الإسلاميون ونماذج من الخطاب السياسي

الرئيسية » بصائر الفكر » الإسلاميون ونماذج من الخطاب السياسي
speech17

يعتبر الخطاب السياسي للحركات والأحزاب بمثابة ترجمة لحالة التعبير عن الآراء والأفكار في المجتمعات والحياة بصفة عامة، فمنه تعبر هذه الكيانات والتجمعات عن أطروحاتها السياسية والحزبية وآرائها في كل جديد وحديث، وذلك عبر المنافذ والمنابر الإعلامية التابعة لها أو حتى في تصريحات الأفراد والمؤسسات الذين ينتمون لتلك الحركات أو الأحزاب أو الكيانات.

ولما كان حسن التوظيف من عوامل النجاح، فإن براعة البيان وقوة توصيله من علامات قوة الفهم والإلمام به، بل وتحييد الخصم وفتح آفاق جديدة للتمدد، وجلب أنصار جدد تتبنى الفكرة بمثابة ازدهار للخطاب ومراميه السياسية أو الاقتصادية أو الفكرية التي تعبر عن الكيان والتوجه.

وقناعتي أن القادر على الإبداع والصدق والفهم في خطابه السياسي هو الأجدر على التسيد والتصدر مع عوامل أخرى في مقومات ومكونات الحكم الرشيد.

والإسلاميون كفصيل سياسي عانوا كثير من أزمة الخطاب السياسي بين تفوق لحظي مؤقت وبراعة في التوصيل وفهم لمساعي الخصم والقدرة على إفشاله بالخطاب، وبين سقوط وانزلاق في أتون معارك إعلامية كلفت الوطن والمواطن الويلات.

فمثلا التجربة التركية الأولى والرائد نجم الدين أربكان وبراعته في الخطاب عموماً والسياسي خصوصا، فإن تجربته تلك أجهضها العسكر مرات ومرات وأجبروا الرجل على الاستقالة لأنه -كما يقولون- تعاطف مع التنامي الإسلامي في البلاد، وهذا يهدد العسكر بلا شك!

فكان الرحيل بشكل مريح لهم، وأراد الرجل المكوث في البيت، وصرف أنصاره ورفض التجمعات أو التصعيد، وهذه أسباب يعلمها الأتراك، فلربما المناخ السياسي وعامل الوقت كان ضد الإسلاميين، ولربما صان الرجل الحقوق والحريات والدماء وقبل التضحية بنفسه كرمز والابتعاد عن المشهد لفترة؛ حتى لا تنزلق بلاده في مطبات الدماء والانتهاكات.

ونتفق أو نختلف في أبعاد الأمور لكن يبقى خطاب أربكان يتسم بالفطنة والهدوء، ونظرته كانت صحيحة في وقتها بالرغم من سجنه وحظر حزبه، لكن أهل مكة أدرى بشعابها وللحق فقد أنصف التاريخ الرجل.

الأمر الثاني براعة الخطاب السياسي لتجربة الحركة الإسلامية في #تونس الخضراء وحركة النهضة التي قدمها التونسيون بعد حوار وسجال وتصويت واختيار متعدد في أول توافق حكومي بعد الثورة، ومع أول تصعيد ميداني ضد الحكومة الوليدة، ورغم أن الأمر كان مفضوحاً حيث هدف للإفشال فقط، الإ أن قيادة الحركة آثرت الانسحاب والاستقالة من رئاسة الحكومة.

عندها قال الشيخ الغنوشي: "نعم فقدنا الحكم لكن لم نفقد الحرية" وهذا قمة الفهم في نظري، فالرجل لم يتعجل قطف الثمرة أو أصابه الغرور والتعالي أو حتى وقع في مصيدة المدح الذي يطل ويؤخر، بل كان ماكراً بفهم وحب واحتواء.

وأيضا نختلف في التقييم أو مجريات الأمور لكن إجمالاً وضع الحركة الآن قوي وهي تسبح ضد تيار كاره للحريات بدعاوٍ مختلفة.

النموذج الثالث في البراعة والذكاء السياسي هو الرئيس التركي أردوغان، هو بالرغم من خلفيته المعروفة إلا أنه محبوب من أكثر من نصف الشعب الذي يمثل أفكاراً عدة، فالرجل وصل لقلوب وعقول الكثير عبر ممارسته السياسة ونجاحه البارع والخطاب الراقي الشعوبي مع شعبه، حيث اتسم بالتركيز على الوطن والمواطنة والدولة التركية وتاريخها التليد وعظمة الشعب التركي، وهذا الخطاب مع الميدان الواقعي عزز ثقة الشعب بحزبه مرات عديدة حتى أوصله لرئاسة البلاد.

والأجمل أن خطاب أردوغان نابع من عمل مؤسسي متزن وفق توظيف ناجح مثمر ميدانياً وتواصلياً وفوق كل هذا هو كيان حر بداخله وترجمة لحالة انتخاب وتقديم أهل المهنية والكفاءة دون النظر لمعاني الثقة والعطل.

والناظر في أحداث انقلاب #تركيا الفاشل مؤخراً يجد أن الخطاب السياسي زاد من قوته وبراعته ليستوعب ما تبقى من مخالفين، ووقف الجميع خلف القائد المنتخب حتى خطاب الانتصار كان قمة فى الذكاء للداخل والخارج فتلك براعة القول والفهم وللعمل أمور أخرى.
ويبقى السؤال لماذا نجح الخطاب السياسي لبعض فروع "الإسلام السياسي" وفشل أو تعطل ولم يوفق في مصر هذا ما سنتناوله في المقال القادم.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب وباحث مصري الجنسية، مؤلف عدة كتب فى التربية والتنمية "خرابيش - تربويات غائبة- تنمويات". مهتم بقضية الوعي ونهضة الأمة من خلال التربية.

شاهد أيضاً

9 خدع تحسّن مهارة التفكير النقدي لديك

نظرة واحدة متعمقة لماضيك وحاضرك ستؤكد لك أن حياتك ليست سوى نتاج أفكارك وقراراتك بشكل …