نظرات في المحنة (2-2)

الرئيسية » خواطر تربوية » نظرات في المحنة (2-2)
pexels-photo30

تحدثنا في الجزء الأول من هذه المقال عن نظرات خمس في محنة صاحب الرسالة، وكل داعية لطريق الحق والقوة والحرية، واليوم نستكمل هذه النظرات متمنياً من الله أن تكون مثمرة وملبية وواضحة.

النظرة السادسة:

أن #المحنة وإن عظمت على صاحب الرسالة فهي زائلة بكل جراحها وآلامها، وأن البقاء دوماً للصابر المحتسب الآخذ بكل سبل النجاة والحياة الكريمة، الساعي بفهم وبصيرة في طريق الله عز وجل.

فالمحنة تبصرنا بعيوبنا، فهي كالخلوة باب من أبواب المراجعات والتقييمات الناجحة المثمرة المبصرة، فتطرح أسئلة على الذهن هل كنا صواب أم خطأ؟

هل كان هذا المسار متاحاً في وقته، أم تعجلت العقول؟ ومن ثم فيحدث عصفاً ذهنياً، فيخرج منها تقييماً ومراجعات للمواقف بشكل ناجح وقوي.

وهنا أوكد أن الأيام دول ودوام الحال من المحال، فلا تعطلنك المحنة وقسوتها عن التفكير في النجاة.

فالغد والمستقبل للدعاة المحترفين أصحاب الرؤى الحقيقية رغماً عن دعاة الانهزام والتراخي.

النظرة السابعة:

لازلت أذكر عبارة قالها لي أبي يرحمه الله فى إحدى المرات: "يابني إن الصاحب الحقيقي هو من يخفف عنك لا من يأتي ليضحك معك".

وسواء اختلفت معي عزيزي القارئ أو اتفقت إلا أنها بالنسبة لي صواب إلى حد كبير.

وهذه المحنة عمقت هذا المعنى الوارد في العبارة. فحقاً قل الصادقون في الإخاء والعلاقات لكنهم لم يندثروا، فالمحنة كما تظهر الحريص والمخلص فى حبه تفضح المتجمل والمنافق!

فكم من أشخاص كانوا يقسمون لك على حبهم لك، حتى إذا ما وقعت المحنة بخلوا حتى بمجرد السؤال وتحولت بوصلة القلوب وسقط الكثير فى بئر سحيق من الكذب والتجمل، لكن.. منذ متى كان تخلي البعض عن صاحب الرسالة فى محنته من أبواب النفور وتجنب الطريق، بل هو ترجمة حقيقية لصدق صاحب الرسالة مع ربه وتبنيه لفكرته.

لذا كل ممتحن أن لايتعطل بفلان أو آخر فطريقه مرسوم واضحة معالمه.

النظرة الثامنة:

أن المحن في طريق أصحاب الدعوات حتمية الحدوث، كما قلنا في المقال السابق، وقناعتي أن هذه المحن الواضحة لها مآلات كلها خير للمرء، وصدق النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم لما قال: "عجباً لأمر المسلم إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له".

لكن المهم أن يخرج المرء من محنته أقوى وأشد عوداً وثباتاً وإصراراً على المسير في الطريق مع كامل الاحترام لطاقات المرء، فالله لا يكلف نفساً إلا ما آتاها، لكن في الوقت نفسه لا يتعجل صاحب المحنة الجزع أو يتسرب اليأس إلى عقله وقلبه، عندها ستتحول المحنة إلى ضيق ونفور وسقوط دون شعور.

النظرة التاسعة:

أن الله عزوجل لايريد بنا إلا كل خير، والدنيا باب اختبار وهي ممر للآخرة ولا خلود فيها، وأن المحن مهما عظمت فيها زائلة رغم أنف الطواغيت "والمسلم الصادق" مع ربه هو ذلك الذي يجعل من المحنة باباً للانطلاقة نحو مزيد من التعبد الصادق واللجوء إلى الله، فلا تمر عليه المحنة كشيء طارئ في حياته بلا حراك أو تطوير في ذاته وأفكاره وبلا مراجعات وتقييمات لتعيده للطريق الصحيح.

إن المعتقل والمطارد ليسوا فى عصمة من سنة الاستبدال برغم محنتهم "نعم"؛ لأن القلوب تبدأ فى التحول والعقول تتبدل في فهمها دون شعور من المرء، فيجب أن يكون الدعاء بالثبات والقبول أمراً دائماً على اللسان والقلب، فالله يحب العبد اللحوح.

النظرة الأخيرة:

المحنة الحقيقية: هي محنة القلب المأسور والعقل الممسوخ والنفس الجازعة الساخطة ولا قيمة لابتلاء لا يضيف للمرء ثباتاً وفهماً واحتساباً لله عزوجل، لذلك، فالمحنة تتحول لمنحة ربانية على العباد إذا ما قوبل البلاء بصبر وفهم وحسن بصيرة وإلمام كامل بمنهجية أصحاب الرسالات والسيرة النبوية، ولنا في النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم القدوة، فقد تعرض للاغتيال والمطاردة من وطنه لكنه سعى في إحداث تمكين للدين بكل السبل، وهذا ما ننشده ونتمناه ونرجوه لديننا ولدعوتنا.

إن البقاء دوماً لصاحب الفهم السليم الذي فطن مراد الله في خلقه وسعى في توجيه الناس لعبادة رب العالمين، وتحرير الأوطان من كل الاستعمار الخارجي المتعدد الأصناف والأقسام، لذلك فعلى قدر التآمر يجب أن تكون الهمة والفهم والوعي وفي نفس الوقت السعي الكامل للتغيير والتجديد والتطوير، فالتاريخ لن يخلد إلا أصحاب الرسالات المؤثرين العاملين لتمديد فكرتهم وانتشار أهدافها، فلنجعل جميعاً المحنة منحة للبناء والرقي والتغيير.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب وباحث مصري الجنسية، مؤلف عدة كتب فى التربية والتنمية "خرابيش - تربويات غائبة- تنمويات". مهتم بقضية الوعي ونهضة الأمة من خلال التربية.

شاهد أيضاً

كيف تغير العالم وحدك؟

لمَ التعجب، ولماذا أرى هذه الدهشة على ملامح وجهك، أو الاستخفاف بالجملة التي قرأتها كعنوان …