ما معنى اعتقادي في الإسلام دينًا؟ وما مقتضيات هذا الاعتقاد؟

الرئيسية » بصائر تربوية » ما معنى اعتقادي في الإسلام دينًا؟ وما مقتضيات هذا الاعتقاد؟
islam10
4.25 / 5 (4 votes)

مراعاة قَدْر المخلوق وجلال الخالق

من الأفكار الشائعة في صناعة الأفلام ثيمة “فرانكشتاين”، التي تقوم على صَنْعَةٍ ما (روبوت أو مستنسخ) تبدأ في “التمرد” على صانعها، وتمردها يبدأ عادة بتخطي حدود ما صنعت له، بل وتخطي حدودها كصنعة لمناقشة الصانع بكل ندّيّة في عمله. حبكة هذه الأفلام وجذور العقدة فيها تبدأ بالضبط من بزوغ هذه “الندّية” في وجدان الصنعة. وبقدر ما تلقى هذه الأفلام رواجًا، قد لا يخطر لنا أن نسقط هذا التصور علينا نحن البشر!

إلى أي مدى نستحضر ونستشعر حقيقة أننا “صنعة” في تعاملنا مع هذا الوجود وموجِده تعالى؟ ونردد في حصص التربية الدينية على مدار سنوات أننا “مخلوقون”، لكن هل تعاملنا مع الله تعالى يعكس حقًا تعاملًا من منطلق مخلوق؟ [tweetable]إن كثيرًا من تساؤلاتنا حول قَدَر الله وتدبيره ورزقه وحكمته فيها من تجبّر النبرة ما لا يدل على أدب مخلوق مع خالق[/tweetable]. وفي ذات الوقت لا نكاد ننشغل بنفس القدر بمحاسبة أنفسنا عما إذا كنا “حقًا” لله على ما يريد، وليس على ما “نظن” أنه يريد. فمن الذي له حقّ على مَن؟! ومَن الذي يحاسب مَن؟!

كم نصيح في أعماقنا :
لماذا خلقتني كذا وكذا؟!
لماذا أنا من أنا؟ لماذا ظروفي هكذا؟!
لماذا أهلي على هذه الشاكلة؟!
لماذا تعطي فلانًا وتمنعني؟!
أنا “لست سيئًا” فلماذا كل هذه الابتلاءات؟!
لماذا يتنكد عيشي هنا لأدخل جنتك هناك؟!
ماذا أفعل أكثر مما أفعل وأنا أصلي وأصوم؟!
ماذا تريد لأصل لما أريد؟!

وفي مقابل ذلك لعلنا لا نتساءل أبدًا عن أفعالنا نحن في حق الله: أي صلاة وأي صيام وأي عبادة؟ كم من مصلّ صائم ولا حظ له إلا القيام والجوع! وما مفهومنا للسوء عندما نرى أننا “لسنا سيئين”؟ أهو أننا لا نصل لارتكاب كبيرة، لكن الإغراق في الهوى والشهوات والغفلات ليس من السوء عند الله بمكان؟ وأي فهم للإرادة ذاك يجعلنا نحسب أن الله معبر أمانينا أو بنك أحلامنا، نودع له رصيد أعمال فيردّها لنا في استجابة أمانينا وتحقيق آمالنا؟ وأي نظر قاصر وتجنٍّ على الله ذاك الذي يجعلنا لا نرى نكد العيش صورة متفرعة – لا منفصمة – عن سلسلة أفعال ونمط حياة، لو كان في الله حقًا ما أوصل لهذا السؤال؟ وأي استصغار لوزن الجنة التي الله عن عملنا ودخولنا فيها غني ونحن المحتاجون؟!

ما مفهومنا للسوء عندما نرى أننا “لسنا سيئين”؟ أهو أننا لا نصل لارتكاب كبيرة، لكن الإغراق في الهوى والشهوات والغفلات ليس من السوء عند الله بمكان؟!

إن أول الخيط في كشف حيرات المحتارين في فهم الكون والحياة والتقدير، هو إدراك حقيقة أنفسنا وحجمها ودورها. أول الغيث أن نفهم ونعي وندرك أننا عباد الله، والعبد “مِلْك” لسيده؛ وأننا مخلوقون، والمخلوق تبع لمشيئة خالقه فيه، الذي لو شاء ما كان أو شاء فكان. وإذا كانت المملوكية في حق البشر – مع كونها مجازًا لأنه لا أحد “يملك” آخرًا حقيقة – لها مسؤوليات تلزِم المملوك بطاعة مالكه وتركه يتصرف فيه، فكيف مع الخالق الذي يملكنا حقيقة؟

ونكثر من تشبيه صلتا بالله بصلتنا بآبائنا من حيث كونه تعالى رحيمًا رؤوفا بنا، لكنه تشبيه فاسد من حيث كون والدينا لا يملكوننا حقيقة، ولم يخلقونا حقيقة، ولسنا لهم تبعًا حقيقة، ولا مدينين لهم بحق الخالقيّة وكينونة الوجود، ولولا أمر الله فيهم وما فُطر عليه الولد من تقدير الوالد ما كان لهم علينا حق شرعًا ولا عرفًا! فتأمل! أما الله فيملكنا حقيقة، وخلقنا حقيقة، ونحن له تبع حقيقية. فمن حيث النتيجة المنطقية المترتبة على هذه الحقيقة الواقعة: الله تعالى حر التصرف في ملكه وأرضه وعبيده ومخلوقاته، بلا أدنى معارضة أو سؤال له عن تبرير ما يفعل! ولا مجال حتى للتشبيه أو المقارنة بأي مخترع واختراعه أو أي صنعة وصانع، لأن الله تعالى ليس كمثله شيء.

فإذن أول مقتضيات #الإسلام هو أن نخلع عن بصائرنا غشاوة الندّيّة وعن قلوبنا غطاء الجبروت، ونتسربل بلباس العبودية وتواضع المخلوقية في تعاملنا مع ربنا تبارك وتعالى وفهمنا عنه.

أول مقتضيات الإسلام هو أن نخلع عن بصائرنا غشاوة الندّيّة وعن قلوبنا غطاء الجبروت، ونتسربل بلباس العبودية وتواضع المخلوقية في تعاملنا مع ربنا تبارك وتعالى وفهمنا عنه

الإيمان بالله يقتضي الاستجابة لشرعه

فمن يبحث عن “الاقتناع” بأمر الله بعد ادّعاء #الإيمان به، لم يؤمن بالله أصلًا حق الإيمان. فنحن لا نعبد الله على شرط كشف حساب بحكمه في كل أمر وعند كل ناصية، وإلا فهذا ليس إيمانًا به بداية بما يعني أن تثق به وتسلّم له دون شروط.

وحقيقة الإسلام الذي نَدين به أنه عهد استسلام وتسليم لله تعالى. ليس تسليم مسلوبِ الإرادة أو اللامكترث، أو الذي جُبل على الطاعة لا يستطيع غيرها. بل تسليم ذي إرادة واختيار، أيقن بالله يقينًا صادقًا ووثق به بالغيب، فدفعه ذلك لتسليم أمره له، مطمئنًا إلى أن مولاه لا يريد به إلا خيرًا، وأن أقداره حكمة كلها وعدل كلها ورحمة كلها.

ومِن تكاليف الشرع ما تعبدنا الله تعالى بالاستجابة له أو الامتناع عنه لعلة التعبد ذاتها، دون بيان وجه الحكمة المباشرة منه، لأنه ليس من حقوقنا كعباد مخلوقين تتبع ذلك، ناهيك عن تشرطه على الخالق! وهذا مقتضى الحديث “لا يؤمِنُ أحدُكم حتى يكونَ هواه تَبَعًا لِمَا جِئْتُ به” أي تطويعِ هوانا ورضانا القولي والفعلي والنفسي ليكون وفق مراد الله تعالى وما يجري به تشريعه وتقديره، لا أن نجعل مراد الله تعالى تبعًا، أو أن نطالب الله تعالى “ببيان” تبرير لكل تشريع وتوضيح حكمة لما يقدّر لنا، لنتمكن من موافقته راضيين!

علينا أن لا نجعل مراد الله تعالى تبعًا، أو أن نطالب الله تعالى “ببيان” تبرير لكل تشريع وتوضيح حكمة لما يقدّر لنا، لنتمكن من موافقته راضيين

مثلًا: لماذا حرّم الله الربا وأحل البيع؟ مع أن المناقشين لهذا التحريم في الآية وضحوا بأنه : {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا}، ففيه من المتاجرة والتراضي مثل ما يكون في البيع، فلماذا حُرّم الربا وهو كالبيع؟! فجاء الرد الربّاني الحاسم: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}، انتهى. وعلى نفس النسق، لماذا المسح على ظاهر الخف في التيمم لا باطنه؟ ولماذا نصلي لقبلة محددة، مع أنه {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة : 115]؟

ومن جهة أخرى فالتشريع عامر ببراهين الإحكام الرباني لمن لديه الصدق في إنفاق الوقت والجهد، لفقه حقيقة ما يقول إنه آمن به، واتخذه عقيدة يرضى أن يحاسب على أساسها! و[tweetable]من لا وقت لديه ليتعلم ويتفقه، فخير له أن يتأدب بأدب العبودية والتسليم لله بما الله أهله[/tweetable]، ولا يجمع على نفسه تقصير الجهل وإثم التبجح على الله، بمناقشته في تشريعه مناقشة الندّ للندّ!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

30 طريقة لتوطيد العلاقة مع ابنك المراهق (1-2)

يشكو كثير من الآباء عدم قدرتهم على التفاعل والتواصل مع أبنائهم المراهقين، وللأسف لا يسعى …