تركيا وأوروبا .. صراع مصالح أم حرب عقيدة؟

الرئيسية » بصائر الفكر » تركيا وأوروبا .. صراع مصالح أم حرب عقيدة؟
Turkey-EU1

بداية لست أدعي أن الرئيس التركي السيد أردوغان يمثل الإسلام في المعركة الدائرة اليوم بين القارة الأوروبية وبين #تركيا التي يقودها لتغيير مادة أو بعض مواد في دستور موجه منذ ما يقرب من تسعين عاما نكدة، تنازلت فيها القيادة التركية التابعة للمدرسة الأتاتوركية الصهيونية عن كافة ما يتعلق بهويتها الدينية؛ ليوضع دستورها بيد علمانية وربما في أروقة الكنائس والأديرة، فليس أردوغان يمثل الإسلام في تلك المعركة ولا يعبر عنه   وإنما تسجيلنا لحالة الدعم المعنوي التي نقدمها له كمسلمين هو من باب إحقاق الحق ومؤازرة لشعب استحق الحرية بجدارة واستطاع رغم التاريخ العلماني الطويل والتزييف التاريخي المتعمد والمناهج التعليمية التغييبية وحالة الذوبان شبه الكامل في الحالة الأوروبية بسلخ كل ما يمت للدين والعربية بصلة، استطاع هذا الشعب واستطاع رئيسه أن يتجاوز ببلاده مرحلة التبعية الكاملة ويفجر مفاجأة للعالم أن تركيا التي حرصوا على علمانيتها وعسكرتها وسط أوروبا يمكن أن تنتفض وتسترجع ماضيها الريادي في الدفاع عن هويتها وحضارتها بأصلها الحضاري الإسلامي العثماني.

والإسلام لا يمثله أي نظام اليوم على وجه الأرض وإنما وجب استحضاره بما أننا نحارَب في الأصل بسبب الانتماء إليه أولاً، وثانيا لأنه الدين الذي يدافع عن الحريات ويقدسها بصرف النظر عن هوية أي إنسان أو توجهه.

وجب استحضار الإسلام في هذه القضية، بما أننا نحارَب في الأصل بسبب الانتماء إليه أولاً، وثانيا لأنه الدين الذي يدافع عن الحريات ويقدسها بصرف النظر عن هوية أي إنسان

وبما أن العالم الأوروبي اليوم يحارِب باسم الصليبية كما أعلنوها بأنفسهم حين وصف "جيسكار ديستان" الرئيس الفرنسي الأسبق الاتحاد الأوروبي بأنه "ناد مسيحي"، ورفض بشدة انضمام تركيا قائلا إن الاتحاد سينتهي في حال انضمامها له، بل إن #أوروبا قبلت عضوية دول ضعيفة وفقيرة ومتخلفة عن ركب التحضر الأوروبي من وجهة نظره وتفصل بينها وبين تركيا مسافات شاسعة اقتصادياً وعلمياً وسياسياً ليس لغير أنها تدين بالمسيحية وتعادي الإسلام والمسلمين مثل اليونان وقبرص ورومانيا على سبيل المثال.

وبما أن الجميع يحارب تحت ستار أديان وعقائد موضوعة، وحيث أنه يراد للمسلمين وحدهم التخلي عن دينهم المحفوظ من السماء من التشويه والتحريف، فقد وجب عليهم اليوم استحضاره بقوة في تلك المعركة العادلة، ليس لاتخاذه ستاراً كما يفعل الآخر، وإنما لأن الأمة قد اتخمت من التبعية ووقفت موقف المتفرج من دينها بل المتبرئ منه فصارت كاليتيم على موائد اللئام، يجب أن يحضر الإسلام تلك المعركة، معركة الدفاع عن حرية شعب فرض على العالم احترامه، وصنع حاضره وسط تحديات لا تقل شراسة بل تفوق بمراحل ما تعرضت له ثورات ما يسمى بالربيع العربي، فانتصر على الدبابة ببسالة ووعي في عدة ساعات أدهشت العالم!

وانطلاقا من تلك الرؤية المبسطة أردت أن ألفت نظر العرب والمسلمين لعدة تساؤلات يجب أن يضعوها في الاعتبار بينما هم في رحلة الصراع مع حكامهم إن كان ثمة صراع على لقمة العيش وبعض الحق في الحياة.

أولا: هل آن الأوان أن يدرك العرب خاصة والمسلمون عامة أن ما يتحكم ويوجه حركة العالم اليوم هي العقيدة وليست المصلحة كما يدعي بعض من يريدون تسطيح القضية وإبعاد عقيدة المسلمين عن المعركة الحقيقية عمداً؟ وإلا فلماذا ترفض أوروبا عضوية تركيا رغم الإصلاحات المدهشة التي قدمتها الدولة وقبلت غيرها كما سبق بنا لمجرد مسيحيتها  ؟

ثانيا: هل آن الأوان أن يدرك العرب خاصة والمسلمون عامة أن كل الشرائع السماوية المحرفة والبشرية الفاسدة حاضرة في المشهد العالمي، فلماذا يستسلم المسلمون وحدهم لاستبعاد دينهم من المعركة؟

ثالثا: هل آن الأوان أن ندرك جميعا كمسلمين أن حرب أوروبا الموجهة تجاه تركيا اليوم تحمل نفس بصمة الرصاص الموجه تجاه صدور السنة في سوريا والعراق واليمن وليبيا ومصر ومن قبل كل هذا فلسطين العربية المسلمة؟

هل آن الأوان أن نعي كمسلمين أن العنصرية التي توجه العالم اليوم فتشعل الحروب هنا والانقلابات هناك، وتسلح التنظيمات وتصنع عداءات دافعها الأول العقيدة وليس المصلحة

رابعا: هل آن الأوان أن نعي كمسلمين أن العنصرية التي توجه العالم اليوم فتشعل الحروب هنا والانقلابات هناك، وتسلح التنظيمات وتصنع عداءات دافعها الأول العقيدة وليس المصلحة، وأن دستور تركيا يجب أن يظل في منأى عن أية محاولة لتعديله حتى لو مجرد تعديل مادة تعبر عن السيادة الوطنية للبلاد على ذاتها وتعبر عن حرية الشعب في تقرير مصيره؛ حتى لا تفتح الباب أمام التغيير الشامل لهذا الدستور فتسترجع تركيا ماضيها الذي تأبى أوروبا نسيانه حتى اليوم، والذي ذكرها به أردوغان مجددا بعدما حسبوا أن الأمر قد استتب لتلك المدرسة إلى الأبد؟ حتى ولو أدى ذلك لأن ترزح تركيا تحت حكم العسكريين بما يستتبعه ذلك من فقر وجهل وتخلف، هل آن الأوان أن ندرك أنها معركة حياة أو موت بالنسبة للأنظمة الغربية وحضارتهم العجوز؟

هل آن الأوان أن نتيقن أن ديمقراطية الرجل الأبيض تخصه وحده دون غيره  ، تخصه هو بلونه وعقيدته حتى لو كانت عقيدة محرفة مكتوبة بأيدي الرهبان في معابدهم وما زالت تكتب وتحرف حتى اليوم، وأن تلك الديمقراطية لن تهبها أوروبا لمن يخالفها في العقيدة حتى ولو قتل العشرات منه كل يوم وغرقت بلاده في أوحال الخلاف والدماء وقبضة العسكريين وانقلاباتهم على إرادة شعوبهم في سبيل ضمان بقاء تبعية تلك الأنظمة لتظل تحارب فكرة العقيدة شأنها في ذلك شأن أعدائها؟

إننا لو استطعنا أن نضع بعض الرؤى خارج حدود الدوائر الضيقة التي تحكم كل إقليم عربي أو إسلامي على حدة لتكون نظرتنا أكثر شمولا في الوقت الذي يتمسك فيه العالم ببقايا التكتلات والقوى بينما المسلمون يتشرذمون ويتفككون داخل الإقليم الواحد ربما لاستطعنا وقتها أن نرى الصورة أكثر وضوحا، وربما لاستطعنا وقتها أن نضع خطوطا عريضة تخرجنا من حلقات مفرغة ندور فيها منذ حقب ما قبل الاستعمار الغربي لبلاد المسلمين ولما قبل سقوط الخلافة.

والحقيقة أنني أعجب من ردة الفعل التي أبداها البعض من موقف أوروبا تجاه النظام التركي المنتخب مرتين شعبيا، مرة عبر الصناديق ومرة حين أسقط الشعب انقلاباً حتمياً كاد أن يودي بمستقبل تركيا الديمقراطي.

أوروبا المسيحية العنصرية لن تقبل بوجود نظام حكم ناجح ينتمي للدين الإسلامي يفرض رؤيته وتجربته الديمقراطية و يعيد رسم خريطة المنطقة من جديد دون أن ينكر ماضيه أو يتبرأ من حاضره

إن أوروبا المسيحية العنصرية لن تقبل بوجود نظام ناجح ينتمي للدين الإسلامي يفرض رؤيته وتجربته الديمقراطية التي أفرزت دولة استطاعت في سنوات معدودة بحكم مدني لا ينكر ماضيه ولا يتبرأ من حاضره ويضع مصلحة بلاده كاعتبار أول داخل إطار هوية دينية أن تعيد رسم خريطة المنطقة من جديد كواقع يذكرهم ويذكر العالم بدولة الخلافة المترامية الأطراف والتي وصلت في فتوحاتها إلى قلب فرنسا وسببت قلقاً بالغاً لمئات من السنين بل وأدانت جانباً كبيراً من القارة الأوروبية لها.

ومن تلك الرؤية التوضيحية فإنه يستلزم على جميع الأطراف المعنية، وأقصد بها الأتراك والمسلمون عرباً وغير عرب أن تكون هناك عدة إجراءات يجب أن تتخذها فورا في وقت لا يعترف فيه العالم إلا بالأقوياء، ويصم آذانه عن صرخات المظلومين وإن مثلوا الكثرة!

أولا: يجب أن تتجه تركيا لصنع تحالفات إسلامية تفرضها على العالم الغربي بغض النظر عن الموقع الجغرافي قرباً أو بعداً وعليها أن تستقطب بعض الدول مثل السعودية وقطر والسودان ودولا أخرى وأن تكون بديلاً قوياً في تحالف سني يمكن أن يبدل هوية المنطقة، فالظرف الزماني لا يحتمل صراعاً منفرداً تقوده دولة منفردة بينما هو في حقيقته حرب أممية بشعار ديني  ، في محاولة لاستبدال الانضمام للاتحاد الأوروبي بصنع اتحاد إسلامي بديل يمكن أن يمثل عامل ضغط اقتصادي على الغرب كافة.

ثانياً: على العالم الإسلامي ككل أن يقف بقوة خلف تركيا تضامناً معها في تلك المعركة الدستورية ظاهرياً بينما هي في حقيقتها أشمل وأعمق كما مر بنا، وذلك باستخدام وسائل الضغط الشعبية والاقتصادية مؤازرة للشعب التركي وتدعيماً لموقفه.

ثالثا: على المسلمين داخل تركيا، وعلى الأتراك خارجها اتخاذ كافة الإجراءات الثورية والإعلامية لتوعية الشعوب الأوروبية التي توجهها أنظمتها "دينيا" ضغطاً على المسلمين وتشويها لهم.

وأخيرا، إنه من العبث أن يضيع العرب والمسلمون وقتهم في محاولات ترضية للغرب وهو في الحقيقة لن يرضى حتى نبدل ديننا  ، وأن نوفر تلك المحاولات في إجراءات أخرى من شأنها أن تعيدنا للتعلم من ماضينا المجيد لصنع حاضر أكثر مجداً، فالتنازل يستتبعه تنازلات كما يقول رب العزة {وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة:120]

لذا إنه من العبث أن يتم استنزاف الوقت والجهد والمال من أجل وهم انضمام لن يتحقق، وتبعية لن تخلف إلا مزيدا من التنازلات والفرقة والشتات.

معلومات الموضوع

الوسوم

  • أوروبا
  • تركيا
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
    كاتبة مصرية، مهتمة بالشأن الإسلامي العام، حاصلة على بكالوريوس إعلام من جامعة القاهرة، وكاتبة في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية، لها العديد من المؤلفات المنشورة، مثل: المنهاج في الدروس المسجدية للنساء، معالم على طريق التمكين الحضاري، وأبجديات الثورة الحضارية وغيرها.

    شاهد أيضاً

    أوسلو وسُلطتها وأركان جريمة “صفقة القرن”!

    ليس افتئاتًا أو من قبيل المبالغة، تحميل السلطة الفلسطينية مسؤولية الموقف الراهن؛ حيث إن هناك …