عبادات منسية.. (2) الذكر

الرئيسية » خواطر تربوية » عبادات منسية.. (2) الذكر
tasbih

ذكر الله عز وجل هو محور كل عبادة، أو مرتبط بها، فهو بذلك من أعظم العبادات وأجلًّها، ففي الصلاة يقول تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت:45]، وفي تحريم الخمر: {إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة:91]، وفي الجهاد {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال:45].

وفي سنن التّرمذي ومسند أحمد عن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه أنّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم سُئِلَ: أَيُّ الْعِبَادِ أَفْضَلُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: (الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ).

يَقُولُ اللهُ تعالى: (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً).[رواه البخاري ومسلم].

الذكر دواء نفسي يغفل عنه الناس

ويتساءل البعض عجباً عن سبب حالة ضيق الصدور والبلاء الحادث في النفوس بينما الجواب في كتاب الله حاضر حيث يقول رب العزة: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ(124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا(125)} [طه].

وقد نجد من المنعمين في الدنيا وقد رزقهم ربهم سعة من الأموال والأولاد ومع ذلك يفتقدون لراحة البال ورضا النفس، بل تزداد حالات الانتحار في تلك الأوساط بصورة غير عادية وتنتشر الأمراض النفسية ويكثر الاحتياج لأطباء النفس والعقل، ولا راحة ولا دواء، وذلك لسبب بسيط، وهو افتقاد الروح لذلك المعين السماوي الذي تطمئن إليه وتستقي منه أسباب راحتها وبقائها في حالة اتزان واتساق مع الذات ومع الكون المحيط.

والإعراض عن #الذكر هو رفض لكل ما هو آتٍ من عند الله وتكبر نفس غير سوية، فهي بالتالي مؤهلة لتلقي كل الأمراض النفسية كإنسان تخلى عن مناعته فأصبح نهبة لكل فيروس مهما ضعف، والإشكالية الحقيقية ليست في الفيروسات المهاجمة وإنما في النفس الضعيفة التي نزع عنها صاحبها مناعتها الطبيعية، فتكون المعيشة ضنكا رغم رغد العيش ظاهراً، وتكون النفوس مريضة رغم صحة الأبدان.

الذكر علامة الحب

أليس المحب يحب ذكر محبوبه على الدوام؟ فمن علامات حبك لله ذكرك إياه، فلا يدّعِ مُدّعٍ حبه لله وهو معرض عن ذكر، جاف به لسانه، وميت به قلبه، معرض عن تنفيذ أوامره يقول الله تبارك و تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيراً} [الأحزاب:41] وقال سبحانه: {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} [البقرة: 152].

وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟) قالوا: بلى يا رسول الله. قال: (ذكر الله عز وجل). (حديث صحيح، رواه أحمد).

وفي صحيح البخاري عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل الذي يذكر ربه، والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت).

ولا ريب أن القلب يصدأ إلا أن جلاءه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء. فإذا ترك الذكر صدئ، فإذا ذكره جلاه.
و صدأ القلب يكون بأمرين: بالغفلة والذنب، وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذكر.قال تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا} [الكهف:28].

ومن فوائد الذكر التي لا تحصى فوق أنه قربة لله ومغفرة للذنوب وراحة للنفوس ونعيم للروح ما علمنا إياه المصطفى صلى الله عليه وسلم: (كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) (متفق عليه)

وقال عليه الصلاة والسلام: (ألا أدلكم على كلمة من تحت العرش من كنز الجنة؟ تقول : لا حول ولا قوة إلا بالله، فيقول الله أسلم عبدي واستسلم). (صحيح، رواه الترمذي).

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: قال موسى: (يا رب علمني شيئاً أذكرك به، وأدعوك به، قال: يا موسى قل لا إله إلا الله، قال: يا رب كل عبادك يقول هذا، قال: قل لا إله إلا الله، قال: إنما أريد شيئاً تخصني به، قال: يا موسى! لو أن أهل السماوات والأراضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهنّ لا إله إلا الله). (رواه النسائي في عمل اليوم والليلة، وابن حبان في صحيحه واللفظ له، وضعفه الشيخ الألباني).

وعَنْ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ. أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ علي وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ. قَالَ: وَمَنْ قَالَهَا مِنْ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنْ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ). (رواه البخاري).

فما أحلى ذكر الله وأطيبه على الألسنة، وما أروحه للقلوب، وما أحوجنا إليه في تلك الظروف العصيبة التي نمر بها، فهو دواء من استعصى على أي دواء، والقرب لمن سعى، والمغفرة والطهر لمن عصى وأخطأ وذل، والطمأنينة التي تصلح ما أفسده الصخب والفوضى.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة مصرية، مهتمة بالشأن الإسلامي العام، حاصلة على بكالوريوس إعلام من جامعة القاهرة، وكاتبة في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية، لها العديد من المؤلفات المنشورة، مثل: المنهاج في الدروس المسجدية للنساء، معالم على طريق التمكين الحضاري، وأبجديات الثورة الحضارية وغيرها.

شاهد أيضاً

اتباع الهوى والسقوط نحو الهاوية!

خلق الله الإنسان وأمده بأسباب بقائه واستمراره في هذا الوجود، غير أنه جل شأنه رضي …