الحرية في ظلال سورة النور

الرئيسية » بأقلامكم » الحرية في ظلال سورة النور
alnoor4

في خضم رحلة البحث عن الحرية المنشودة داخل مجتمعاتنا العربية المسلمة التي عمها الفساد وتجذر فيها حتى صار لها سمة، أتطرق اليوم لمشكلة أخلاقية تؤرق المصلحين وتضعهم أمام أزمة حقيقية تهدد مصير الأسرة المسلمة وبالتالي المجتمع والأمة.

تلك المشكلة الأزلية وهي العلاقة بين الرجل والمرأة، ما هي حدودها؟ كيف هو نهجها؟ ما المراد منها؟ ما هو مدى الحرية المسموح به أو القيود الموضوعة عليها؟

كثيرون هاجموا الإسلام من هذه الزاوية ادعاءً منهم أنهم يدافعون عن الحرية وما يدرون أنهم إنما يكبلون الإنسان داخل شهوته دون أدنى محاولة للارتقاء بها فوق درجة البهيمية.

والحرية التي يقصدونها، هي حرية الانحلال، والخروج من منظومة القيم المتوافقة مع الفطرة الإنسانية السوية.

فالرجل مثلاً الذي يقبل أن يتعرض لأعراض الناس بسوء يرفض هو ذاته أن يتعامل أحد مع أهل بيته بذلك الانحطاط الأخلاقي الذي يقع فيه دون مراعاة دين أو خلق أو مروءة أو تقاليد.

إذن فقد خلقنا الله عز وجل بفطرة ترفض تلك الدنايا غير أن بعض النفوس قد تتوق إلى ما لا يحملها بتكليفات حتى لو كانت أخلاقية تحافظ على المجتمع وفي ذات الوقت لا تخرجنا من إنسانيتنا التي تشتهي ما استودعه الله فينا وجبلنا عليه من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، أي كل ما يمت لمتاع الدنيا بصلة شرط أن يكون داخل ذلك الإطار الرباني الذي حفظنا الله به وحفظ علينا به حريتنا وحرية الآخرين من حولنا ضمانا لسلامة وصون الجميع.

إذن فدعاة الفوضى الأخلاقية ما هم إلا دعاة للتوتر والقلق والعبودية للجسد ورغباته الدنية دون رقيب من شرع أو رب أو مجتمع.
وأقوى القوانين الأرضية التي تحدثت عن حرية الإنسان لم ترق في إطارها عن خمس مقاصد وضعها الشرع وجعلها حق لكل إنسان في ظل الحكم الإسلامي وهي:

حفظ النفس
حفظ العقل
حفظ المال
حفظ العرض
حفظ الدين

وسورة النور تناولت جانبا مهما من تلك المقاصد وهو "حفظ العرض" في مواجهة المحنة الأكبر التي يمكن أن يتعرض لها مسلم مؤمن فضلا أن يكون هو النبي المرسل الذي لم يعرف عنه إلا حسن الخلق ليلقب بالصادق الأمين في وقت كان البعض يفخر بالخمر ووأد البنات وتوريث النساء من الآباء إلى الأبناء.

وفي لفتة قرآنية تدل على أهمية ما تناولته السورة العظيمة التي أمرنا بتعليمها لبناتنا ونسائنا، يقول الله عز وجل في مطلع سورة النور﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.

وفرضية كل آيات القرآن ليس مشكوك فيها، ونزول كل آيات القرآن كذلك من عند الله أمر مسلم به، وقد قسم العلماء والفقهاء أحكام الإسلام لدرجات ابتداء من الفرض وانتهاء بالحرام وبينهما المستحب والمباح والمندوب والمكروه.

وفي سورة النور لم يتركها الله عزوجل لاجتهادات أحد من البشر، وإنما نبه تنبيها شديداً بتكرار "أنزلناها" "وفرضناها".

فالأخلاق والحفاظ على المجتمع من الشبهات أو مجرد الاقتراب منها فريضة من الله بحيث جعل الخوض في الحديث عن العرض قريب من الوقوع في كبيرة الزنا ويقترب العقابان، فيشهر بمن فعل ولا تقبل له شهادة إلا أن يتوب ويعترف على نفسه بالكذب ويبرئ ساحة البرء "الذي لم تقم عليه شهادة الأربع".

وهنا ينزه الله عز وجل المجتمع المسلم ويحرره من الضغائن والتعديات وضمان حفظ العرض الذي هو من أهم الحقوق الإنسانية الأساسية.

فالحرية أن يضمن المجتمع سلامته من إيذائك كفرد، ويضمن لك سلامتك من المجتمع ككل من أن يخوض في عرضك، فهي ليست تقييدا لك، بل ضمانا لحرية المجتمع منك أنت، وليست تقييدا للمجتمع، بل ضمانا لحريتك أنت فيه.

{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}.

ونلاحظ هنا أن الله عز وجل بحكمته حين تحدث عن الفاحشة بدأ بالزانية الأنثى، بينما حين تحدث عن "السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما نكالا بما فعلا" بدأ بالسارق المذكر، على اعتبار أن البداية دوما عندها في تلك المسألة، ومهما اشتدت الطرقات فلن يجرؤ الرجل أن يهتك الستر إلا إذا قامت هي بفتح الباب، وذلك لا يقلل من شأن جريمته معها لكنه الترتيب الحكيم للخالق العليم.

والزانية والزاني حتى يطلق عليهما هذا اللفظ البشع المهين إنسانيا له شروط مشددة، لم يتركها المشرع مباحاً لأصحاب الضغائن أو المصالح لتشويه الأبرياء أو النيل منهم، فحرية الإنسان مكفولة طالما أنه يحافظ على مظهر المجتمع الطاهر النظيف، فمن يفعل كبيرة كهذه ويشهدها أربعة شهود يلزم أن تكون على قارعة الطريق، أو في مكان عام، أي أنهما جاهرا بالكبيرة فأفسدا الذوق العام، والأخلاق العامة والمظهر العام لمجتمع إسلامي طاهر، وظني أن العقاب الدنيوي سواء بالرجم للمتزوج كما وضحته السنة أو الجلد لمن لم يتزوج بعد هو جزاء للجهر بالفعل بدليل حين جاء ماعز رضي الله عنه يعترف بفعل الفاحشة أعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ثم سأل الصحابة أبه خبل؟

وحين أصر ماعز على الاعتراف كرر عليه السؤال، لعلك قبلت، لعلك فخذت، فيصر ماعز على ما لديه، فلا يكون لولي الأمر هنا إلا أن يقيم الحد عليه، الأمر ليس إقامة الحدود بقدر ما هو حماية المجتمع من الوقوع في الكبائر والحيلولة دون استحقاق إقامة تلك الحدود.
إذن فصفة الزانية أو الزاني يجب أن تكون بشروط وهي الرؤية المباشرة اليقينية وليست الاحتمالية، بمعنى أنك حين ترى رجلاً وامرأة دخلا بيتا مثلا وأغلق الباب دونهما فليس من حقك أن تجزم أن هناك كبيرة ترتكب في ذلك الوقت، وليس عليك أن تتجسس أو تتثبت مما يحدث "ولا تجسسوا" ما عليك إلا أن تصمت وإلا تستحق الحد أنت أن خضت في أعراض المسلمين، وعلى الجانب الآخر وجب على كل مسلم أن يتقي الشبهات حتى لا يكون عونا للشيطان على صاحبه.

فالزانية بهذا الوصف، والزاني بهذا الشرط مجاهرين لا يهمهما لا مجتمع مسلم ولا أخلاق، فوجب على المجتمع أن يعتزلهما فلا يزوجهما أو يتزوج منهما، وأن يشهد العذاب طائفة من المؤمنين هو مواجهة رادعة لمن ثبت باليقين والمشاهدة الجماعية " أربعة شهداء " ليكونا عبرة لغيرهما ممن يحدثون أنفسهم بسهولة الأمر وهوانه على المتجمع.

ومن المفارقة العجيبة هنا أن العقود ـــ ومنها الزواج ـــ شرع الله عز وجل أن يتوفر شاهدين "اثنين" ممن "ترضون من رجالكم"، أي شاهدي عدل، بمعنى أن المشرع يسر الحلال للناس لكنه في ذات الوقت شدد على حرية الإنسان بالحفاظ على عرضه وعدم الخوض فيه باشتراط أربعة من الشهداء العدول.

فالجزاء من جنس العمل، والمجاهرة في الكبيرة تستوجب ردعا لها عقابا في الجهر حتى لا تسري كالسرطان في المجتمعات المسلمة.

"ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله" الرأفة لمن استتر عن الناس فكف ألسنتنا وأعيننا عنه وندع له مساحته من الحرية التي نص عليها الشرع طالما أنه لا يؤذي المجتمع بفعل ينافي الخلق ويهدد سلامته ولا يثير حفيظته بالشبهات فيدنسه بخلق آخر وهو أن يصير الولي ديوثاً.

ليس من حقك أن تسأل أحدهم من أين أتيت، أو إلى أين أنت ذاهب، دعونا نتعلم حرية الحركة داخل مجتمعنا دون أن تدفع محدثك للكذب.

ليس من حقك أن تسأل من التي تسير معه في قارعة الطريق فربما هي حليلة له، طالما أنه يراعي الأخلاق المتفق عليها.
ليس من حقك أن تتهم أحدا بفسق وكذب، وطالما لا تملك الأربعة شهود أنت أحدهم فأنت في نظر المجتمع كاذب وتستحق حد القذف الثمانين جلدة.

ليس من حقك أن تتوهم أو تتخيل، أو تتجسس، أو تتبين، أو تبحث عن فعل أحد وتكبله بأن يشعر أنه متهم دائماً فيحاول أن يثبت دوما براءته، أنت بذلك قد وضعت عليه حدا ليس من شأنك أن تفعله طالما أنه يراعي مجموعة الأخلاق الإسلامية في العلن.

ذلك هو الدرس الأول من سورة النور، الحرية الفردية والمجتمعية مصونة داخل الدولة المسلمة شرط الحفاظ على مجموعة القيم الأخلاقية الظاهرة التي تضمن للجميع البراءة والطهر.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة مصرية، مهتمة بالشأن الإسلامي العام، حاصلة على بكالوريوس إعلام من جامعة القاهرة، وكاتبة في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية، لها العديد من المؤلفات المنشورة، مثل: المنهاج في الدروس المسجدية للنساء، معالم على طريق التمكين الحضاري، وأبجديات الثورة الحضارية وغيرها.

شاهد أيضاً

لماذا زيارة كبار السن مهمة ؟

فئة كبار السن من الفئات المهمة والذين أفنوا حياتهم في خدمة الآخرين، ووصلوا بحكم مرور …