نظرات في صلح الحديبية

الرئيسية » بصائر الفكر » نظرات في صلح الحديبية
madina10

لاشك أن صلح الحديبية حلقة مهمة فى بناء الدولة الإسلامية التي أثرت بشكل رائع وملموس فى مسيرة الدعوة إلى الله، على المستوى الحركي ككيان منظم وعلى المستوى الدعوي كرسالة تبتغي النجاة لجميع الناس وفق عقيدة صلبة قوية تقدر الإنسان، وتعظم دوره وتوظف الطاقات، بمعطيات وثوابت وأصول.

وفى هذا المقال سنتحدث عن صلح الحديبية من زواية ونظرات تجمع بين السياسة والواقعية.

النظرة الأولى

موقف تعامل المشركين مع مبعوث النبي صلى الله عليه وسلم سيدنا عثمان حيث قاموا بإخفائه أو كما قالوا له فى حينه: "ستقيم معنا حتى نصل لرأي واحد" وأشيع وقتها أنهم اغتالوه.

وهنا بايع الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم، بيعة الرضوان للقصاص من قتلة عثمان، وهو ما أثار الرعب في قلوب المشركين وهنا تكمن النظرة، فالتجرد الصادق لنصرة الدين والقصاص من الظالمين المعتدين على رجال الدولة والسفراء وقيادات الدعوة التي تشق طريقها بتوفيق الله وفهم قائدها الأكرم صلى الله عليه وسلم، وعدم التأخر فى الردع بل والضغط بقوة حتى تحقق ما يريده رغم معارضة البعض.

النظرة الثانية

الصلح كان نصراً عظيماً للمسلمين، ودلالة قوية على وعي القائد النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، ومدى رقي فهمه ونظرته البعيدة وقراءته المبصرة للحدث، برغم تحفظات كثير من الصحابة وعلى رأسهم الفاروق عمر رضي الله عنه، وكتب السيرة تذكر الحوار الذى دار بين الصديق أبي بكر والفاروق عمر رضي الله عنهما، وكان فحواه غضب الفاروق من شروط المشركين وتعجبه من موافقة النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، فقال له الصديق كلمة تنم عن ثقته فى فهم وذكاء القائد "ياعمر إنه رسول الله ويأتيه الوحي فالزم غرزه".

وهنا تكمن القدرة على امتصاص غضب البعض وتحويله إلى طاقة مثمرة تؤيد خطوات القيادة، طالما كانت تلك القيادة تعي حجم الصعاب والمعوقات وتدرك قدرات صفها وتكون الشروط بالرفض أو القبول مرهونة بالواقع متماشية معه وفي نفس الوقت لاتبتغي نصراً رخيصاً.

النظرة الثالثة:

بعد النظر أثناء إجراء الصلح، فرض واقعاً جديداً متمثلاً فى عدة أمور هامة وقوية فى مسير الدعوة، فهو اعتراف ضمني بكيان مستقل لدولة الإسلام وقوتها العسكرية الموجودة القادرة على الردع، ومن ثم فالأمور على الأرض اختلفت بعد الصلح.

الأمر الثانى يعتبر توقيع الصلح باب تحييد لقريش ولو لفترة مؤقتة وهو مايفتح مجالاً للانفراد باليهود وتعطيل خططهم وضرب مكرهم.
وأيضا أحدث الصلح واقعاً سياسياً جديداً وهو الدخول فى حلف مع قبيلة خزاعة.

لكن يقيناً يبقى المكسب فى ثبات أهل الحق وقوة الإيمان حتى ازداد الذين آمنوا إيمانا، وثبتت العقيدة فى قلوبهم وعقولهم، وظهر للقيادة مدى جسارة جنودها وحبهم لها حتى قال أحد المفاوضين من قريش، "لقد حضرت الروم في ملكهم وفارس في عزهم فما وجدت أحداً يجله ويوقره ويحبه أصحابه مثل حب أصحاب محمد له".

النظرة الرابعة

لقد كانت ثقة النبي صلى الله عليه وسلم بربه قوية وثابتة، حتى قال لأصحابه: إنه ربي ولن يضيعني. فهدأت النفوس واطمئنت القلوب والعقول لكل من حول النبي صلى الله عليه وسلم.

فبالرغم من أن الصلح حرمهم من زيارة البيت الحرام وهو الذي ظل يرى فى منامه أنه يعتمر، وبرغم شوقه العظيم وصحابته الكرام للطواف وشوقهم الأعظم للوطن الذي خرجوا منه مطاردين، إلا أنه صلى الله عليه وسلم وعد أصحابه بالخير وارتضى تلك البنود وعاد للمدينة، والكل في شعور عام بالحرمان والحزن، لكن وجود القيادة الواعية التي لا تقبل بسفاسف الأمور، وتعي طريقها وتدرك أن العاقبة للمتقين وأن النصر مع الصبر وأن الأمور تجري بمقادير الله، وما يعتقده البعض هزيمة ربما تثبت الأيام أنه نصر عظيم بتوابعه ونتائجه، والوقوف عند الشعور بالضيق لن يفيد فالعمل هو المقياس والميراث الصالح، مع الأخذ فى الاعتبار أنه أحيانا تتنازل القيادة عن مسار ما إذا اقتضت المصلحة بذلك وكانت النتيجة مثمرة فى حينها.

النظرة الأخيرة

إن من عوامل حسن التصدر للمشهد وإدارته في التفاوض أو المبادرات كما حدث في صلح الحديبية، أن تكون ملماً بالواقع الذى تحياه وتجيد الفصل تماما بين الواقع السياسي للعرض كصلح، والواقعية السياسية لوضعك، وهنا تكمن خبرة النبي صلى الله عليه وسلم في موافقته على الصلح، والمآلات الناتجة عنه، والأعظم من ذلك هو انقياد الصحابة وفهمهم لرؤية النبي صلى الله عليه وسلم، فطالما كانت هناك رؤية واضحة من القيادة وإصرار أوضح على المسير بفهم وبناء كان المسار مطمئناً وكان الجنود بارعون فى تحقيق كل ما يخدم على نجاح الرؤية والهدف.

ختاما

ما أحوجنا نحن كإسلاميين إلى مدارسة صلح الحديبية من زوايا مختلفة ونظرة جديدة تضيف لعقولنا ونبني عليه فهماً ونزداد لفكرتنا عشقاً ولدعوتنا عملاً.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب وباحث مصري الجنسية، مؤلف عدة كتب فى التربية والتنمية "خرابيش - تربويات غائبة- تنمويات". مهتم بقضية الوعي ونهضة الأمة من خلال التربية.

شاهد أيضاً

نماذج من تاريخ فرنسا الدموي البغيض

إن ما عُرِف عن الاحتلال الفرنسي أنه كان دمويًّا استئصاليًّا يعمل على (فَرْنَسَة) الشعوب المحتلَّة …