عن صلاة الياسين الأخيرة التي صارت فجرًا جديدًا للأمة

الرئيسية » خواطر تربوية » عن صلاة الياسين الأخيرة التي صارت فجرًا جديدًا للأمة
HAMAS FOUNDER PRAYS IN GAZA ON THE LAST FRIDAY OF RAMADAN

فجر يوم الإثنين، غُرَّة صفر من العام 1425هـ، الموافق 22 مارس (آذار) عام 2004م وقبل ثلاثةِ عشرةِ عامًا من عامنا هذا، خطا الشيخ أحمد ياسين آخر خطواته في دنيانا الفانية؛ حيث اغتالته يد الإثم والإجرام الصهيونية، وهو ذاهب لأداء فريضة الصلاة في مسجد المَجْمَع الإسلامي في مدينة غزة، لكي يسطر بدمائه وخطواته الأخيرة دروسًا قد تعجز عنها أممٌ بكاملها.

خطوات ياسين الأخيرة على أرض قطاع غزة الصامد، جاءت لكي تمثل في حد ذاتها رسالة صمود، حملت من نوايا صاحبها، عميق الأثر، بحيث مثَّلت صلاة الفجر الأخيرة للشيخ المناضل، فجرًا جديدًا للمقاومة، ونموذجًا نضاليًّا مهمًّا أمام جيل جديد من المقاوِمين، تعلموا من ياسين أن الحياة رخيصة إذا ما كانت لأجل مبدأ، ولا يوجد مبدأ أجل وأسمى من الجهاد في سبيل الله.

جاء اغتياله في صلاة الفجر، كلوحةٍ نورانية سعى فيها ياسين إلى أن تكون حياته كلها لله تعالى، وأن يكون كل موقف فيها – حتى لحظاته الأخيرة – درسًا لإخوانه وأبنائه من المجاهدين.

خطوات ياسين الأخيرة على أرض قطاع غزة الصامد، جاءت لكي تمثل في حد ذاتها رسالة صمود، حملت من نوايا صاحبها، عميق الأثر، بحيث مثَّلت صلاة الفجر الأخيرة للشيخ المناضل، فجرًا جديدًا للمقاومة

خطوات بسيطة لا تكاد تزيد على بضعة عشرات من الأمتار، إلا أنها كانت عظيمة؛ صنعت قناعات جيل جديد من أبناء حركة المقاومة الإسلامية #حماس، وعدداً ليس بالهيِّن من أبناء الحركات الإسلامية الأخرى، وأحرار كثيرين في العالم؛ فالرجل ببساطة أثبت مصداقية ما بعدها مصداقية، في التضحية وضرب المثل؛ حيث كان الجميع يعلم أن الكيان الصهيوني وآلته العسكرية الإجرامية تترصد الرجل.
ففي يوم 13 يونيو (حزيران) من العام 2003م، أعلنها الكيان الصهيوني صراحة، خلال فترة حكم المجرم الهالك أرييل شارون، وفي أوج "انتفاضة الأقصى" الثانية، وفشل آلة الحرب الصهيونية المتترسة بكل صنوف السلاح الأقوى والأعلى تقنية في العالم، في كسر إرادة الفلسطينيين؛ أعلن الصهاينة صراحة أن ياسين "لا يتمتع بحصانة"، وأنه "عُرضة لأي عمل عسكري إسرائيلي".

وفي السادس من سبتمبر (أيلول) من ذات العام، حاولت طائرات حربية صهيونية اغتيال الراحل العظيم، وكان في معيته في حينه، تلميذه النجيب، إسماعيل هنية، الذي قاد "حماس" بكفاءة القائد فيما بعد، ولكن طائرات العدوان فشلت، لكي تعيد الكرَّة مجددًا، وتنجح هذه المرة في مهمتها القذرة في فجر ذلك اليوم؛ 22 مارس (آذار) 2004م.

وليس أدل على أن تضحية ياسين أثمرت في نفوس الأبناء؛ من موقف الشهيد نزار ريان. نزار ريان الذي أعلن الكيان الصهيوني صراحة أنه سوف يقصف بيته في قطاع غزة خلال عدوان شتاء 2008/2009م، فما كان منه إلا أن أعلنها صراحةً: أنا ياسين وكلنا ياسين وكلنا تعلمنا من الياسين.

مات ريان أعظم ميتةٍ؛ شهيدًا على أيدي الصهاينة، لكي يلتقي بأستاذه في الملكوت الأعلى، مع الصديقين والشهداء – ونحسبهم جميعًا على الله تعالى كذلك – لكي يخبره بأن دروسه قد أثمرت صمودًا وشهادة، تزلزل الأرض تحت أقدام المحتلين الصهاينة.
لم تكن خطوات الشيخ ياسين في ذهابه إلى أداء صلاة فجره الأخير في هذه الدنيا هينة، وأبلغ دليل على ذلك –كما ريان– صورته الشهيرة مع الأشبال الأربعة؛ حيث تتبعها بعض الصحفيين؛ فوجد أن كل مَن كان فيها مِن الأشبال مع قائدهم، قد استشهدوا!

ماذا كان بينك وبين ربك يا ياسين لكي ترحل عن دنيانا في هذا المشهد العظيم المهيب؟!.. شيخٌ قعيد في عتمة الليل المظلم، يستعد لأداء صلاته الأخيرة؛ فيتحول فَجْرٌه الأخير إلى نور يملأ العالم قيمًا ونبلاً؟!.

إنها ربما –في تقديري الخاص– كانت أحد المشاهد في تاريخ الإنسانية، وفي ضميرها الحي.

كانت المصداقية ومعاني الفداء التي أصر الياسين على أن يلقننا دروسها حتى نَفَسِه الأخير بالمعنى الحرفي للكلمة؛ هي أحد أهم العوامل التي ساهمت في تمتين بنيان حركة "حماس"، وكتائبها

وهذا القول ليس مبالغةً في شيء؛ فمن الناحية الموضوعية البحتة، كانت المصداقية ومعاني الفداء التي أصر الياسين على أن يلقننا دروسها حتى نَفَسه الأخير بالمعنى الحرفي للكلمة؛ هي أحد أهم العوامل التي ساهمت في تمتين بنيان حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، وجناحها العسكري، كتائب "الشهيد عز الدين القسام".

ولا يخفى على أحد، حتى باعتراف الصهاينة أنفسهم –والمجد هو ما شهدت به الأعداء– الدور الكبير الذي تلعبه "حماس" في الوقت الراهن في الحفاظ على القضية الفلسطينية، من دون أي مبالغة في القول.

ففي الجانب السياسي؛ تصدت ولا تزال الحركة تتصدى لمشروعات التسوية الانهزامية، وتعمل بكل السُّبُل على تجميع الفلسطينيين في الداخل المحتل عام 1948م، وعام 1967م، وفي الشتات على ثوابت القضية الفلسطينية، والحفاظ على القضية حية في نفوسهم، وكل ذلك يتم من دون أن ترهن "حماس" قرارها وإرادتها لأي طرف سياسي.

وفي الجانب العسكري؛ يقف رجال #القسام مع إخوانهم في فصائل المقاومة الأخرى، كحائط صد قوي، مرَّغ أنف الاحتلال الصهيوني المدرَّع من الرأس إلى الأقدام، بمختلف صنوف الأسلحة، في التراب، وحقق للمرة الأولى في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، معادلة الردع المتبادل كما يقول جيش الاحتلال وحكومة الاحتلال، في تقاريرهما، والتي كان آخرها تقرير مراقب الدولة، القاضي المتقاعد يوسف شابيرا، الذي أكد أن غزة انتصرت في حرب "البُنيان المرصوص"، صيف العام 2014م.

ولعل قضية التربية هذه، أحد أهم الدروس المستفادة من حياة ومسعى الشيخ أحمد ياسين، رحمة الله تعالى عليه.

ولا نقصد بالتربية هنا، المعنى القريب الخاص؛ وإنما التربية بكل ما تعنيه، سواء من خلال سلوكه، وكيف تصدى لعجزه، وحوله إلى قوة قاهرة، صنعتها إرادته، فكانت قنبلة انفجرت في وجه أعدائه.

كما أن مفهوم التربية الذي نقصده، يشمل كذلك أحد أهم الدروس المستفادة من حياته، رحمه الله، وهو تركيزه، ولاسيما في مرحلة الإعداد والتجهيز، على الإصلاح المجتمعي، والذي يُعتبر أعظم وأشمل صور التربية؛ إذ يتضمن تربية الأفراد، بجانب نشر منظومة القيم المطلوب غرسها في المجتمع، لكي تتحول إلى انتماء متجذر في الوجدان المجتمعي.

وهي نقطة لولاها، ما كانت #المقاومة قد استطاعت تحقيق إنجازاتها هذه في ظل الحصار القاهر المفروض عليها، ليس في قطاع غزة فحسب، وإنما في الضفة الغربية أيضًا؛ حيث إن التربية بالمعنى الفردي، وبالمعنى العام المتمثل في قضية الإصلاح المجتمعي؛ هي التي أسست لأحد أهم عوامل النصر وفق قوانين العمران والاجتماع السياسي، وهو الحاضنة الاجتماعية.

فالحاضنة الاجتماعية التي شكلتها رسالة الإصلاح المجتمعي التي تبناها الياسين وإخوانه من الرعيل الأول للحركة الإسلامية في فلسطين؛ هي التي جعلت المجتمع الفلسطيني بنسائه وأطفاله وشيوخه، يصبر ويضحي ويبذل ويُعطِي، وكذلك لا يتذمر ولا يشكو، ولا يفعل مثل الجُهلاء؛ فيقول إن المقاومة هي سبب البلاء.

أسَّس الإصلاح المجتمعي الذي قاده الياسين، إلى فهمٍ حقيقي لدى الجمهور الفلسطيني لواقع قضيته، وأهمية وضرورة المقاومة، وأن الاحتلال هو أصل البلاء، وفي زواله المصلحة، وليس في بقائه وزوال المقاومة

إنما أسَّس هذا الإصلاح المجتمعي إلى فهمٍ حقيقي لدى الجمهور الفلسطيني لواقع قضيته، وأهمية وضرورة المقاومة، وأن الاحتلال هو أصل البلاء، وفي زواله المصلحة، وليس في بقائه وزوال المقاومة، وبالتالي؛ فإن التضحية واجبة وضرورية لأجل حقوق ومصالح الأجيال القادمة على أقل تقدير، وأن الحرية هي القيمة الإنسانية العظمى التي جعلها الله تعالى مع العقل؛ مناط التكليف والأمانة، وهو ليس بالأمر الهين؛ فالأمانة هي عقيدة التوحيد؛ أصل خلق الكون والدنيا بالكامل.

وفي الأخير؛ فإن الحديث عن الشيخ ياسين والدروس المستفادة من حياته، ومن لحظات استشهاده، وحتى عن أثره بعد رحيله عن عالمنا؛ يطول، وبحاجة إلى مقالات وكتبٍ ودراسات، ولكن يبقى في هذا الموضع أن نردد معه ما قاله في آخر مقابلة تلفزيونية معه: "إننا طلاب شهادة. لسنا نحرص على هذه الحياة. هذه الحياة تافهة رخيصة. نحن نسعى إلى الحياة الأبدية".

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

من مفاتيح الصلاح: التفكر والتكاملية

حين تهدئ من عجلتك لعبور الحياة بأسرع ما يمكنك، وتتوقف عن السباق مع الوقت لتهدر …