هل ننافق عندما تخالف أفعالنا أقوالنا؟!

الرئيسية » بصائر الفكر » هل ننافق عندما تخالف أفعالنا أقوالنا؟!
Microphone with defocussed audience waiting for speaker

مسألة التناقض بين الأفعال والأقوال مسألة كبيرة وظاهرة، وهي من أعظم المسائل التي يتوقف عندها أرباب الدعوات والرسالات والمصلحون.

فكم من سائر في طريق الدعوات والرسالات أودى به هذا التساؤل (كيف أصلح وأنا الأحوج إلى الإصلاح، وكيف أرشد وأنا أول من يحتاج لهذا الإرشاد، وبأي وجه أحدث الناس وأهديهم وأنا على هذه الشاكلة).

مسألة التناقض هذه عبر عنها الشاعر الكبير أحمد مطر حين قال:

قال لزوجه اسكتي
وقال لابنه انكتم
صوتكما يجعلني مشوش التفكير
لا تنبسا بكلمة
أريد أن أكتب عن حرية التعبير!!

صورة رمزية رائعة، وداعية إلى الحرية يمارس أشد أنواع الكبت والقهر من أجل أن يتفرغ لإكمال دعوته عن الحرية.

وقد عبرت أنا أيضا عن هذه الحالة في كثير من شعري، وكنت كغيري ممن يتلمسون سبيل الدعوة أسيرٌ لهذه الإشكالية.

أقول في قصيدة لي:
عيناه ترنو النجم في عليائه
ويغوص في القاع السحيق برغمهِ
روح الملائك رفرفت في روحه
لكنّ طين الأرض ذاب بلحمهِ
هو ذلك المعجون بالجهل الذي
يحوي صنوفا من سوابق علمهِ
صرخات هذا الرعد من غضباته
ونسيم رقراق الندى من حِلمهِ

ويبقى التساؤل: هل لا بد لأصحاب الدعوات والرسالات الذين نصبوا من أنفسهم هداة للناس ومرشدين لهم إلى طريق الخير والصلاح، أن تتوافق أفعالهم مع أقوالهم ، وبأي درجة من درجات التوافق لا بد أن يكونوا؟

وإذا لم يحدث هذا التوافق في بعض النواحي ، فهل عليهم ساعتها أن يتوقفوا عن التوجيه والإرشاد؟

أول ما نلتفت إليه في هذه المسألة قول ربنا في سورة الصف: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}.

هذه الآية ينظر إليها البعض على أنها قاطعة في المسألة، فلا يجوز بعدها أن يتحدث أحد بما لا يفعل، ولا أن يوجه إلى ما لا يأتيه.
ومعنى هذه الآية في الحقيقة على غير هذا تماماً.

يقول القرطبي في تفسيرها: "قوله تعالى: {لم تقولون ما لا تفعلون} استفسار على جهة الإنكار والتوبيخ، على أن يقول الإنسان عن نفسه من الخير ما لا يفعله".

ويقول ابن كثير: "هو إنكار على من يعِدُ عِدةً أو يقول قولا لا يفي به".

ويقول الطبري: "واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية:
- فقال بعضهم: أنزلت توبيخا من الله لقوم من المؤمنين تمنوا معرفة أفضل الأعمال فعرّفهم الله إياها، فلما عرفوا قصّروا، فعوتبوا بهذه الآية.
- وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في توبيخ قوم من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم كان أحدهم يفتخر بالفعل من أفعال الخير التي لم يفعلها.
- وقال آخرون: بل هو توبيخ من الله لقوم من المنافقين كانوا يعدون المؤمنين بالنصر وهم كاذبون".

هكذا نظر علماؤنا ومفسرونا إلى هذه الآية نظرة بعيدة كل البعد عما نذهب إليه في فهمها.

أما عن قوله تعالى في سورة البقرة: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم}، فهي آية تخاطب أهل الكتاب كما قال ربنا فيها {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون}.

وقد تحدث المفسرون والرواة عنها وعن نزولها في أهل الكتب، الذين كان الواحد منهم يوجه الآخر إلى أن يؤمن بالنبي ثم يظل هو على كفره وجحوده.

وإذا ما بنى البعض على القاعدة الشهيرة التي تقول (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب)، فإن الذي لا بد أن يتبين لنا أن هذه الآية إنما تذم أولئك الذين يأمرون الناس بالبر تظاهرا وادعاء ثم لا يأتونه، وكل مرادهم من دعوتهم إليه التظاهر والادعاء.

وجه الذم إلى أولئك الذين يأمرون الناس بالبر ثم لا يأتونه، وكل مرادهم من دعوتهم إليه التظاهر والادعاء

أما أولئك الذين يدعون الناس إلى الخير كله، في حين أنهم لا يأتون بعضه، معترفين بتقصيرهم متألمين، غير مدّعين ولا متظاهرين، وهم في ذلك يطلبون ثواب الدعوة والتوجيه، فلعل هؤلاء الذي يسمعون منهم أن يكونوا الأقدر على الفعل والأسرع إليه، فيكون لداعيهم مثل أجرهم، فالدال على الخير كفاعله، ومن سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، فأمثال هؤلاء لا تخاطبهم هذه الآيات ولا مثيلاتها البتة.

وأولئك الذين يحذرون الناس من الشر كله، على الرغم من وقوعهم في بعضه، وهم في ذلك معترفون بالتقصير نادمون، غير مدّعين ولا متظاهرين، سائلين الله أن يعطيهم ثواب تحذير الناس وتبصيرهم ودعوتهم، فلعل من هؤلاء السامعين من يكون أقوى على ترك الشر منهم، فيكون ثوابه في صحيفة الداعي له، فهؤلاء أيضا لا تخاطبهم هذه الآيات ولا مثيلاتها البتة.

إنما تخاطب هذه الآيات ومثيلاتها أولئك الذين يدعون إلى الخير مدّعين له متظاهرين به رياء وكذبا، وينهون عن الشر نافين له عن أنفسهم ادعاء ورياء وكذبا، والمسألة في ذلك مسألة نيات وقلوب، وهي الفيصل والحكم.

ولكل إخواننا أرباب الدعوات والرسالات نقول:
اثبتوا يرحمكم الله، وادعوا الناس إلى الخير وإن لم تأتوه، ففي دعوتكم إليه مع إخلاصكم خير العمل والثواب، وانهوا إلى الشر وإن أتيتموه، ففي نهيكم عنه مع إخلاصكم خير العمل والثواب، واستعينوا بالله على فعل الخير وترك الشر، وعالجوا أنفسكم مع معالجتكم للناس، ولا تؤخروا إحداها عن الأخرى، فكلها مفروضة عليكم ولازمة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب وشاعر وروائي مصري، مهتم بالفكر الإسلامي والحركة الإسلامية

شاهد أيضاً

نماذج من تاريخ فرنسا الدموي البغيض

إن ما عُرِف عن الاحتلال الفرنسي أنه كان دمويًّا استئصاليًّا يعمل على (فَرْنَسَة) الشعوب المحتلَّة …