أبو مِحجَن الثقفي في الأقصى!

الرئيسية » ملفات خاصة » المسجد الأقصى » أبو مِحجَن الثقفي في الأقصى!
aqsa25

هل سمعتم بأن الصحابي الفارس المشهور أبا محجَنٍ الثقفي كان في المسجد الأقصى هذه الأيام التي خلت يدافع عنه مع المدافعين؟

لعله لم يكن هو بشخصه، ولكنّ روحه، والنموذج الواقعي الذي كان يمثله كان حاضرًا بقوة هذه الأيام.

كيف كان ذلك؟

هلمّوا بنا لنعرف.

كان أبو محجن صحابيًّا، أسلم حين أسلمت ثقيف، وكان فارس ثقيف في زمانه، من الشجعان المشهورين، كريمًا جوادًا، إلا أنه كان منهمكاً في الشرب، لا يتركه خوف حد ولا لوم.

حتى أن عمر رضي الله عنه جلده الحدَّ في شرب الخمر (7) مرات.

ولما نزل سعد بن أبي وقاص على القادسية وقاتل عسكر الفرس وانهزمت الفيلة إلى المدائن وكان سعد رضي الله عنه يتنكر في الليل ويمشي في عسكره فمر في بعض الليالي برجال من ثقيف فوجد أبا محجن وهو يشرب ويترنم على خمرته، فلما رآه غضب، ثم إنه حدَّه وقيَّده وجعله في محبسه.

وَكَانَ سَعْد يوم معركة القادسية مريضًا، أصابته قروحٌ شَدِيدة، فبقي في منزله وَجِعًا، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى المعركة، وصَعِدُوا بِهِ عَلَى ظَهْرِ قصر لِيَنْظُرَ إِلَى النَّاسِ، وكان أَبُو مِحْجَنِ الثَّقَفِيُّ مَحْبُوسًا فِي أسفل القصْرِ.

فَلَمَّا بدأت المعركة ورأى أبو مِحْجَنٍ الجيشين يَقْتَتِلان، فَكَأَنَّهُ رَأَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ أَصَابُوا فِي الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا رَأَى مَا تَصْنَعُ الْخَيْلُ حِينَ جَالَتْ، وَهُوَ يَنْظُرُ مِنْ محبسه، قال:

كَفَى حَزَنًا أَنْ تُطْعَنَ الْخَيْلُ بِالْقَنَا ................... وَأُتْرَكُ مَشْدُودًا عَلَيَّ وَثَاقِيَا
إِذَا قمْتُ عَنَّانِي الْحَدِيدُ وَأُغْلِقَتْ ............ مَصاريعُ مِنْ دُونِي تُصِمُّ الْمُنَادِيَا
وقد كنتُ ذا مالٍ كثيرٍ وإخوةٍ .................... فقد تركوني واحدًا لا أخا ليا
وقد شفَّ جسمي أنني كلُّ شارقٍ ............... أعالجُ كَبْلًا مُصمَتًا قد برانِيَا
فلله درِّي يوم أُتركُ مُوثقًا ............................ ويذهل عني أُسرتي ورجاليَا
حبيسًا عن الحرب العوان وقد بدت ... وأعمال غيري يوم ذاك العواليا
فلله عهد لا أخيس بعهده ............................ لئن فرجت ألّا أزور الحوانيا

وأرسلَ إلى سلمى امرأةِ سعدٍ فقال لها: أَطْلِقِينِي، وَلَكِ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ، لَئِنْ لَمْ أُقْتَلْ لأَرْجِعَنَّ إِلَيْكِ حَتَّى تَجْعَلِي الْحَدِيدَ فِي رِجْلِي.

فَحَلَّتْ عَنْهُ قُيُودَهُ، وَحُمِلَ عَلَى فَرَسٍ لِسَعْدٍ كَانَ فِي الدَّارِ، يُقَالُ لَهَا (الْبَلْقَاءُ)، وَأُعْطِيَ سِلَاحًا، ثُمَّ جَعَلَ يَرْكُضُ حَتَّى لَحِقَ بِالْقَوْمِ.

فجعلَ لا يحملُ على ناحيةٍ من العدوِّ إلَّا هزمهم، وجعلَ النَّاس يقولون: هذا مَلَكٌ، لما يرونه يصنع.

وكان سعد ينظر ويتعجّب، ويقولُ: لولا أنَّ أبا مِحْجنٍ مُوَثَّقٌ في الحديد؛ لقلتُ إنَّه أبو مِحْجَنٍ، وإنَّها فرسي.

فلم يلبثُوا إلَّا يسيرًا حتَّى هزمهم اللَّه فرجع أبو مِحْجَنٍ وردَّ السلاحَ، وجعل رجليه في القيودِ كما كان.

فجاء سعدٌ، فقالتْ له امرأتُه: كيف كان قتالكم؟

فجعلَ يُخبرُها ويقولُ: لقينا ولقينا حتَّى بعثَ اللَّه رجلًا على فرسٍ أبلقَ، لولا أني تركتُ أبا مِحْجَنٍ في القيودِ لظننتُ أنَّها بعضُ شمَائلِ أبي مِحْجَنٍ، فقالت: واللَّه إنَّه لأبو مِحْجَنٍ، كان من أمرهِ كذا وكذا، فقصَّت عليه القصة.

فدعا سعدٌ به، وحلَّ عنه قيودَه، وقال: واللَّه لا أضربُ اليوم رجلًا أبلى اللَّه المسلمين على يديه ما أبلاهم، وخلَّى سبيله.

فقال أبو مِحْجَنٍ: قد كنت أشربها حيث كان يقامُ عليَّ الحدُّ فأطهُرُ منها، فأمَّا إذا بهرجتني فلا واللَّه، لا أشربها أبدًا.

راجعوا معي قصة أبي محجن، وانظروا كم بطلٍ كأبي مِحجَنٍ كان على بوابات الأقصى هذه الأيام، هؤلاء من الذين قال الله تعالى عنهم {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة:102].

أمثال أبي محجن ممن هم على أبواب الأقصى خير من هؤلاء الذين يشبعوننا كلامًا ثم لا نراهم عند الأفعال

نعم خلطوا عملًا صالحًا هو الجهاد والرباط، وآخر سيئًا هو تقصير في بعض السلوكيات، والتي يندرج كثير منها تحت باب (الشكليات)، ومع ذلك فلا نقلل منها، ولكنها ليست أكثر من الخمر التي كان يدمن عليها الصحابي أبو مِحجَن، هؤلاء بشرهم الله تعالى بقوله (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)، ولعل هؤلاء الذين ينتقدهم البعض لبعض تقصير فيهم خير من الذين خلطوا عملًا صالحًا هو الاهتمام بالعبادات الشكلية، وآخر سيئًا هو القعود عن نصرة الإسلام والمسجد الأقصى.

بل أقول: أمثال أبي محجن ممن هم على أبواب الأقصى خير من هؤلاء الذين يشبعوننا كلامًا ثم لا نراهم عند الأفعال.

رضي الله عن أبي محجن الصحابي، وعن أمثال أبي محجن من الساهرين على بوابات الأقصى.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث فلسطيني. حاصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة، وشهادة ماجستير في الفقه وأصوله.

شاهد أيضاً

المسترزقون بالدين

قالت العرب قديماً: "تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها"، وهو مثل يضرب في ترفع الرجل بنفسه …