كيف نعالج استبدادنا الداخلي

الرئيسية » خواطر تربوية » كيف نعالج استبدادنا الداخلي
CriticalThinking_300

الاستبداد منتشر في أوساطنا، وداخل كل منا يوجد دكتاتور أو فرعون مختبئ ينتظر فرصة نيل القوة للخروج وممارسة استبداده على الآخرين، فإذا كان الوضع كذلك فما هو العلاج لهذا الداء الخطير المستشري في أوساطنا؟

يجب أن ندرك أولًا أن مواقفنا المعلنة والمتبناة هي معارضة #الاستبداد، ولكننا نعاني من مشكلة خطيرة وهي أننا نرى القشة في عيون الآخرين، لكننا لا نرى العود الذي في عيوننا، فترانا نهاجم الاستبداد والمستبدين من الحكام الظالمين ليل نهار، ونمارس نفس سلوكهم في ما هو تحت سلطتنا، وعلى هذا فأول خطوة في العلاج هي إدراكنا حقيقة الاستبداد وأنه غير مقتصر على سلوك الحكام، ومعرفتنا بصور ممارسته في أوساطنا.

إن أول خطوة في علاج المرض، أي مرض، هي اقتناع المريض بأنه مريض .

ولكن هل تكفي المعرفة مجردة؟ إننا نرى كثيرًا من المرضى يعرفون أنهم مرضى، وأن تناول أطعمة معينة يضر بهم، ومع ذلك فلا يستطيعون مقاومة شهواتهم، ونرى الكثيرين يعرفون أحكام الحلال والحرام ومع ذلك يخالفونها، فالمعرفة وحدها لا تكفي، بل إنها قد تكون أكثر ضررًا من الجهل، إذ يستغلها الخبثاء في إخفاء حقيقتهم، فالمستبد المدرك لحقيقة استبداده ولآليات الاستبداد يمكنه إن كان ذكيًّا أن يمارس استبداده خلف ستار من التدليس على الناس يظهره من محاربي الاستبداد، ولعله لأجل ذلك حذّرنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم كلَّ منافق عليم اللسان.

المعرفة وحدها لا تكفي، بل إنها قد تكون أكثر ضررًا من الجهل، إذ يستغلها الخبثاء في إخفاء حقيقتهم

ولأجل أن المعرفة المجردة لا تكفي فلا بد من وازع داخلي يدفع المرء لسلوك الطريق المضاد للاستبداد، وهذا الوازع لا يتشكل إلا عبر تربية مستمرة تركز على المفاهيم الإيجابية في حياتنا:

• فالذي تربى على ابتغاء ما عند الله، وأحب أن يكون من أهل الطاعة سيتخلى عن ممارسته للاستبداد بحق الآخرين إن كان مؤمنًا حقًّا أن ذلك طريق لنيل الرضوان.

• والذي تربى على التواضع وعلى محاربة إعجابه بنفسه وغروره برأيه لن تكون ممارسته للاستبداد على من حوله كالمغرور المتكبر.

• والذي ترسخت في قلبه محبة من حوله سيسعى لجعلهم يشاركونه الرأي وليرتقي بهم لتولي المسؤولية معه، ولن يلجأ لقمعهم ماديًّا أو فكريًّا.

وهذه فقط نماذج لتأثير بعض المفاهيم التربوية على ممارسة الاستبداد.

الذي ترسخت في قلبه محبة من حوله سيسعى لجعلهم يشاركونه الرأي وليرتقي بهم لتولي المسؤولية معه، ولن يلجأ لقمعهم ماديًّا أو فكريًّا

وعلى العموم فلا بد من التأكيد على أن نقطة الانطلاق تكون بوجود العلم بحقيقة الاستبداد وصوره، ثم أن يتحد العلم والمعرفة مع التربية، لأننا نجد أن كثيرين من الذين يبتغون ما عند الله من إخواننا، وهم متواضعون محبون لإخوانهم، ولكنهم يمارسون عليهم أبشع صور القهر والاستبداد، من منطلق محبتهم إياهم وحرصهم عليهم، وما ذلك إلا لجهلهم بـ (طبائع الاستبداد)، وعدم إدراكهم أنهم يمارسونه.

ولا يظنن ظانٌّ أن هذه التربية على التخلي عن الاستبداد أمر سهل، بل هي من أصعب الأمور، فالنفوس مجبولة على حب السيطرة، وترويضها على خلاف ذلك يحتاج جهدًا وزمنًا ، وفي كثير من الأحيان يكون الأوان قد فات على تربية الكثيرين على ذلك، فالسلوك السلبي صار سائدًا عندهم، وأصبح التخلي عنه مطلبًا بعيد المنال، وهذه هي الحال التي نعيشها، وهنا يجب البدء من نقطة الصفر، من الجيل الجديد صغير السن، لنزرع فيه كره الاستبداد، ونكشف له جذوره، وندربه على مقاومة شهوة الاستبداد في نفسه، ثم نأمل أن يثمر جهدنا، ويتضاءل وجود الاستبداد في نفوسنا.

ومع ذلك فكل ذلك لا يكفي، إذ هذه بعض معالم العلاج اللازمة لمن يمارسون الاستبداد على غيرهم، أما من يمارَس عليهم الاستبداد فإنَّ لهم دورًا في علاج هذا الداء يجب أن يقوموا به، لأنهم يتحملون جزءًا غير يسير من مسؤولية انتشاره بينهم، وإن لم يفعلوا ذلك فلن تفلح كل العلاجات التي أشرنا إليها.

وهذا ما سيكون موضوع حديثنا اللاحق إن شاء الله.

معلومات الموضوع

الوسوم

  • الاستبداد
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
    باحث فلسطيني. حاصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة، وشهادة ماجستير في الفقه وأصوله.

    شاهد أيضاً

    الذي قال عند موته: “لقد ظلمني ربي”!!

    لقد كتبت حول هذا المعنى من قبل تحت عنوان (الله ليس بظالم)، وقلت إن هناك …