في ذكرى النكبة.. إن مات الكبار فلن ينسى الصغار

الرئيسية » خواطر تربوية » في ذكرى النكبة.. إن مات الكبار فلن ينسى الصغار
nakba14

تشد الحاجة أم خليل أبو سلمية التي تبلغ 90 عاماً من عمرها عصاها لتتكئ عليها، جالبة لنا مفتاح بيتها في قرية "الجورة" قضاء عسقلان والتي هجرت منها، وأوراق الطابو وصندوق خشبي فيه ثوبها القديم، تتذكر تفاصيل الحياة في قريتها بعد 69 عاماً على النكبة الفلسطينية.

تؤشر بكلتا يديها كمن يجمع القمح من الأرض وهي تروي قصص البلد، فتقول: "كنا نجمع طيور السمان المهاجرة من الشِّباك المنصوبة على طول شاطئ بالبحر، ونضعها في أكياس "الخيش" الكبيرة، ونطهوها على حطب النار لإعداد وليمة جماعية للأهل والجيران والضيوف والعمال في الحقول معنا للمشاركة في احتفاليات "أربعة أيوب" وهو -الاعتقاد السائد أن سيدنا أيوب عليه السلام اغتسل في البحر المتوسط فشفاه الله من المرض بعد صبر طويل-، وكانت الناس تأتي للجورة من كل مكان، من المسمية وعراق المنشية وبرير والسوافير الغربية والشرقية، والمجدل، وعسقلان، وحيفا ويافا، وكل القرى والمدن الفلسطينية، للاحتفال بهذه الذكرى، حيث تقام الحفلات والأغاني الشعبية والصوفية، والخيالة يعرضون حركاتهم البهلوانية، وتخرج النساء والرجال والأطفال من كل أنحاء القرية لمشاهدة هذه الاحتفالات، وكان يقدم الطعام من كل الأنواع والأشكال".. ثم تتنهد أم خليل قائلة "إيـــه ذكرتني في مضى يا "ستيّ"".

عن الدين تحدثنا فتقول "كنا متدينين بالفطرة، فلا يقاس الدين بكثرة الصلاة والصيام، بل بالمعاملة، أسألني هل كنتِ ترين فقير في البلاد؟ كنا نأتي بالفقراء أو ميسوري الحال والذين يعملون في مزارعنا، ونعطيهم من الحصادة لهم ولبيوتهم مثلما نأخذ، ومن لم يستطع العمل نرسل له كيساً كبيراً، نحمله على الدَّابة ونوصله لباب بيته، ونقول له هذا "عون"... وكان "المخاتير" يدخلون المقاهي فيأمرون الجالسين بإعطاء الفقراء... من منا في البلاد كان ينام وجاره جائع، أو عنده حزن أو مصيبة؟!... "مش مثل اليوم الواحد لو شاف أخوه جعان وعيان وتعبان ولا عباله"!!

بدأت تتمتم بصوت منخفض ليعلو شيئاً فشيئاً فنسمعه جلياً وهي تغني أغاني حصاد القمح والبرتقال والعنب: "منجل يا منجلاه، وراح عالصايغ جلاه... منجل يا أبو صرَّة والله ما آخذك على ضرة... آه يا أبو الميدلية مَرْ ما سَلّم علي".. مر فدّاني وعطاش والمناهر منتلية..

أم خليل التي فقدت ابنها جواد كأول شهيد للحركة الإسلامية في فلسطين مع الشهيد صائب أبو الذهب في جامعة بيرزيت نتيجة مواجهات طويلة مع قوات الاحتلال الصهيوني في العام 87، تضغط بيدها على مسبحتها وتقول: "اليهود جاؤوا على أرض فلسطين على أساس ديني، لا يريدون أي مسلم أو مسيحي في البلاد، وبدؤوا يتكاثرون تباعاً حتى أصبحوا قوة، ثم ارتكبوا مجازر بشعة بحقنا، إلا أن خرجنا من الجورة باتجاه غزة حين قالت لنا الجيوش العربية أنهم سيقضون على الاحتلال ومن ثم نعود، ومن يومها يا "ستي" انسحبت الجيوش العربية نتيجة خيانات كبيرة ومهازل وضعف، وتركونا وحدنا نعاني الاحتلال".

بعد أن شربنا كوباً من الشاي، والذي تمنت أن تعده لنا على نار الحطب تحت ظلال الجميزة الكبيرة في أرضها التي تبلغ 93 دونماً أقيم عليها محطة الكهرباء في عسقلان، مع صحن من مربى العنب، ما تسميه "العنبية"، والسمن البلدي قالت لنا الحاجة: "سأعطيك خلاصة القول يا ابني أتذكر موقفاً كله غصة وألم، أتذكر جيداً حينما جاء ضباط إنجليز على فلسطين قبل الهجرة، لدراسة ظروف الفلسطينيين واليهود، استقبلهم الفلسطينيون الرجال، وبدأ الأطفال يجرون وراءهم يطلبون الأموال، يعني كم من "قرش" و"مليم"، وكانوا يجرون في الشوارع خلفهم، لكنهم عندما ذهبوا لليهود أخذوا الضباط على المصانع، مصانع العصير والسلاح... ليعود الإنجليز قائلين: اليهود يريدون أن يبنوا دولة، والفلسطينيين ليست لديهم أي رؤية عندهم، يريدون المال والمساعدات والإغاثة....

ثم تضيف: بالاقتصاد يا "ستي"، بالاقتصاد الذي لنا نبني الدولة، وليس بالمساعدات والتسول.. كانت الرؤية يا "ستي" غائبة، "الطاسة كانت ضايعة"... ما في رؤية نهائياً، اليوم أصبح الجيل واعياً متعلماً يستطيع أن يواجه الاحتلال بعلمه، وأنا أرى الشباب المقاتلين في مقتبل العمر أشعر بالفخر، لأنه لا حل مع الاحتلال إلا بالسلاح، "شايف السلاح يا ستي اليهود ما بيعروفوا إلا لغته"، فهم لا يحترمون قوانين ولا معاهدات ولا اتفاقيات، كانوا يعوِّلون أن تنسى الأجيال الجديدة مدنهم وقراهم المحتلة، لكن خرج لهم من كل جيل أفواجاً من المقاتلين تزداد يوماً بعد يوم، والله يا "ستي" قريباً جداً سنرى النصر.. إن شاء الله".

بساطة هذه المرأة رغم كبر سنها، تحكي أسرار تجربتها العميقة، وتضع خطوطاً عريضة لأي عملية تحرير، غياب الرؤية وضعف الموقف العربي، وضعف الاقتصاد والاعتماد على المعونات، ودعم المقاومة بكل أشكالها، والاهتمام بالعلم للأجيال الصاعدة التي ستحارب الاحتلال... خلاصة لربما تختصر آلاف الكتب والمواعظ والدراسات والأبحاث، وتختصر عشرات السنوات من المفاوضات وتصديق وعودات المجتمع الدولي.

و لكي يكون للفلسطينيين مكان، عليهم أن يكتبوا ما قالته هذه الحاجة بماء الذهب حيث عايشت أجيالاً مختلفة، وعاشت النكبات جميعاً.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب صحافي من غزة حاصل على درجة الماجستير في الاقتصاد السياسي، متخصص في الشأن السياسي والقضايا العامة، وعمل مع العديد من الصحف والمواقع العربية والأجنبية، شارك في كتاب عن "الأسرى الفلسطينيين" نشر بعدة لغات. أعد مجموعة كبيرة من المقابلات الصحفية والتوثيقية مع مجموعة من صناع القرار والقادة الفلسطينيين، وأنجز مجموعة من التحقيقات الصحفية الاستقصائية.

شاهد أيضاً

ليس صحيحاً أنّ قدر الله لا يأتي إلا بالخير

كثيراً ما يعزي الناس بعضهم في المصائب والملمّات بقولهم: "قدر الله لا يأتي إلا بالخير" …