في المعركة بين العامية والفصحى

الرئيسية » بصائر الفكر » في المعركة بين العامية والفصحى
82638696_figure1

كان للعرب منذ القِدَم لهجات مختلفة بحسب القبائل، وما أحسوا يوماً بالحرج لوجود ازدواج في المستويات اللغوية طالما كان لكل منهما مجال استخدامه وموضعه، التي يملكون أدوات كل منها ويتمكنون منها جميعًا. وكل الأمم تستعمل مستوى للتخاطب اليومي، ومستوى للأدب والعلم ودرجات الخطاب الأعلى، فبرناردشو مثلًا لم يكن يكتب بلغة الشارع الإنجليزي، وكذلك دانتي في الألمانية، وهوجو في الفرنسية، وهذا ما يسمى اللهجة المحلية، وهي لون لغوي يتفرع من اللغة الأم ويستعمل في معاملات الحياة اليومية، ويتميز عن ألوان أخرى أكثر رصانة وإحاكما، تستخدم حال الكتابة أو في محافل علمية أو أكاديمية أو رسمية مثلا.

لكن أصل الإشكال هو أن العامية عندنا تكاد تكون "لغة" قائمة بذاتها، لا فرعاً عن الفصحى  ، حتى صارت تجور على حق الأخيرة في استقامتها على الألسن، بحسب ظروف انتشار الجهل بقيمة وموضع كل من المستويين، وغلبة الأمية، مما يزيد نفوذ العامية الدارجة. فوجود هذين المستويين إذن أمر بدهي فطري ليست العربية فيه بِدعا، وإنما البدعة هي عدم التمكن من أدوات اللغة وملكتها القويمة، ثم التستر على هذا العجز المشين بإلقاء اللائمة على اللغة نفسها!

وجود العامية أمر فطري ليست العربية فيه بِدعا، وإنما البدعة هي عدم التمكن من أدوات اللغة وملكتها القويمة، ثم التستر على هذا العجز بإلقاء اللائمة على اللغة نفسها

ومَثَل هذا الزعم السقيم، كمثل الثعلب الذي وقف على قَطْف من العنب متدلٍ من أعلى شجرة، فأبصر عنقودا يَقطِر ماء وحلاوة، فواثبه مرارا فلم يصل إليه إذ كان عاليا عليه، فلما أعْجَزَه قال: هذا عُنقود حامض لا يُؤكل! وانصرف وهو يرى أن العنقود لم يُعْجِزْه، ولكنه هو من تركه لحموضته!

منشأ الفجوة بين الفصحى وألسنة أهلها

أول الأسباب لذلك هو اقتصار الاعتماد على #العامية في أغلب المواضع التي ينبغي أن تغلِب فيها الفصحى، فلا تخلو المؤسسات التعليمية من مدرسين وأكاديميين يتحدثون العامية حتى في مَعْرِض شرحهم للفصحى، ويقرؤون الكلام العربي المبين قراءة يغلِب عليها اللحن والتنافر الصوتي! فلئن كان أرباب العلم لا يحسنون التحدث بالفصحى بغير لحن وهم من أهل اللغة، فكيف بغيرهم وكيف بمن هم دونهم  ؟!

بدأ الإهمال للفصحى مع الحملات الاستعمارية التي كانت تهدف لإضعاف اللغة المحلية بإذاعة اللحن الأجنبي، ثم تحول هذا الإهمال لعادة جبلت عليها نفوس أهل اللغة

وقد بدأ هذا الإهمال كما هو معلوم مع الحملات الاستعمارية التي كانت تهدف لإضعاف #اللغة المحلية بإذاعة اللحن الأجنبي، ثم تحول هذا الإهمال لعادة أو طبيعة جبلت عليها نفوس أهل اللغة. فلا التربية الأسرية توفر المحضن الطبيعي للملكة اللسانية، ولا النظام التعليمي يقومها، بل إنه في حقيقة الأمر يئدها على النحو الذي أسلفنا، ولا حرص ذاتي من أبنائها على التمكن من لسان كتابهم الذي يتعبدون لله بتلاوته!

وثاني الأسباب ذُيوع الكتابة بالعامية ذيوعا غير مسبوق، رَغْم كون الكتابة من المواضع التي يحسن وينبغي فيها استعمال #الفصحى، لما في ذلك من تجويد الأسلوب ورقي البيان، وحسن الوقع على الآذان، وضمان الفهم للكل. فليس يخفى أن اللهجات العامية في سائر البلدان العربية تحفل بتعبيرات ومصطلحات يتفاوت الناس في استعمالها وفهمها وفقا لبيئاتهم المحيطة. أما #العربية فبها قرآن يتلى آناء الليل وأطراف النهار، ولن يَعدَم القارئ فهما إن لم يتعمد الكاتب التقعر والتفلسف في تكعيب الألفاظ وتربيع العبارات، ليوحي أنه من اللغة بمكان، وما هو منها بموضع!

تنويع لهجة أم استقلال لغة؟

العامية لم تعد كما ينبغي أن تكون لونا لغويا ذا استعمال معين وغرض واضح، بل صار البعض ينادي بها لغة مستقلة ذات هُوية تتميز عن العربية

فالحاصل أن العامية لم تعد كما ينبغي أن تكون لوناً لغوياً ذا استعمال معين وغرض واضح، بل صار البعض ينادي بها لغة مستقلة ذات هُوية تتميز عن العربية، باعتبارها ضرورة لا مفر منها لمخاطبة العامة على قدر عقولهم، إذ لا تستقيم الفصحى لأفهامهم على الإطلاق. الإشكال هو في هذه الدعوة الشائهة التي تهدف لفك الارتباط الوجداني بالفصحى، وهتك الرباط الطبيعي بين المستويين اللغويين، لا في وجود فصحى وعامية كما هو حال كل اللغات البشرية!

وعلى ذلك الزعم يرد الدكتور فتحي جمعة، أستاذ العلوم اللغوية بكلية دار العلوم، قائلا: "إن المخاطبة على قدر العقول لا تعني تَبذَّل اللغة، أو هبوط الكلام وانحرافه عن سنن الفصحى، وإنما تعني الابتعاد عن تعقيد الفكرة والتَّقعّر في اللغة (أي تعمدِ اختيار الصعب من التركيب والغريب من الألفاظ). أما الجُنوح إلى العامية بدعوى إفهام العوام، فإن لم يكن ذلك مداراة للعجز عن الفصحى، فهو ادعاء يظلم الفصحى والعوام في وقت معا، يظلم الفصحى بأنها غير مفهومة، ووالله إنها لمفهومة، ويظلم العوام بأنهم لا يفهمون، وتالله إنهم ليفهمون..." ا.هـ.

وإذا كان الاحتجاج بعلو المستوى اللغوي مقبولا، فلِمَ يُجْهد الأبوان نفسيهما في تعليم الطفل الكلام؟ أليس المنطق إذا – جريا على تلك القاعدة – هو النزول لمستوى فهم الطفل وطريقته في الكلام؟ وإذا لانقلب العالم إلى حضانة أطفال كبيرة! إن المنطق السليم حقا هو مراعاة مقال المقام، وملائمة درجة رصانة وإحكام الخطاب اللغوي، لا تدنيه بافتراض تدني أفهام المخاطبين! وإن من روائع العربية لمن فقهها أن لها من ألوان المستويات والدرجات حظا أي حظ.

ختاما

من يستهين بلغته الأصيلة أو يستصعبها أو ينزلها منزلة أدنى مما ينبغي لها، لا ينتظر أبدا أن ينحني الآخرون لحضارته وهويته احتراما، أو يولوه اهتماما أو يقلدوه وساما

وإننا إذ ننادي ليل نهار بالانفتاح على الآخر وتقبل الآخر والأخذ من الآخر، لم نتوقف برهة لنتفكر: "وماذا عن الذات؟" إننا لم نتثبت بعد من هوياتنا حتى نضيف إليها ألوانا من هويات الآخرين! فما بالكم بمن قَصُر عن الاعتزاز بلغته وهي من جوهر هويته وعجز عن الإلمام بأبسط مبادئها؟ أفلا يكون عن غيرها أعجز؟ ما بالكم بأمة تنتسب للغة لا تكاد تحسن القراءة ولا الكتابة بها دون أخطاء؟ وأي ذات هجينة تلك يمكن أن تنشأ من المغالاة في الفخر والاعتزاز بلغة الآخر؟! فيفخر الوالدان إذ يخلط ابنهُما كلاما عاميا بألفاظ أجنبية، ولا يفتأ من تعلم لفظة من لغة أجنبية يسارع ليبهرج بها حديثه كأن ذلك عنوان التحضر! فهل رأيتم أو سمعتم بأجنبي تعلم العربية فتشدق بألفاظها في حديثه؟   إن ذلك إن لم يكن لاعتقاده بدنو الآخر فإنه اعتزاز لا يخفى بالذات والهُوية.

إن من يستهين بلغته الأصيلة أو يستصعبها أو ينزلها منزلة أدنى مما ينبغي لها، لا ينتظر أبدا أن ينحني الآخرون لحضارته وهويته احتراما، أو يولوه اهتماما أو يقلدوه وساما. وفي طرائف العربية ما يُروى من أن رجلا حسن الهيئة فخم الثياب، وقف على باب أحد النحويين يسأله، فلَحَن وتكسر في الكلام، فقال له العالِم: يا هذا! إما أن تلبس على قدر كلامك، وإما أن تتكلم على قدر لباسك!.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

كيف تستطيع أنْ تُغيِّرَ العالم؟

تستند التنمية "development" في المجتمعات الإنسانية كافة -ثَريِّها وفقيرها، مُتقدِّمها وناميها- على أساسيَيْن اثنَيْن، الأول/ …