كفاكم انغلاقاً وانسحاباً من الواقع!

الرئيسية » بصائر الفكر » كفاكم انغلاقاً وانسحاباً من الواقع!
islolation-alone3
يعتمد النجاح لأي فكرة على مدى الانتشار والقبول الذي تحظى به من قبل الناس ، فالالتفاف حولها وتبنيها من قبل الآخرين –دون قمع أو إجبار- يعتبر شريان حياة لها، وفي نفس الوقت يعبر عن قوتها ورسوخها داخل هذا #المجتمع، مما يعني صعوبة اقتلاعها منهم، وضراوة محاربتها حال المواجهة والصدام من قبل أعدائها.

ويشمل الالتفاف الشعبي حول فكرة ما، اعتبار الداعين والمنظرين لها قدوات ونماذج يحتذى بهم في تطبيق ما يدعون له، وسيرة حياتهم تعتبر مشعلاً يلتمس بها أثناء السير خلف #الدعوة وتحقيق الهدف، فالناس يسعون لأن يكونوا مثلهم، نبراساً فيما هم يدعون إليه وينادون به.

ولهذا فإن من أهم أسباب انتشار الفكرة بين الناس، عامل القدوة والنموذج المقدم للآخرين، لأنه يعتبر تجسيداً وتطبيقاً لها على أرض الواقع، كما أنه لا يحوي على نظريات مجردة، أو فلسفات وتنظيرات فكرية بعيدة عن الواقع، بقدر ما يترجم كل التنظيرات والرؤى إلى سلوكيات تتلقفها النفس من خلال الحواس المختلفة.

ومن المهم في هذا الصدد، أن الناس لا يمكن أن يقبلوا على فكرة ما، إذا لم تنقل حواسهم ما يشجعهم على تبنيها واتباعها، بل إن الحواس نفسها قد تكون سبباً لرفض الفكرة الصحيحة، إذا كانت الترجمة سيئة، مما يعني بمثابة التسويق السيء للبضاعة الجيدة!

من أهم أسباب انتشار الفكرة بين الناس، عامل القدوة والنموذج المقدم للآخرين، لأنه يعتبر تجسيداً وتطبيقاً لها على أرض الواقع

ولأن التجسيد العملي للأفكار أمر مهم، فإننا نجد العديد من النصوص الشرعية التي تناولت موضوع الدعوة وأشارت إلى مفاتيح هامة تساهم في نجاح الفكرة..

- {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} [آل عمران:159].
- {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم} [التوبة:128].
- {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين} [فصلت:33].

والمقام لا يستدعي حشد الآيات وسردها جميعاً، لكن القرآن زاخر بهذه الآيات التي تتكلم حول صفات الداعية وما يجب أن يتحلى به في دعوته للناس.

لكن ما ينبغي الإشارة إليه، أن هذه الآيات وغيرها، لم تشر إلى صفات الداعية وما يجب أن يتحلى به إلا لبيان أن الدعوة لا تتم إلا بمخالطة الناس، والنزول إليهم، ومعايشتهم، وإقناعهم بما يحمله الداعية من دعوة وفكر ومنهج .

وللتأكيد على هذا المعنى نجد أن المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من ذلك الذي يعتزلهم ولا يخالطهم كما جاء في الحديث الشريف الذي رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما بسند صحيح.

فالأصل مخالطة الناس لا الانعزال عنهم، لأن #الانعزال يجعل الناس فريسة للأفكار الهدامة، فيحيدوا عن طريق الحق وسبيل الهداية، ولهذا قام الأنبياء بهذا الدور، وذكر الله الكثير من صور تلك المعاناة في القرآن الكريم، ليؤكد أن مخالطة الناس ودعوتهم ليست مفروشة بالورود، وأن العوائق التي نواجهها في دعوتنا اليوم هي نفس التي واجهها الأنبياء من قبلنا، إلا أنهم ما وهنوا وما استكانوا وما تركوا واجبهم رغم كل صنوف الأذى والجحود التي واجهوها.

الأصل مخالطة الناس لا الانعزال عنهم، لأن الانعزال يجعل الناس فريسة للأفكار الهدامة، فيحيدوا عن طريق الحق وسبيل الهداية

واليوم نجد حالة من الإنكار لهذا المنهج، ودعوة للانعزال عن الآخرين، وصناعة مجتمع ملائم على المقاس المراد من قبلهم، فيصبحوا وكأنهم يعيشون بواد بعيد عن شعبهم ومجتمعهم.

فهذا المجتمع يضم أفراداً معينين، يتوافقون في الفكر والمنهج وطريقة التعاطي مع المجتمع، وطريقة الانتقاد أو السلبية وغير ذلك، وهؤلاء لا يمكن أن يجتمعوا على أمر إيجابي، لأن فكرة الانعزال هي فكرة سلبية مخالفة للسنن الإلهية والمجتمعية في تغيير الشعوب والأمم.

ولا أتحدث هنا عن الأحزاب أو الجماعات بشكل عام، طالما أنها منفتحة على المجتمع، تحاول إقناع الآخرين بالفكر والمنهج الذي تتبناه، وإنما عن فئة ربما تكون تابعة لأطر حزبية أو تنظيمية إلا أنها تقدم الخمول على التفاعل، والانسحاب على الاختلاط، وتؤثر الانتقاد على التغيير والإصلاح.

وما يحزن حقاً، أن أولئك المنعزلين، يحملون فكراً إسلامياً، ويدعون إليه، فلو كانوا من أهل الباطل لقلنا أن في انعزالهم راحة للمجتمع، لكن أن يكون المنعزل صاحب فكر إسلامي، يهدف إلى إصلاح المجتمع، وأسلمته، فإن فيه أضراراً كثيرة على عدة جوانب:

1- المجتمع نفسه: فانعزال أولئك النفر يعني ترك الساحة لآخرين، قد يكونوا أصحاب منهج صحيح، وقد يكونوا أصحاب منهج منحرف، مما يعني أن المجتمع سيكون رهينة لأولئك الذين يسدون ذاك الفراغ، وسيتأثر المجتمع بهم، على مرأى ومشهد من أولئك المنعزلين الذين يتحملون جزءاً كبيراً من المسؤولية عن هذا الأمر.

2- المنعزلون: فكلما آثر المرء الانعزال والانسحاب، فإن العودة تصبح أصعب، وثقة الناس به تندثر وتتلاشى ، ويزداد الأمر صعوبة إذا وصف أولئك المنعزلون مجتمعهم بالجهلة، أو عباد الأوثان والمناصب، أو المنافقين، أو غير ذلك من الأوصاف التي تدمر أي طريق لعودة أولئك لمجتمعهم وتغييرهم فيه. ناهيك عن نظرة المجتمع السلبية لهم، إذ يعتبرونهم بانعزالهم أشبه بالمتكبرين وأصحاب المقامات العاجية، مما يورث في نفوسهم حقداً وضغينة عليهم.

3- الفكرة الإسلامية: إن طريق الانعزال والانسحاب الذي يسلكه أولئك يؤثر على الفكرة التي يتبنوها بشكل سلبي للغاية، فلو كان أولئك تابعين لجماعة أو حزب ما، فإن الصورة السلبية التي يكونها المجتمع لن تكون عن أولئك النفر، بقدر ما تكون أشمل للفكرة ذاتها، مما يعني تدمير كل شيء إيجابي تقدمه الجماعة أو الحزب أو الحركة للناس، بتصرف جاهل من بعض أفرادها. ولهذا الأصل على القائمين، أن لا يدعوا أولئك النفر يتصرفون باسمهم، سواء في الانعزال أو اتخاذ مواقف شخصية تخالف ما تربوا عليه من أفكار ومبادئ، ويأخذوا على أيديهم، ولا يدعوهم يشوهون سمعتها لمواقف اندفاعية وغير موزونة.

لو كان أولئك المنعزلون تابعين لجماعة أو حزب ما، فإن الصورة السلبية التي يكوّنها المجتمع لن تكون عن أولئك النفر، بقدر ما تكون أشمل للفكرة ذاتها

متى نلجأ للانسحاب

قبل أن أتكلم عن ذلك، أشير إلى أن البعض قد يحتجوا بقول إبراهيم عليه السلام في سورة مريم: {وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا} [مريم:48]. وهذه لا تصلح للاحتجاج هنا، لأن الاعتزال أو الانسحاب الذي قام به إبراهيم عليه السلام، لم يكن لمجتمع مؤمن، وإنما لمجتمع يشرك بالله، ويعبد الأصنام، ويهدد إبراهيم عليه السلام بالرجم وإلحاق الأذى.

إن الانسحاب قد يكون مقبولاً حال كون المجتمع كافراً بالله، لا يلتقي مع الداعين إلى توحيده على أية قواسم مشتركة، أما أولئك العصاة، والمذنبون، ومن تاهوا عن طريق الحق رغم إيمانهم به، فإنهم أحوج إلى الاختلاط بأولئك الخيّرين حتى ينيروا عقولهم لطريق الهدى والصواب.

والانسحاب أو الانعزال مقبول إذا قصد منه الانعزال عن الفتن والوقوع فيما عمت به البلوى من الأخطاء والمعاصي ، فهذا لا شك أنه قد يكون فيه عزلة شعورية، وإن لم يكن عزلة بدنية أو وجودية، بمعنى أن اختلاطي بالناس لا يعني بأي حال أن أكون مثلهم، بل أنسحب من الوقوع فيما يقعون به، وأنعزل عما اقترفوه من معاصٍ وآثام.

وجمهرة العلماء على رأسهم الشافعي وأحمد بن حنبل، وعدد كبير من أهل العلم، كانوا يقولون بأفضلية مخالطة الناس على انعزالهم. يقول الإمام النووي رحمه الله: "اعلم أن الاختلاط بالناس على الوجه الذي ذكرته - أي من شهود خيرهم دون شرهم، وسلامتهم من شره - هو المختار الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وكذلك الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين وأخيارهم، وهو مذهب أكثر التابعين ومن بعدهم، وبه قال الشافعي وأحمد وأكثر الفقهاء رضي الله عنهم أجمعين".

حريٌ بنا أن نعتبر ونتفهم، أن واقعنا الصعب، وفي ظل تساقط العلماء والدعاة الرهيب والمشهود، يتطلب منا وقفة جادة ليس لسد الخلل أو إصلاح المجتمع فحسب، وإنما لحماية المجتمع من ردة حقيقية على كل ما هو إسلامي

والخلاف لم يكن لأجل الانعزال عن الدعوة والانسحاب من القيام بها، وإنما الانعزال لأجل العبادة، والحفاظ على الدين والإيمان، وهو مقصود وواضح في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الذي وازن بين الأمرين، حيث قال رحمه الله في مجموع الفتاوى: ".. فحقيقة الأمر: أن "الخلطة" تارة تكون واجبة أو مستحبة، والشخص الواحد قد يكون مأمورا بالمخالطة تارة وبالانفراد تارة. وجماع ذلك: أن "المخالطة" إن كان فيها تعاون على البر والتقوى فهي مأمور بها وإن كان فيها تعاون على الإثم والعدوان فهي منهي عنها. فالاختلاط بالمسلمين في جنس العبادات: كالصلوات الخمس والجمعة والعيدين وصلاة الكسوف والاستسقاء ونحو ذلك هو مما أمر الله به ورسوله. وكذلك الاختلاط بهم في الحج وفي غزو الكفار والخوارج المارقين وإن كان أئمة ذلك فجارا وإن كان في تلك الجماعات فجار وكذلك الاجتماع الذي يزداد العبد به إيمانا: إما لانتفاعه به وإما لنفعه له ونحو ذلك. ولا بد للعبد من أوقات ينفرد بها بنفسه في دعائه وذكره وصلاته وتفكره ومحاسبة نفسه وإصلاح قلبه وما يختص به من الأمور التي لا يشركه فيها غيره فهذه يحتاج فيها إلى انفراده بنفسه؛ إما في بيته، كما قال طاوس: نعم صومعة الرجل بيته يكف فيها بصره ولسانه، وإما في غير بيته. فاختيار المخالطة مطلقاً خطأ واختيار الانفراد مطلقاً خطأ".

لذا حريٌ بنا أن نعتبر ونتفهم، أن واقعنا الصعب، وفي ظل تساقط العلماء والدعاة الرهيب والمشهود، يتطلب منا وقفة جادة ليس لسد الخلل أو إصلاح المجتمع فحسب، وإنما لحماية المجتمع من ردة حقيقية على كل ما هو إسلامي، بسبب رضوخ أولئك "الدعاة" لما تطلبه منهم السلطة، حتى لو كانت معصية واضحة، وإثماً بيناً لا شك فيه!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب فلسطيني، حاصل على الدكتوراه في الفقه وأصوله، متخصص في موضوع السياسة الشرعية.

شاهد أيضاً

قضايا المرأة بين التيار النسوي وبين خطابنا الشرعي

باتت القضايا النَّسوِيَّة، واحدةً من أهم مجالات النقاش والجدل في واقعنا المجتمعي، وأخذت حيِّزَها في …