شبابنا وفتنة الغرب

الرئيسية » بأقلامكم » شبابنا وفتنة الغرب
photodune-934365-modern-city-at-night-l-min

منذ أن كنت طفلة صغيرة..كانت تطرق مسامعي بعض أحاديث النسوة وهن يتحدثن عن ذلك الطبيب الذي عاد من رحلة تعليمية إلى بلاد الغرب دامت بضعة سنوات، لكنه لم يعد محملاً بالشهادات العلمية فقط، بل عاد محملاً بعادات وسلوكيات وأفكار مختلفة.. هذا الطبيب وذاك المهندس ليس شخصاً معيناً، بل هو حالة عامة، حالة المثقفين الذين هاجروا طلباً للعلم ثم عادوا إلى بلادهم بعد أن أنهوا مهمتهم.

ما اتفق عليه الجميع هو التغيير..لقد تغيروا!!

أما ما اختلفوا فيه فهو نوعية التغيير، حيث كانت الأحاديث تصف حال ذاك الذي لبست زوجته القصير وأصبح يعيب عاداتنا الأصيلة الصحيحة..

كما تصف الآخر الذي تغير بشكل مختلف فأصبح أكثر التزاماً بالعمل وأكثر مثابرة ونشاطاً ودقة في المواعيد، حيث تغيّر فيه ما كسبه من عادات سلبية في مجتمعنا.

بقيت تلك الكلمات والأحاديث راكدة في زاوية فكري، كغيرها من الأحاديث العابرة، لكن في ظل ماحدث في بلادنا ولجوء الكثيرين إلى الغرب، وفي ظل الانفتاح المبالغ فيه على الخصوصيات، والتواصل السهل بين الجميع وعلى كافة الأصعدة، عادت الرياح لتهب على تلك الذكريات وتحركها..

حيث تحولت الحالات الفردية إلى ظاهرة. ففي كل يوم تطالعنا منشورات لسيدات خلعن الحجاب في إشارة منهن إلى التغيير ورفض ما كن فيه، وباعتباره خطوة لبداية طريق الإنجاز.

وأخبار من ألحدوا وتحدوا خالقهم بطريقة مبتذلة، تدك مسامعنا يوماً بعد يوم.

وفي عتمة تلك الأخبار، تشرق بعضها من جهة أخرى، فأحدهم تفوق علمياً، وآخر تفوق اجتماعياً، وثالث كان خير مثال للمسلم الملتزم بتعاليم دينه، والذي يحل الخير والسلام حيث حل هو.

وفي خضم تلك الأخبار المتناقضة، يبرز سؤال يقول:

ما السبب؟
ما الذي جعل أحدهم يتقهقر، بينما الثاني يتقدم؟

لم بعض الناس عندما ذهبوا إلى الغرب ورأوا مدنيته بأنواعها المختلفة، انبهروا بها، و تنكروا لبلدهم ودينهم وألصقوا بهذا الدين العظيم كل المشاكل المدنية والحضارية والأخلاقية التي كانوا هم أنفسهم إحدى أعمدتها.. بل وحقدوا عليه وتبرؤوا منه والعياذ بالله.

بينما البعض الآخر عندما ذهب إلى الغرب ورأى مدنيته، تنبه من غفلته، أو أعاد نشاطه من جديد، وبدأ يفكر كيف يستفيد من علم أهله ويستفيد من تجربتهم الدنيوية، بحيث يطورها بما يناسب مجتمعنا ومبادئنا، لنكون خلفاء الله في الأرض كما أراد الله لنا، وننشر العلم والحب والخير والتي هي من أصل ديننا، لكن عطلناها بغفلتنا.

السبب هو اختلاف طريقة التفكير والتفسير ورؤية الواقع، وللتربية منذ الصغر دور كبير في ذلك، لو اعتدنا على محاورة أبنائنا بطريقة فكرية صحيحة، وتصحيح انحرافاتهم الفكرية، وتعليمهم مبادئ الإسلام الصحيحة، وأن مايرونه حولهم لا يمثل ديننا.

لو زرعنا فيهم منذ الصغر الشعور بأهمية أن يكونوا اليد التي تصلح ما فسد، بدلاً من أن يكونوا قضاة يلقون بالتهم هنا وهناك، لو زرعنا فيهم شعور العزة والفخر بانتمائهم إلى خير أمة أخرجت للناس، ولو علموا أن ضعفنا وتشتتنا هو بسبب ابتعادنا عن تعاليم ديننا وليس بسبب انتمائنا له، عندها سيعلمون الطريق الصحيح للعودة بدلاً من المشي مكبين على وجوههم: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [سورة الملك: 22]

نخطئ عندما نعزل أولادنا عن قضايانا المحيطة بنا، ونخطئ عندما لا نناقشهم بحجة أنهم مازالوا صغاراً، وأن الحياة ستعلمهم!
الحياة تعلم كل شخص على طريقته، لذا اختاروا لأولادكم الطريقة المستقيمة في التعليم، وحدثوهم عن كل شيء بطريقة مقربة لفهمهم، فالطفل يلاحظ كل مايدور حوله ويفسره بطريقته الخاصة سواء بشكل واع أو باللاوعي، وسواء أخبرنا بذلك أم لم يخبرنا، لذا لا تنتظروا منه أن يسألنا، بل بادروا أنتم بشرح ما يحدث.

هذا يمكننا فعله كوقاية، أما بالنسبة للشباب الذي انحرف، فيجب أن نتعامل معه معاملة الابن الذي انحرف، هل يملك أهله التخلي عنه؟ أم يحيطونه بالرعاية ويحاولون جهدهم أن يعيدوه إلى جادة الصواب؟

لا تتخلوا عنهم، كونوا لهم عوناً ورفيقاً، ومكاناً حنوناً دافئاً، ادعوا لهم بالصلاح بدلاً من سبابهم والدعاء عليهم، حاولوا أن تصححوا لهم ما غُشّي عليهم، حدثوهم بما يعرفون، وتذكروا الحديث الشريف الذي قال فيه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: "انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه فوالله لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم" (متفق عليه).

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صيدلانية، ومستشارة أسرية، صدر لها عام 2016 كتابين للأطفال، وكتاب للكبار بعنوان "تنفس". كتبت الكثير من المقالات التربوية والفكرية والاجتماعية على بعض المواقع والمجلات، و قدمت العديد من الدورات التطويرية والتربوية.

شاهد أيضاً

النذارة والبشارة في سورة يونس

إن دين الله الذي لأجله أنزل الكتب وأرسل الرسل، جاء ليجمع في منهجه بين الترغيب …