مشروعنا الإسلامي….بين عقلانية التباطؤ وعاطفية الهرولة

الرئيسية » خواطر تربوية » مشروعنا الإسلامي….بين عقلانية التباطؤ وعاطفية الهرولة
brain15

المشروع الإسلامي هو المشروع السياسي الأعظم في بلاد العرب وبلاد الإسلام عموما، وقد بلغ في ظهوره وانتشار أتباعه وأنصاره مبلغاً لم يجعل له منافساً ولا مقارباً.

وقد بدأ الغرس والزرع في هذا المشروع من قديم، وظهر أنه قد آن أوان قطف الثمار بعد ثورات الربيع العربي، غير أن أعداء الأمة قد استكثروا ذلك وأبوا أن يمرروه، فدارت الدائرة مرة أخرى، ودخلنا في جولة من حلقات الصراع الكبير، غير أنها جولة لها ما بعدها، وما بعدها سيكون حاسما في تاريخ الأمة، وفي تاريخ الأرض كلها.

وأبناء المشروع الإسلامي ليسوا على شاكلة واحدة، بل يتمايزون فيما بينهم إلى اتجاهات كثيرة ورؤى عدة.

ونحن الآن لسنا بصدد التفصيل في تشعبّات واتجاهات أبناء ذلك المشروع، ولكننا نشير هنا إلى مدرستين واتجاهين رئيسيين تنتظم فيهما كل فروع ومجموعات أبناء المشروع الإسلامي، بحيث أنهما أصبحا قسمين كبيرين جامعين لكثير من التفصيلات والتقسيمات تحتهما.

وهذان الاتجاهان هما...الاتجاه العقلاني والاتجاه العاطفي.

فهناك من أبناء المشروع الإسلامي من ينحى منحىً عقلانياً في دعوته لهذا المشروع، وفي خطواته لتنفيذه إن مكّن من ذلك، وهو من منطلق هذه العقلانية ينظر إلى المحيط من حوله والواقع والظروف، ويحاول أن يقدّر بذلك ما يجوز أن يكون الآن وما يجب أن يؤخّر إلى الغد، ويقدّم في ذلك خطاباً عقلانياً يحاول فيه أن يزيل تخوفات المتخوفين وترددات المرجفين، فيتخطى خطابه كل مواضع الإشكالات التي تثيرها بعض مفردات وتفصيلات المنهج الإسلامي، والتي تُحدث عند طرحها الكثير من الجدل والتخوف عند البعض.

فأبناء هذا الاتجاه مثلاً لا يقدمون في كثير من الأحيان إجابة مباشرة واضحة عندما يُسألون عن تطبيق الشريعة الإسلامية، وخصوصاً إذا كان السائل يقصد بالتحديد الحدود والجزاءات، وكذلك عن التساؤلات حول إشكالية الديمقراطية وإذا ما جاءت يوماً بمن يخالف الشريعة أو بما يخالفها، وعند إجاباتهم عن ذلك فإنهم يدورون حول المسألة ولا يقدمون إجابة مباشرة واضحة، وربما يكون ذلك من الذكاء السياسي والدهاء في محاورة غير الإسلاميين، الذين لا ينقصهم أبداً المكر والدهاء في محاوراتهم وتساؤلاتهم لأبناء المنهج الإسلامي.

وهناك من أبناء المشروع الإسلامي من يتحرك لمنهجه_ في نشره وتوضيحه وكذلك في إقراره وتنفيذه إن مُكّن من ذلك_ تحركاً تغلب عليه العاطفة .وهؤلاء لا يبالون كثيراً بالتعقل في طرحهم ولا في خطواتهم وأعمالهم، ويتحركون في ذلك من قناعتهم بأن أعداء المنهج الإسلامي سيظلون أعداء له مهما حاولنا في إقناعهم واسترضائهم.

وهم في خطابهم يقدمون خطاباً واضحاً سافراً في كل القضايا والمعضلات، غير مبالين برؤية مخالف ولا تخوف متخوف من ذلك الطرح .ولا يعطون كثير اهتمام للواقع المحيط ولا للظروف المعاصرة، وينظرون للمنهج الإسلامي على أنه كتلة واحدة متماسكة، فإما أن يكون كاملاً أو لا يكون، وليس هنالك أبداً ثمة تخيل لمرحلية أو تَدرُّجية.

هكذا أبناء المشروع الإسلامي، اتجاهان وفريقان، وكل له رؤيته واجتهاده. ولكن التخوف أن يتطرف كل طرف في رؤيته واتجاهه فيضر بالمشروع الإسلامي من حيث يريد أن ينفعه.

فالعقلانيون من أبناء المشروع الإسلامي، تراهم في بعض الأحيان يبالغون في عقلانيتهم واحترازهم واهتمامهم بفقه المراحل والتدرج، حتى تخشى أن يكون في ذلك تباطؤ ملحوظ في خطوات تنفيذ المشروع والمنهج، وربما فوات في بعض الأمور والمواقف، ولنا في تاريخ أبناء هذا التوجه ما يشير إلى ذلك، حيث الفرص التي سنحت لهم، ولكنهم تباطؤوا وتراجعوا خوفا من الهرولة والاستعجال، فلم يكن تباطؤهم بأقل خسائر مما لو كانوا هرولوا واستعجلوا.

كما أنهم يبالغون في تعقلهم عند خطاب العلمانيين والرافضين للمشروع الإسلامي، وتصل مبالغتهم في درجة تعقلهم هذه إلى ما يشبه التخلي والممالأة من أجل استرضاء واستمالة الغير.

والعاطفيون من أبناء المشروع الإسلامي تراهم وقد ملكت عليهم العاطفة أمرهم، فلا يكادون ينظرون بعقولهم البتة، ولا يعطون أدنى اهتمام للمرحلية والتدرج، وقد ظهر ذلك جلياً في بعض التجارب التاريخية لأبناء هذا التوجه، عندما أتيحت لهم فرصة التنفيذ، فكانوا كالمنبت الذي لم يقطع أرضاً ولم يبق ظهرا.

كما أنهم في حوارهم مع الغير يقدمون خطابا لا يحسن المجادلة، فلا وزن للتعقل عندهم، ولا يبالي ذلك الخطاب بالتخوف من البعض ومحاولة إزالة الالتباس من البعض الآخر، بل ويكون خطابهم متشنجا ومنفرا في كثير من الأحيان.

هكذا الاتجاهان والطريقان.

ولذلك فنحن ندعوا عقلانيينا وعاطفيينا من أبناء المشروع الإسلامي إلى أن يستبصروا حتى لا يكون في عقلانيتهم أو عاطفيتهم التباطؤ والفوات، أو الهرولة والتدمير، فكل من الفريقين لا يستطيع أن يستغني عما لدى الفريق الآخر، لأن المشروع الإسلامي يتحقق بكلا الأمرين، فهو يحتاج إلى عاطفة وحكمة، وحزم وعقلانية.

ووجود الفريقين داخل الدعوة لا يعتبر أمراً معيقاً، ولا مشكلة عميقة، بل هو مثمر من حيث تعدد الطرح وتنوعه، ورؤية الأمر من زاويا متعددة، إلا أن الأهم أن لا تستخدم العقلانية حال تطلب الأمر للحزم والفور، ولا تستخدم العاطفة حال احتياج الأمر إلى روية وحكمة وتأنٍ.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب وشاعر وروائي مصري، مهتم بالفكر الإسلامي والحركة الإسلامية

شاهد أيضاً

كيف تغير العالم وحدك؟

لمَ التعجب، ولماذا أرى هذه الدهشة على ملامح وجهك، أو الاستخفاف بالجملة التي قرأتها كعنوان …