مراجعات في المشروع الإسلامي (3).. غياب الرؤية

الرئيسية » حصاد الفكر » مراجعات في المشروع الإسلامي (3).. غياب الرؤية
عبد الجبار

بداية لا بد من التأكيد أنه عند الحديث عن المشروع الإسلامي فنحن لا نتحدث عن جماعة واحدة من الجماعات الإسلامية وإن كانت جماعة الإخوان المسلمين أكبرها وأهمها، ولا عن طيف واحد منها كالإسلام السياسي مثلا، وإن كان هذا أهمها أيضا، لكن هذا الطّيف فسيفسائي متفاوت، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، حتى الجماعة الواحدة كحركة الإخوان مثلاً، متفاوتة فيما بينها من بلد إلى بلد، ومن ظرف إلى ظرف. وعليه فإن المراجعات التي نتحدث عنها في هذا المقام ليست منحصرة في جماعة دون غيرها، وإنما هي غالبة في الكثير من مكونات المشروع الإسلامي وإن بتفاوت، وعندها فكل مكوّن مدعو لمراجعة ما عنده والتصويب بالقدر الذي يحتاجه تبعا لدوره الذي يؤديه في المشروع الإسلامي.

أما المراجعة الأكثر إلحاحا في تقديري فهي: غياب الرؤية الاستراتيجية الواضحة لدى معظم الحركات الإسلامية، مع أن بعضها مثل جماعة الإخوان المسلمين، انطلق من رؤية فكرية عنوانها استئناف الحياة الإسلامية، ولكنها لم تستطع أن تجيب حتى اليوم على تساؤلات مثل: متى وأين وكيف؟ بل إن فروع الحركة في بلدان مختلفة تعددت اجتهاداتها: تارة بالمشاركة في النظم السياسية والحكم كما في الأردن واليمن وتونس والمغرب، وغيرها. وبعضها دخل في حالة مواجهة مع النظام كما في سوريا وغيرها. أضف إلى هذا التفاوت بين حركة الإخوان وحركة حزب التحرير مثلاً والحركة السلفية وجماعة الدعوة والتبليغ وغير ذلك.

لعل قائلاً يقول إن التخطيط لدى الحركة الإسلامية من أكثر الجوانب تقدماً، وهذا قد يكون صحيحاً، في بعض الحركات الإسلامية وبعضها غائب عنه تماما، وحيثما وجد فهو في إطار أقل من الرؤية الاستراتيجية. فمعظم الخطط تعالج شؤوناً محلية

فرغم مضي قرابة القرن على تأسيس جماعة الإخوان وهي رأس الحربة في المشروع الإسلامي وقد نشأت كرد فعل على سقوط دولة الخلافة، ورغم أنها تمكنت من الوصول إلى سدة الحكم عدة مرات آخرها في مصر وقبلها في المغرب والسودان والأردن وغزة وغيرها، إلا أنها لم تهيئ نفسها لمرحلة الدولة كما هو واضح وبقيت تراوح في مرحلة الدعوة، إذ أنها لم تحسم كثيرا من القضايا الفكرية المتعلقة بإدارة الدولة مثل: الموقف من التعددية السياسية، وهل تقبل بوجود حزب شيوعي أو علماني أو مسيحي في الدولة مثلا؟ وهل تقبل مواطنة غير المسلمين وتقبل التعايش معهم ومعاملتهم كمواطنين من الدرجة الأولى؟ وما الموقف من استخدام القوة في الوصول إلى السلطة؟ فضلا عن امتلاكها ابتداء؟ وما الموقف من القانون الدولي؟ والاقتصاد الدولي والتعامل مع المؤسسات الاقتصادية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي؟ وهل تقبل التعامل معها وأخذ القروض؟ وأين هذا من الحديث عن تحريم الربا؟

كل هذا وغيره من التحديات الفكرية التي يعد غياب الإجابة الواضحة عنها، خير دليل على غياب الرؤية الاستراتيجية، والتي لو وجدت لجعلت الحركات المنخرطة في المشروع تمتلك رؤية أو مقاربة للتعامل معها في أرض الواقع؟ ولعل حماس من الحركات المندرجة في المشروع الإسلامي والقريبة من حركة الإخوان، ولكنها تعاني ولو بدرجة أقل مما تعانيه غيرها من الحركات الإسلامية، فميزة حماس في هذه القضية أن رؤيتها الاستراتيجية واضحة وبوصلتها باتجاه فلسطين، ولكن رغم ذلك فإن الكثير من أبعاد وجوانب الرؤية الاستراتيجية ما زالت غير محسومة ولا واضحة.  مثل دور الأمة في مشروع الحركة، وغير ذلك مما لا يتسع المقام لذكره.

ولعل قائلاً يقول إن التخطيط لدى الحركة الإسلامية من أكثر الجوانب تقدماً، وهذا قد يكون صحيحاً، في بعض الحركات الإسلامية وبعضها غائب عنه تماما، وحيثما وجد فهو في إطار أقل من الرؤية الاستراتيجية. فمعظم الخطط تعالج شؤوناً محلية، وفي الإطار التنفيذي المرحلي، الذي يخدم ولا شك العمل على استئناف الحياة الإسلامية في جانب من جوانبها، وهذا النمط من العمل والتخطيط وإن أفضى إلى تحقيق بعض الأهداف المرحلية، إلا أنه يشتت الجهود ويبعثرها بقدر كبير، ويصرف الحركات عن المهمات الرئيسية التي ينبغي أن تتخذ فيها رأياً، أو تحدد منها موقفاً. إذ لا يعقل أن تتأخر أكثر الحركات الإسلامية حتى هذه اللحظة لتحسم موقفها من مشاركة المرأة في الحياة السياسية، مع أن بعضها كحركة الإخوان مثلا حسمت موقفها باتجاه المشاركة ولكن في نهايات القرن الماضي، وهذا وقت متأخر جداً، فضلا عن أنه حسم لم يأخذ مداه في أطر الجماعة وكوادرها من الناحيتين النظرية الفكرية والعملية التطبيقية، وقضية المرأة من القضايا التي تحتاج إلى مراجعة سنتوقف معها لاحقاً. ولكن الفكرة هنا، أن تأخر حسم هذه القضية أيضا، مؤشر واضح على غياب الرؤية الاستراتيجية، خاصة إذا تحدثنا عن نصف المجتمع.

ومن أكثر القضايا التي تدعوني للاستغراب في مسألة غياب الرؤية الاستراتيجية، أن معظم الحركات الإسلامية ومنها جماعة الإخوان المسلمين، نشأت في ظل غياب دولة الخلافة والتآمر عليها، أو في ظل احتلال فلسطين المباركة المقدسة عند جميع المسلمين ونجاح الحركة الصهيونية في مشروعها الاحتلالي الصهيوني، أو في ظل أنظمة دكتاتورية تسعى لقمع الجماعات الإسلامية، والقضاء عليها، وكل هذا وغيره كان حرياً أن يدفعها إلى العمل بمنهجية أصح ورؤية أوضح، أو بتعبير أدق رؤية استراتيجية واضحة تماماً، توصل الحركات إلى مبتغاها المنشود، وتحقق أهدافها بأفضل الصور وأقصر الأزمان وأقل التكاليف.

ولكن كل ذلك بكل أسف لم يحدث. بل كان يحدث نقيضه في كل مرحلة من المراحل وبكل أسف. وإذا أردنا أن نبدأ من آخر التاريخ، فإن ما جرى في مصر العزيزة، بعد ثورة يناير، خير شاهد على ما نقول، فرغم الخلاف بين من رأى أن الحركة الإسلامية شاركت في إشعال الثورة أم لم تفعل، فإنه لا خلاف بين اثنين أن الثورة لم تكن على أجندة الحركة الإسلامية، فضلا عن غياب الرؤية المسبقة في تحديد الموقف من مشاركة الحركة الإسلامية في الحكم وتحديداً في انتخابات الرئاسة أم لا؟ فضلاً عن عدم تحديد الموقف من التعامل مع العسكر الذين لدغ منهم الإسلاميون سابقاً وفي مصر بالذات، إلى الخلاف الذي جرى بعد الانقلاب حول سلمية المواجهات أم اللجوء إلى القوة، وهو ما أفضى إلى الخلافات والانشقاقات.

وإذا أردنا التوسع قليلاً فلنا أن نقارن بين منهج التعامل مع الثورات في الدول المختلفة من قبل نفس الجماعة، فشتان بين ما جرى في مصر وما جرى في تونس، وما جرى في الأردن، وما جرى في اليمن، وما جرى في ليبيا، فهنا تريد الحركة إصلاح النظام لا تغييره، وهناك تريد العكس، وهنا تريد سلمية المواجهة، وهناك تلجأ إلى الدبابة والسلاح، وهناك في مكان آخر تشارك في الحكومة، كما في المغرب، بل تترأسها في ظل رأس النظام السياسي الذي من المفترض أن الناس تحركت ثائرة لإصلاحه، ولكم أن تتصوروا مدى التباين إذا استحضرنا أن النظام السوداني هو نتاج أحد فروع الحركة الإسلامية ذاتها، وهو الذي أعاد صياغة علاقاته مع الدول التي انقلبت على الثورات، وأصبح أقرب إليها. ولا أظن أنه لو كانت الحركة الإسلامية تملك رؤية استراتيجية واضحة، كان يمكن أن نصل إلى ما وصلنا إليه، أو أن يفشل المشروع الإسلامي هذا الفشل الذريع.

وأظن أننا لو استطردنا في التدليل على غياب الرؤية الاستراتيجية، وتعداد مظاهرها واستغرقنا في ذلك فسنحتاج إلى صفحات كثيرة وأوقات طويلة، ولكن السؤال الأهم هنا، ما الذي نراه في الرؤية الاستراتيجية التي ينبغي أن تكون؟ وأين يفترض أن تتوجه البوصلة؟

لا أطالب الحركات الإسلامية أن تتخلى عن برامجها المحلية وأهدافها الداخلية، ولكنني أدعوها إلى أن تعيد برمجة ذلك كله في ضوء الرؤية الاستراتيجية القائمة على أن الهدف الأبرز هو تحرير فلسطين وإزالة الاحتلال الغاصب

وأحب أن أسجل هنا قناعتي بأن جل ما تعانيه المنطقة العربية، خاصة في مصر وسوريا والعراق، من انقلاب على الربيع العربي، وتآمر وتمزيق وذبح للشعوب العربية، ما هو إلا ثمرة من ثمار الوجود الصهيوني في المنطقة، وغاية الغايات فيه الحفاظ على الكيان الصهيوني وأمنه، وإذا صحت هذه الرؤية أدركنا مدى خطورة وجود الكيان الصهيوني في فلسطين على مشروع الأمة النهضوي، وإذا أدركنا ذلك، أصبح من الواضح لدينا أن استئصال هذا الاحتلال والخلاص منه وتحرير فلسطين كل فلسطين ينبغي أن يكون هو البوصلة، وهو عماد الرؤية الاستراتيجية. ففلسطين مقدس لدى الأمة جمعاء مسلميها ومسيحييها، وتشكل قاسماً فكرياً مشتركاً بين معظم أبناء الأمة، ووجوب تحريرها وتخليصها من الاحتلال لا يختلف عليه اثنان.

وإذا اعتمدت هذه الرؤية الاستراتيجية لدى جميع الحركات الإسلامية في المنطقة، فإنها ستنعكس عليها: وحدة في الصف وإلغاء للخلافات، وتذويباً للفوارق، وبرامج لتشغيل الشباب والكوادر رجالاً ونساءً لا حصر لها، وزوال الاحتلال إن حصل بإذن الله سينعكس على الأمة كلها والمنطقة بأسرها، فلا مبرر بعد ذلك للتآمر على الثورة المصرية، ولا على العراق القوي، ولا على سوريا القوية الموحدة، ولست أقول أن العداء للأمة سينتهي عند هذه النقطة، ولكن الأمة ستصبح هي المحور في المنطقة وستصبح سيدة نفسها، وسيحتاج العالم كله أن يبحث عن مصالحه معها، لا أن يتآمر عليها.

وأنا هنا لا أطالب الحركات الإسلامية أن تتخلى عن برامجها المحلية وأهدافها الداخلية، ولكنني أدعوها إلى أن تعيد برمجة ذلك كله في ضوء الرؤية الاستراتيجية القائمة على أن الهدف الأبرز هو تحرير فلسطين وإزالة الاحتلال الغاصب، وإلا فإنها إن بقيت في إطارها المحلي، فلن يدعها العالم في محليتها، لأنها ينظر إلى أثرها وخطورتها على الكيان الصهيوني الغاصب، وسيبقى متآمرا عليها، ساعياً لإفشالها، طبعاً هذا لا يعني أنه سيدعها، إذا كانت رؤيتها باتجاه تحرير فلسطين، ولكن توحد جهودها وعدم بعثرتها، وعدم تشتيت جهودها في نزاعات داخلية، وتوجيه الموارد باتجاه التحرير، سيقصر المسافة إلى تحقيق الهدف ولا شك، وسيخفف حدة الصراعات الداخلية والتنافس معها على السلطة من كثيرين، ولن تحتاج إلى كثير مبررات لإقناع معظم شباب الأمة للانخراط في أطرها ودعم أنشطتها وتوجهاتها، وبخلاف ذلك سيبقى الخلاف والتشتيت والصراع والجهد الضائع هو سيد الموقف.

ولا تفوتني الإشارة هنا إلى ما ينبغي أن تتحمله حماس في ريادة وقيادة هذا المشروع الإسلامي وجمع جهود الأمة وتوحيدها باتجاه التحرير، وما يلزمها في هذا الإطار من تطوير لبناها وهياكلها ورؤاها لتصبح جامعة لجهود الأمة النوعية وطاقاتها الفريدة، لتحقيق الهدف المنشود الذي يتجسد في تحرير فلسطين كل فلسطين، وهو تحد كبير ولا شك، ولكن الحركات الإسلامية بمجموع جهودها المتخصصة والمساندة لحماس إذا احتشدت فإنها قادرة على تحقيق الهدف وبوقت أقصر ولا شك.

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • مدونات الجزيرة
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

عن أي سلطة فلسطينية نتحدث؟!

انغرس في اللاوعي الفلسطيني في السنوات الماضية، وبطريقة "غير بريئة"، صورة غير حقيقية عن السلطة …