“حماس” والسير في حقول الألغام

الرئيسية » بصائر من واقعنا » “حماس” والسير في حقول الألغام
2e3bbecb-3eb8-4b8d-a941-8c1db767813e

وبينما ينتظر أهل قطاع غزة المحاصر خبراً يحمل أملا عن مستقبل أفضل أو على الأقل أن تبقى الأحوال كما هي، وأن لا تسوء أكثر مما عليه الآن، تضاربت الروايات إلى أن ظهرت الحقيقة حول حقيقة الاجتماعات بين قيادات حماس في غزة مع وفد من أنصار القيادي الفتحاوي محمد دحلان وصولاً إلى تفاهمات بين الطرفين لم ينشر حتى الأن كل تفاصيلها. حيث إن حركة حماس تراوح موقفها بين النفي والسكوت ابتداء إلى الاعتراف بأن الموضوع لا يتعدى كونه تفاهمات حول القضايا الإنسانية والمصالحة المجتمعية في غزة!

وأياً كانت هذه التفاهمات بين حماس غزة ومحمد دحلان رئيس التيار الخياني سابقاً والتيار الإصلاحي حالياً، كانت ولازالت بمثابة الصدمة على الكثيرين من أبناء وكوادر ومحبي ومؤيدي حركة حماس، لا سيما  وأن هذا الاتفاق الذي ترعاه دولتا مصر والإمارات العدوتان اللدودتان لدولة قطر حليف حماس، فإن هذه التفاهمات لن تكون أغضبت فقط بعضاً أو جزءاً من أركان وقطاعات حماس، بل هي أيضاً أغضبت حلفاء حماس تركيا وقطر التي تتعرض لظروف الحصار من دول جوارها، لمزاعم عديده أهمها دعم حماس والمقاومة الفلسطينية!!

وعند نقاش هذا الأمر لابد من إمعان النظر إلى الظروف التي أجبرت حركة حماس في غزة للسير بهذا الاتجاه والاتفاق مع خصمها اللدود، فهناك من بات يقول إن في السياسة لا يوجد أعداد أبديون ولا أصدقاء أبديون، وانما هناك مصالح فحسب.

لكن هذا النهج في الخطاب لم يكن معتمداً عند حركة حماس بشكل يعبر عن فكر مؤصل منسجم مع رؤية سياسية، جاء هذا الخطاب استجابة لظروف موضوعية أجبرت الحركة للتعامل مع هذا الواقع، وهنا لابد من التعريج على واقع الحياة التي يعيشها أهل غزة، إذ لا تجد من المصطلحات ما قد يصف مأساة الحياة في غزة، فالمعاناة لا تقف عند انقطاع الكهرباء، لأن انقطاع الكهرباء يعني أيضاً تعطيل المصانع والمعامل والورش والشركات والمدارس وكل شي يعمل على الكهرباء، وتوقف المصاعد في البيوت والمبردات ومضحات المياه، ويعني البطالة والجهل وضرب القطاع الصحي ويعني ويعني الكثير أيضاً!!

جاء هذا الخطاب استجابة لظروف موضوعية أجبرت الحركة للتعامل مع هذا الواقع

وهنا فإن أي عاقل حكيم يراعي مصالح شعبه مضطر للقبول بالاتفاق مع خصومه مراعاة لحال شعبه وجمهوره، وبالتالي فإن هذا الاتفاق جاء بعد تهديدات أبو مازن بقطع الكهرباء كاملة عن قطاع غزة، وقطع الرواتب وإجبار حركة حماس على شروط مصالحة لا تؤسس لا لمصالحة ولا لوحدة بل تؤسس لكارثة أكبر.

لكن في المقابل هناك مقولة تقول: "أولئك الذين لا يتعلمون من التاريخ محكوم عليهم بتكراره"، لو عدنا إلى الوراء قليلا فحماس في العام 1996م، قاطعت الانتخابات التشريعية الفلسطينية بقوة وهناك من اعتبرها حراماً منكراً وعارض المشاركة في السلطة بحجة أنها سلطة أوسلو، لكن حماس عادت للمشاركة في الانتخابات التشريعية عام 2006م، برغم أنها سلطة أوسلو، وحصلت على أغلبية المجلس التشريعي مما استدعى أن يتفق أعداؤها مع خصومها لمحاصرتها وحرمانها من فرحة الانتصار بنتائج الانتخابات، وتعاملت حماس بحسن نية مع محيط لا يعرف النوايا ولا الإحسان وإنما يتقن لغة المصالح التي لا تتقنها حماس.

رأت حماس أن من حقها السلطة ومن حقها فرض سلطتها على الشارع رغم معارضة قطاعات من حركة فتح وتمرد بعض قيادات الأجهزة الأمنية وخصوصاً في غزة بقيادة دحلان، وتدحرجت الأوضاع بعد صدامات داخلية بين حماس وفتح إلى ما تسميه حماس "الحسم المبارك" وتسميه فتح "الانقلاب الأسود" إلى إنهاء الأجهزة الأمنية في قطاع غزة التابعة لفتح، وسيطرة حماس السياسية والعسكرية على قطاع غزة، مما استدعى أبو مازن إلى القيام برد سياسي تمثل بإقالة الحكومة الحادية عشر برئاسة السيد إسماعيل هنية وتشيكل حكومة برئاسة فياض.

وبعد هذه الإجراءات دخلت الحالة الفلسطينية منعطفاً جديداً وخطيراً أثر بشكل سلبي وكبير على واقع القضية الفلسطينية على كل المستويات، ورغم كل جلسات ولقاءات الحوارات والاتفاقات التي وقعت بين الطرفين لم تفض إلى اتفاق حقيقي يمكن تطبيقه وينعكس على الواقع، فكلا الطرفان كان يراهن ويطمح للحصول على أعلى النقاط لصالحة في اتفاق مصالحة مستجلبا مخاوفه وهواجسه من الطرف الآخر، فحماس في غزة لم تقبل أي اتفاق كان من الممكن أن يعيدها لحالة الضعف وتعدي الأجهزة الأمنية الفلسطينية عليها، في حين تعتبر فتح نفسها خسرت نفوذاً وسلطة لا يمكن أن تقبل إلا بعودتها لها، وأما المستفيد من هذا الخلاف فهو الاحتلال بلا شك.

لم يكن متوقعاً أن تكون بعد كل هذه الجولات الطويلة بين حماس وفتح بقيادة أبو مازن إلى أن تتفق حماس مع محمد دحلان عدوها وعدو أبو مازن اللدود، إذ إن أصل خلافها مع محمد دحلان وليس مع أبو مازن، ولكنها اليوم اضطرت إلى الاتفاق مع عدوها اللدود على خصمها الشرس، وأمام هذا الواقع الصعب الذي تعيشه حماس في غزة وجدت نفسها بين خيارات كلها ما بين القاسي والأقسى، فأما التنازل الكامل لأبو مازن، وإما الحرب ونتائجها بالأغلب معروفة سلفاً، وإما الاتفاق مع العدو اللدود محمد دحلان، على قاعدة التقاء المصالح، التي ترى أن محمد دحلان قد وصل إلى قناعة بعد فشل كل الوساطات للمصالحة مع أبو مازن أن الطريق الوحيد للعودة إلى المشهد السياسي الفلسطيني لن يكون إلا عبر حركة حماس في قطاع غزة.

وصل محمد دحلان إلى قناعة بعد فشل كل الوساطات للمصالحة مع أبو مازن أن الطريق الوحيد للعودة إلى المشهد السياسي الفلسطيني لن يكون إلا عبر حركة حماس في قطاع غزة

وأمام هذا الواقع الخطر فحماس أمام السيناريوهات التالية في حال تم واستمر الاتفاق مع دحلان وهو الأغلب:

السيناريو الأول: وهو افتراض حسن النية في محمد دحلان وأن الرجل فعلا يريد المصالحة ويريد خدمة هذا الشعب، فإن ربط كل التسهيلات التي سيتسلمها قطاع غزة من عودة للكهرباء وفتح المعبر ودفع الرواتب وغيره ستشكل صورة ذهنية مع مرور الأيام أن تحسن الحياة هو مربوط ومرهون بوجود دحلان في السلطة، وبالتالي فإن أي انتخابات ستحدث لن تحصل حماس فيها على النتائج التي تحب وستخسر حينها سيف الشرعية التي تقاتل به.

السيناريو الثاني: وهو افتراض سوء النية فإن حماس بالتأكيد ستكون حذرة من الانفتاح على التعاون مع دحلان، وستحسب كل خطوة تخطوها مع هذا الرجل في هذا الاتجاه، لكن وماذا ستفعل إن اكتشفت أن دحلان يأخذها للفخ، فحينها سينقض أبو مازن بصورة أشرس وحينها قد تكون خسرت شيئاً آخراً من شعبيتها ومؤيديها وحتى من حلفائها، وهنا نقول أن حماس دخلت في حقل الألغام فلا الولوج فيه سهل ولا الخروج منه متاح.

على حماس خصوصاً في غزة، أن تجري قراءة لتجربتها السياسية في العشرين السنة الماضية، وأن تعرف أخطاءها وأن تكون صريحة ومنفتحة مع شعبها؛ لكي تستفيد في مسيرتها للأيام القادمة

ولهذا على حماس خصوصاً في غزة، أن تجري قراءة لتجربتها السياسية في العشرين السنة الماضية، وأن تعرف أخطاءها وأن تكون صريحة ومنفتحة مع شعبها؛ لكي تستفيد في مسيرتها للأيام القادمة، وأن تنتهج خطاباً سياسياً أكثر انفتاحاً ودبلوماسية، وخصوصا إلى الداخل الفلسطيني، فليس معقولاً أن يصبح الآن محمد دحلان رجل الإصلاح، بعد أن كان رئيس التيار الخياني والصهيوني، لأننا لا ندري قد تجبر الظروف حماس على الجلوس مع أبو مازن مرة أخرى، فماذا ستقول حماس حينها لشعبها وجمهورها؟! لأن إسقاط مراعاة وعي الجماهير في الخطاب السياسي أمر بالغ الخطورة.

على "حماس" أن تستفيد من أخطاء حركة فتح في ممارسة السلطة، فحركة فتح التي كانت الحركة الأولى عند الشعب الفلسطيني في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي إنما بفعل المقاومة، وما خسرت "فتح" شعبيتها وحضورها واحترامها إلا بفعل دورها وأدائها للسلطة، وحماس ليست معصومة من هذه الأخطاء وهذا المرض. لأن الجمع بين السلطة والمقاومة في عالم معقد وإقليم مضطرب أمر بحاجة إلى رؤية سياسية أكبر وفهم سياسي أعمق وشبكة مصالح أوسع من التي نرى الآن.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب وباحث فلسطيني في الشؤون السياسية والصهيونية، ومهتم بشؤون العلاقات التركية الصهيونية، يحمل الماجستير في الدراسات الإقليمية، ومدير مركز الحوار والفكر للدراسات في مدينة الخليل.

شاهد أيضاً

200 ألف رافض لتطبيع الإمارات والبحرين يوقعون “ميثاق فلسطين”

أعلنت رابطة إماراتية، اليوم الثلاثاء، أن عدد الموقعين على وثيقة بعنوان "ميثاق فلسطين" تجاوز 200 …