صيام واعتكاف ونفحات مقدسيَّة في شوَّال

الرئيسية » خواطر تربوية » صيام واعتكاف ونفحات مقدسيَّة في شوَّال
arab21515

قد ذقنا يا رب حلاوة الصيام والقيام وتلاوة القرآن في أيام رمضان المباركات ولياليه النيرات.

لم يكن الصيام عسيراً، كما لم يكن القيام ثقيلاً، وما زادت الأرواح بهما إلا صفاءً ورقة وارتقاءً..

كان رمضان محطة إيمانية ارتفعت معها الهمم، وقويت فيها العزائم، وتطلعت الأنفس وتشوفت للمزيد من الطاعات والقربات..

تلك هي مشاعر المسلم الصادقة وهو يطوي صفحات شهر رمضان المبارك، فلا غرابة أن يدفعه انقضاء موسم الخيرات والطاعات إلى تكرار أيامه ولياليه الغرَّاء بالمبادرة إلى صيام أيَّام من شهر شوَّال، يستعيد معها تلك اللذة الغامرة والأحاسيس الباهرة المصاحبة للطاعة في ذلك الشهر الفضيل.

إنه الشعور الذي يتبع كل موسم إيماني تصفو فيه الأرواح وترتاح، فكأنها في روح وريحان في واحات وارفة لا لغو فيها ولا بهتان، لكأني بها تحاكي ملائكة الرحمن في رقتها وخضوعها للملك الواحد الديّان، ونفورها من هوى النفس ومسالك الشيطان.

إنه الوقت الأمثل لنفسٍ صقلتها الطاعة حتى تهيأت لجني ثمارها ذكراً طويلاً وتسبيحاً دائماً لله، وخِفَّةً ونشاطاً لطرق أبواب البر والخير، امتثالاً لربٍّ غفورٍ توَّابٍ يعلم بخفايا النفس وخباياها، وما يصلح شأنها ويشدُّ أزرها ويعزز خشيتها وتقواها.. ينادي أنفساً أحبته حباً فاق حبها للوالد والولد والناس أجمعين: "فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشدَّ ذكرا".

وإذا كان الله يريد بنا اليسر في أداء فريضة صيام شهر رمضان ولا يريد العسر بنا، فمن باب أولى ألا يكون في اتباع صيام الفرض بصيام التطوع عسر ومشقة، وهو ما سيجعل الذي تنعم بالفرح والسرور عند كل فطر يفرح ويسر مجدداً مع كل يوم يصومه في شوَّال، وياله من فرح يتلوه فرح، بل أفراح في الآخرة عند لقاء الكريم الحنَّان المنَّان، ودخول الجنَّة دار الأفراح.

إن المسارعة والمسابقة إلى إتباع رمضان بصيام ستٍّ من شوال فيه من علامات قبول العمل والتوفيق في رمضان، وفيه من حسن التأدب مع الله بالإقرار له بأن بضاعتنا مزجاة وأن صيامنا مخرَّق بالمعاصي والذنوب يحتاج إلى أن نرقعه بكثرة الاستغفار وصيام التطوع. دلَّ على ذلك ما ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ أوَّلَ ما يحاسبُ بِه العبدُ يومَ القيامةِ من عملِه صلاتُه، فإن صلحت فقد أفلحَ وأنجحَ، وإن فسدت فقد خابَ وخسرَ، فإن انتقصَ من فريضته شيئًا قالَ الرَّبُّ تبارك وتعالى: انظروا هل لعبدي من تطوُّعٍ، فيُكمَّلَ بِها ما انتقصَ منَ الفريضةِ، ثمَّ يَكونُ سائرُ عملِه علَى ذلِك).

الراوي: أبوهريرة، المحدث: الألباني، صحيح الترمذي، الصفحة أو الرقم: 413، خلاصة حكم المحدث: صحيح

ومن سائر العمل الوارد في الحديث صيام رمضان الذي نحتسب على الله تعالى أن يجبر كسره ويتجاوز عن الأخطاء والزلات فيه بصيام التطوع.

وإذا كان صيام رمضان يمتاز بإحاطته بكوكبة مضيئة مباركة من الطاعات كالقيام وتلاوة القرآن وبذل الصدقات والالتزام بالجمع والجماعات وإكثار الخطى إلى المساجد والاعتكاف فيها، فإن الكيِّس الفطن من يبادر إلى "رمضنة" شوَّاله وتزيينه بألوان الطاعات والقربات، ولنا في الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة فقد حدثتنا أمّنا الصدِّيقة عائشة رضي الله عنها بأنه "اعتكف عشراً من شوَّال" متفق عليه. والاعتكاف خلوة مليئة بأصناف الذكر والمناجاة والتهجد بالليل والابتهالات. ومعه تهب نسائم رخيّة مقدسية تذكر بالمسجد الأقصى المبارك الذي يتوسد حديثاً عن حذيفة بن اليمان رضي الله قوله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا اعتكافَ إلا في المساجدِ الثلاثة".

المحدث: الألباني، المصدر: السلسلة الصحيحة، الصفحة أو الرقم: 6/667، خلاصة حكم المحدث: إسناد صحيح على شرط الشيخين.

وبعيداً عن أقوال العلماء الفقهية فتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم تلك المساجد المباركة بتلك العبادة العظيمة تجعل لها ميزة عن غيرها من بيوت الله، وترسخ أفضليتها على غيرها في تلك الطاعة كحالها في أبواب كثيرة أخرى من أبواب الخير. ولله درّ من وعى ذلك وجعل من وظائف شهر شوّال الاعتكاف في أحد المساجد الثلاثة (المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى)، فيا لفرحة وبهجة أبناء القدس الصامدين الصابرين المصابرين الثابتين المرابطين الذين يعمرون مسجدهم الأقصى بسائر الطاعات ويغيظون الصهاينة المحتلين بالتصاقهم به وتشبثهم بحقهم والمسلمين وحدهم –دون غيرهم- بالتواجد فيه، وإعماره بالصلاة والتسبيح والتكبير والتهليل والاعتكاف فيه. إنه اعتكاف لا كأي اعتكاف، ينوبون فيه عن أمة المليار وسبعمئة ألف مسلم في الدفاع عنه ببصمة جباههم على أرضه، وتراتيلهم المترددة في فضاءاته، ودمائهم المخضبة لترابه.

إنه شهر شوَّال يدعو أمة الإسلام أن تخرج من مُنكَفئها لتحرر معتَكَفها، يدعوها أن تتبع فريضة الصيام بفريضة الجهاد ذروة سنام الإسلام وسبيلها إلى تطهير أقصاها من رجس اللئام. إنه شهر حمراء الأسد يهيب بها أن تضمد جراحها وقروحها لتواجه المرجفين المثبطين المخوِّفين لها بكثرة المجتمعين من الناس مع بني صهيون، وتردَّ عليهم بالذي قاله أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل"، حينها سينقلب حال أمتنا بنعمة الله وفضله -لا يمسسها سوءاً- نصراً وتمكيناً وتكبيراً على تخوم جبل المكبر، لتطل بعد طول غياب على ساحة الاعتكاف الأبهى والأجمل، فيفرح توأميها الشقيقين بمكة والمدينة بنصر الله القريب ويكبر المعتكفون بهما مرددين الله أكبر الله أكبر الله أكبر، فيما جنبات الأقصى تخشع لأصوات الفاتحين والمرابطين المعتكفين فيه بنداء "ولله الحمد".

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

في ذكرى مولده…بعض خصائصه العجيبة صلى الله عليه وسلم

محمد صلى الله عليه وسلم النبي الأمي، الذي قال الله عنه: {هو الذي بعث في …