اختلق لأخيك 70 عذرا!

الرئيسية » خواطر تربوية » اختلق لأخيك 70 عذرا!
4-reasons

إذا كنت ممن جرب عملاً مؤسساتياً في وسط ملتزم، أو ما يقاربه من مجموعات تطوعية وفرق وكذا، ثم بدى لك أن تندهش من اعتياد بعض الملتزمين التأخر عن مواعيدهم، واعتيادهم إطلاق وعود لا يوفونها، واعتيادهم الأداء الهزيل وقت العمل مع أنهم كانوا أسوداً وقت النقاش، فستأتيك الأجوبة من ذوي الحكمة والبصيرة:

  • "معلش"
  • "التمس العذر لإخوانك"
  • "آدينا بنحاول"
  • "كل يرى الناس بعيني طبعه فرفقا بمن حولك"
  • "أحسن من مفيش"
  • "ربنا بعث موسى لفرعون وأمره بالقول اللين"!!!

هذه الأفهام السقيمة وتلبيس الاستشهادات واقتطاع السياقات، هي أول مداخل ضعف –أو انعدام– جودة كل عمل يتم "لله" ودون مقابل مادي، إلا ما رحم ربي.

فالتلطف المعني في قوله تعالى -في معرض إرسال سيدنا موسى عليه السلام لفرعون: {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى}، يقصد به التلطف في "عرض" الحق وليس "إخفائه"، وفي "بيان" الباطل لا "التستر" عليه.

وإن كان لا مفر من التربيت على المخطئ حتى يتعلم، أو التغافل عنه من باب الحكمة في أحيان أخرى، فذلك لا يعني تأييد المخطئ أو التربيت على ذات الخطأ. وبعض الصواب في الخطأ لا يجعل الخطأ صوابًا!  

والتماس #العذر إنما يكون لمتعلم جاد أو مكابد صادق، فخطؤه نابع من محاولة مقاربة الصواب، لكنه ليس بحال سياسة للتعامل مع المتخاذل غير المبالي، أو مع من يرى صور التقصير السالفة "عادية"، ثم يدعي أنه من وسط ملتزم مختلف.

التماس العذر إنما يكون لمتعلم جاد أو مكابد صادق، فخطؤه نابع من محاولة مقاربة الصواب، لكنه ليس بحال سياسة للتعامل مع المتخاذل غير المبالي

وقاعدة "أنت ترى الناس بعيني طبعك" لا تصح بإطلاق، لأنها توحي أنه ليست هنالك مبادئ ثابتة للمعاملات وأخلاق لازمة لكل مدع للالتزام، وإنما الأمر نسبي، فما يراه ملتزم لازماً من حق ملتزم آخر أن يتهاون فيه. وإنما تنفع هذه القاعدة إذا طبقت بمعنى مراعاة اختلاف طبائع ومداخل الناس، لكن الخطأ يظل خطأ، سواء كانت له مساحة إعذار أم لا.

كما أن هذا "الرضا" بأقل الجهد وأدنى المحاولة هو من تخاذل الهمم ليس إلا، ومن عجب أن مبدأ الرضا هذا لا يطبق حين يكون المتكلم صاحب مصلحة شخصية أو في خاصة نفسه، فهو يريد تسلم الأفضل واستحقاق الأحسن، أما حين يقدم هذا العمل لله فلا بأس في أقل من ذلك! مع أن حقيقة التنازل المشروع يكون في حقوق النفس –بقدر- وليس في حق الله تعالى وحق القيام بأمر هذا الدين!

ولو استحضر العامل حقيقة أنه المحتاج وأن الله تعالى الغني الحميد، لقدّم من الوسع أحسن ما يستطيع رجاء قبوله عند الله، ولم يتمم خبيث الجهد وأقلّه، مصداق قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267]، سواء كانت النفقة مادية أم معنوية.

لو كان أحد ينتفع بالانتساب لشخص أو مؤسسة كعذر لما يصدر منه تقصير ومخالفة، لكان الكافرات من أزواج الأنبياء أولى الناس بذلك

كل ما سبق من الآفات الجماعية الاجتماعية، التي لن تحل حقيقة إلا بالمراجعات الذاتية والالتزام الفردي أولا. ومن رحمة الله تعالى أن الكل يحاسب فردا، وأن المسؤولية الجماعية لا تغني عن التبعة الفردية في التقصير الشخصي . فلو كان أحد ينتفع بالانتساب لشخص أو مؤسسة كعذر لما يصدر منه تقصير ومخالفة، لكان الكافرات من أزواج الأنبياء أولى الناس بذلك، ومع ذلك فامرأة سيدنا نوح وامرأة سيدنا لوط لم يغن عنهما من العقاب على كفرهما كونهما زوجتي أنبياء.

ذلك وشتّان بين التماس الأعذار واختلاقها قسرًا!

وبين إعذار المخطئ والتربيت على ذات الخطأ باتخاذ الإعذار شماعة لتبرير التقصير والتهاون والعبث!

وشتان بين التماس الإعذار من الغير، واتخاذ الالتماس قناعًا يستر نفسية تتكبر على كونها تخطئ وتستنكف عن الاعتذار وتتعالى على التناصح!

والأدهى والأمرّ أن تقع تلك التلبيسات من حاملي لواء التصدّر للناس بتربيتهم بالقيَم وحثّهم على المُثُل العليا والتحليق بأرواحهم للسماء!!

وإذا كان العالم من يربي بصغار العلم قبل كِباره، فكذلك المربّي والمصلح الأخلاقي: دعوته الحقيقية تكون بصغار المكارم والمواقف قبل الصقل الجماهيري واللمعان العام، وذاك الذي يحسنه كل أحد في التصدّر. لذلك لم يكن عبثًا أن جعل نبيّنا ميزان الخيرية الحقة: خيركم خيركم لأهله. فإن الأهل أول من يعاشر صغار المكارم التي هي آصَلُ المكارم، ومن لا خير في صغاره لا صدق في كباره.

ويبدو أن تلك آفية متفشية من قديم في وسط أهل المسارعة للإصلاح والإبطاء عن الصلاح، بخلاف أن سَلَفنا نصّوا عليها وحذروا منها، ونحن نتكئ كالمعتاد على نصف المعادلة الذي يريحنا!

يا أيها الرجل الْمُعَلِّمُ غَيْرَهُ *** هَلَّا لِنَفْسِك كَانَ ذَا التَّعْلِيمُ
تَصِفُ الدَّوَاءَ لِذِي السِّقَامِ وَذِي الضَّنَى *** كَيْمَا يَصِحَّ بِهِ وَأَنْتَ سَقِيمُ
ابْدَأْ بِنَفْسِك فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا *** فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ
فَهُنَاكَ تُعْذَرُ إنْ وَعَظْتَ وَيُقْتَدَى *** بِالْقَوْلِ مِنْك وَيحصل التسليمُ
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ *** عَارٌ عَلَيْك إذَا فَعَلْت عَظِيمُ
[الماوردي - أدب الدنيا والدين]

ومن فضل الله تعالى وحكمته أن الجنة درجات كما الالتزام درجات. فكل وما اختار، ومن اختار فليلزم، ثم لا يلتفت.

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

اتباع الهوى والسقوط نحو الهاوية!

خلق الله الإنسان وأمده بأسباب بقائه واستمراره في هذا الوجود، غير أنه جل شأنه رضي …