغري، فسألته سؤالا عن كلمة لم أكن أستوعبها بشكل كبير في حينها، قلت له ما هي الأخوة الحقيقية يا شيخنا؟
فأجاب: الأخوة هي رئة الحياة في طاعة الله وكفى، وربما كان الجواب مختصرا شاملا، لكن ربما أيضا لم أفهمه إلا بعد سنوات، ورحل شيخي وتركني أحيا مستشعرا معنى الأخوة الصادقة المتجردة من كل الشوائب الدنيوية العابثة والمعطلة، الأخوة التي أفهمني إياها شيخي بأنها رئة البناء والمسير، فظلت كلماته تداعب أذني حتى رحل عني وتركني، فجلست يوما أتغزل فيه عشقا وحبا وشوقا، فوجه عقلي قلمي أن يكتب رسالة إخاء اليه، فكتب: "من همسات السماء.. ومن نفحات القمر.. ومن نبضات الفؤاد.. ومن خلجات البهر.. ومن خيوط الفجر.. ومن سكنات السحر.. أكتب إليك أخي..
يا من نقشت حروف اسمك في سمائي.. وداعب صوتك الحنون أسراب طيري.. تحملت معي حلو الحياة ومرها.. وصبرتني على مشاقها.. وقاسمتني آمالها وآلامها.. وغيرت جمود حياتي إلى حركة لا تتوقف.. يا من دخلت أسوار قلبي بلا مقاومة.. وعطرت حياتي بعبق الإيمان ونور القرآن.. وأوقدت في شعلة لن تنطفىء إلى الأبد".
فعندما يبدأ القمر بالظهور.. أبدأ أتذكر من يشبهه في طلعته.. من يماثله في حلته..
وعندما يتوسط السماء.. وتبدأ النجوم تتحلق حوله.. وتداعبه.. ويبدأ وحي الظلمة يجلب علي أفكاري.. فلا أتذكر غيرك أخي ولا أجد للقمر مثيلا سواك.
كل الناس يحبون القمر.. لأنه يواسيهم ويخفف عنهم وحشتهم ويذكرهم بأحبابهم.. ولكن.. أنا أتذكرك أخي عندما تبزغ شمس أو يطلع قمر أو تتلألأ نجمة..
كلما أشرقت الدنيا.. وكلما أفل نورها.. كلما أحكم الشقاء قبضته على مخيلتي.. وكلما فتح باب الأمل لها.. كلما تنفست الصعداء.. وكل ما اختنقت لا أستطيع التنفس.. أكتب تلك الكلمة التي ينبض بها قلبي.. أخي.
يا من أنار طريقي.. ورسم الأحلام معي.. وأيقظ روحي.
سأرسم صورتك عند الأصيل.. وعلى صفحة الماء عند الفجر.. وأنقش اسمك على غصون الأشجار وأوراقها.. وأظل أترنم بحبك أبد الدهر..
أخي.. لكل شيء نهاية.. ولقصتنا لا نهاية.. حتى وإن متنا ووارانا التراب. فموعدنا على منابر من نور.. تحت ظل العرش.
أخي.. إن افترقت أجسادنا.. فأرواحنا واحدة.. لا نفصل أبدا.. تبقى متصلة تنشد أنشودة الحب وتخط لوحة الأمل والعشق..
أخي.. كنت أريد أن أكتب أكثر من ذلك.. فأنت تعرف كم أحبك.. ولكنها كلمات.. قد نبعت من القلب.. أرجو أن تقبلها..
وتأكد أخي.. أنك مع نبضي وأنفاسي.. القمر المضيء في طريقي.. وأغنية من حنان تشاركني دربي.. وأشجارا تظلني وتحنو علي من كل جانب...
وثق أخي بأنني على الدرب لن أحيد أو أغيب
وثق أخي أن النصر قريب
وسلام عليك أخي في العالمين.