شطرنج الحياة!

الرئيسية » بأقلامكم » شطرنج الحياة!
1_large-2447794455534350340

لعبة الشطرنج، أول ما يطرق اسمها على آذان مستمعيها يقتصر إدراكهم على تلك اللعبة العقلية التي يحرك فيها الخصمان حجارتهما لكي يحقق أحدهما النصر على خصمه من خلال اقتحام الحصون المنيعة و القضاء على رأس الحصن، وإعلان الانتصار.

لكن لو تأملنا في أعماق ومآلات الرسائل العقلية التي ترسلها تلك اللعبة جيداً لوجدنا أنها تصرخ في آذاننا، قائلة : أنا لست تلك اللعبة التي تظنون، إنما أنا لعبة تصوغ صراع الحياة حقا!

فإذا تأملنا بحجارة الخصمين نرى حجارة بيضاء متمثلة بـ"الحق المطلق"، وأخرى سوداء متمثلة بـ "الباطل المطلق"، كما ترى متجلياً عند التحام الصفوق أمامك قانون الصراع والتدافع الحتمي بين الحق والباطل، وبين الحقيقة و الوهم، والذي بينه قوله تعالى في محكم آياته:{ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين} [سورة البقرة:251].

ولو تأملت في هذا الصراع لرأيت أنَّه يتسم بأنه صراع صفري في طبعه، فكلا طرفي الصراع يسعى لأن ينهي الآخر، ويقف منتصراً على أنقاضه.

ولو عمقنا التأمل أكثر لوجدنا أنَّ من أبرز الصفات للمنتصر في هذه اللعبة دوماً أنّه يعلم كيف يحرك كامل حجارتها جيداً من "فرس وحصان ووزير وجندي وملك وقلعة" بشكل متناغم منسجم يخدم مصلحة هدف الانتصار الذي يهفو إلى تحقيقه، فتراه يحرك كل حجر بدقة متناهية ضمن مخططه المدروس الذي رسمه في عقله للوصول إلى نصره المنشود.،كصراع الحياة حقاً!

فلو أبدلنا لبرهة حجارة الشطرنج اللعبة برجالات شطرنج الحياة الحقيقية من: الرجل المربي والداعية والسياسي والإعلامي والعسكري والمفكر والكاتب والشاعر والعالم و الاقتصادي.. إلخ، لرأينا التشابه حقاً!

فكل تلك الأدوات عليها أن تتحرك معاً كل من موقعه وتخصصه ومجال إبداعه وإحسانه وتفوقه نحو هدف واحد مشترك متجرد من العلو الشخصي، صاباً أقصى طاقته وبالغاً أقصى ذروته و جهده وهمته صاباً بها لخدمة مشروع أمته في صراعها وسباقها بين الأمم، كل ذلك حتماً ضمن استراتيجيات مشتركة ومدروسة مجدولة ومحددة بزمن للوصول للهدف المنشود.

لو تأملنا في عقلية الفائز في هذه اللعبة لوجدناه دوماً يفكر بعشرات الخطوات للأمام، فتراه تارة يستدرج الخصم، وتارة أخرى يصنع قواعده الدفاعية ليصون الأصول والثوابت، وتراه تارة أخرى يبادر الهجوم ليصنع في الخصم الخسارة الأكبر

ولو تأملنا أيضاً في عقلية الفائز في هذه اللعبة لوجدناه دوماً يفكر بعشرات الخطوات للأمام، فتراه تارة يستدرج الخصم، وتارة أخرى يصنع قواعده الدفاعية ليصون الأصول والثوابت، وتراه تارة أخرى يبادر الهجوم ليصنع في الخصم الخسارة الأكبر.. فالنصر في لعبة الصراع بين الحق والباطل لا يستحقه إلا من يخطط بعمق و يفكر ألف خطوة للأمام،، فيبني الاستراتيجيات ويصوغ الخطط، ويحدد الأولويات ويسد الثغور، ويصيغ المراجعة الراجعة فيتدارك الأخطاء، ويتوقع حركات حجارة الخصم ويدرسها جيداً فيضع أسساً لقواعد المواجهة ويصيغ خطط الاحتياط لكل ما هو مفاجئ ومتوقع.. ويقوي حصونه الدفاعية من خلال تربية أصيلة و صلبة، تشكل المناعة الشاملة في الجيل الذي يصارع الأفكار الأخرى، ولعل التركيز على هذا الجانب بطرق عصرية ومتجددة الطرح معتمدة على الثوابت والأصول هو الأهم لأنه يعتبر من أهم أسس الثبات في وجه التحلل.

وللعجب أيضاً في هذه اللعبة تترسم صور التضحية بأجمل معانيها فقد يضحي الحصان أو الجندي بنفسه ليحمي الوزير الثمين، كذلك حماية حصن الثوابت الذي يجب أن لا يمس!

و تترسم أيضا في هذه اللعبة معاني تصدع القوة النفسية وانهيارها في حال ضربت صدوع الحصن وتم الوصول إلى الملك الثمين، فترى التوتر السائد، وترى التضحية بالثمين لحماية الأثمن تتجلى بأقوى معانيها، وترى تصدع القوة النفسية وبدء انهيارها.. فلو أنك قضيت على الملك الثمين أولا من خلال الهجوم على الحصن من أضعف نقاطه ووصلت إلى الملك الثمين لانتصرت باللعبة ورفعت باقي حجارة الخصم الراية البيضاء رغم أنهم على قيد الحياة لكنهم انهاروا لأنه قد سقط أثمن ما يملكون "الملك"!

ولعلنا نتساءل هل كافة البشرية داخل لعبة شطرنج الحياة ؟!

فإجابة هذا السؤال أن كل من ينتمي لنور الحق، أو لظلام الباطل يقع ضمن هذه اللعبة شاء أم أبى، حتى إن لم يترك أثراً في هذه اللعبة، فلعنا هنا نتذكر كلمة الإمام البنا رحمه الله الذي قال:

"إن كل يوم يمضي لا تعمل فيه الأمة عملاً للنهوض من كبوتها يؤخرها أمداً طويلاً".

فإن لم تشترك في صناعة الأثر فأنت تساهم في الرجوع والتخلف للأمة في سباقها الأممي وفي صراعها نحو الأستاذية والريادة.

كل من ينتمي لنور الحق، أو لظلام الباطل يقع ضمن هذه اللعبة شاء أم أبى، حتى إن لم يترك أثراً في هذه اللعبة

واجبك في هذا الصراع؟

عليك أولا أن تكون صاحب همة وقوة نفسية عالية كتلك الهمة التي وصفها الشاعر:

لا يدرك المجد إلا سيد فطن .. بما يشق على السادات فعال

ثم عليك التزود قبل خوض الصراع، كي تكون سهماً خارقا على عدوك، لا على نفسك وأسرتك ووطنك ومجتمعك وأمتك.

هو أن تعمل في رقي ذاتك أولاً، فتزرع في نفسك صلابة الإيمان والعقيدة ومناعة الفكر وقوة الثفاقة، وتميز التخصص، وجمال الأخلاق، ووسطية واعتدال الفكر، وإحسان العمل، وتميز التربية للأبناء.

عند التزود والتجهز عليك بخوض الصراع بجسارة وقوة همة عالية، لتصب في مجال تخصصك ما يخدم أمتك ويجعلها رائدة في مجالك، كحجارة الشطرنج جيداً فالفرس له مهمة وحركاته محددة وكذلك الجندي والقلعة.!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

القدس توحدنا

أرض بارك الله فيها وأقسم بثمارها وأعلى شأنها.. ملأ عبيرها الكون وفاحت أزقّتها برائحة الزيتون …