كيف يختار طالب الثانوية العامة تخصصه الجامعي؟

الرئيسية » خواطر تربوية » كيف يختار طالب الثانوية العامة تخصصه الجامعي؟
learning-university17

نشأت رهبة مرتبطة بثقافتنا السائدة على مدار سنين طويلة بأن #الثانوية العامة هي المحطة الأصعب في تاريخ الإنسان، نشأت معها ضغوطات كبيرة من الأهل على الطلبة ومن الأهل على أنفسهم، وحقيقة الأمر أن الثانوية العامة هي محطة بداية لطريق طويلة مليئة بالإثارة والتشويق والتعب.

وليست العلامات هي المعيار لخوض هذه التحديات، فكم من الأذكياء والحاصلين على درجات مرتفعة لا يستطيعون تدبير أمورهم الحياتية؛ لأن العلامات لا تختبر ذكاء التلاميذ، ولا قدرتهم على النجاح في الحياة، فكم من قليلي تحصيل علمي كثيري تجربة وعمق ودراية في الحياة، لذلك لا ترهقوا الطلبة ولا أنفسكم.

فاصل قصير: أنت في حيرة من أمرك بشأن تخصصك الجامعي، الوالد يريد الهندسة، أنت تريد الإعلام، والوالدة تريد العلوم التطبيقية... ما الحل؟ ومن على صواب؟ ومن صاحب القرار؟

صاحب القرار الأول والأخير أنت، وتخصصك الجامعي يعتمد على ثلاث نقاط رئيسة قبلها سأرسل لك همسة في الأذن: "الوظيفة هي أسوأ أشكال العبودية في العصر الحديث".

أولاً: الرغبة. عليك دراسة الشيء الذي تحبه أنت وأعطي الرغبة 60% على حساب النقاط التالية، لأن أفضل إنتاجية يقدمها الإنسان أي "الطاقة المثلى للإنتاج" هي حينما تدرس ما تحب، فتحب ما تعمل، فتبدع فيه، والرغبة مرتبطة بحب العمل الذي ستعمل فيه مستقبلاً، لأن التمتع في الدراسة والعمل جزء أساسي من الكفاءة والفعالية، فلا تخجل حينما تكون حاصلاً على معدل مرتفع ولكن رغبتك نحو دراسة تخصص بسيط لا يدخله سوى أصحاب الدرجات المنخفضة. أنت ستكون الأفضل بينهم، لأنك تدرس ما تحب، ولو عارضت رغبتك في الدراسة ستكتشف أنك لا تمتلك المهارات الأساسية للتخصص الذي فرضه عليك والداك لتغير التخصص بعد عامين من الدراسة ويضيع جزءاً من جهدك ووقتك ومالك هباءً منثورا.

استراحة قصيرة: كيف يتميز الناس؟ ولماذا نقول أن فلان نجَّار محترف، وفلان طبيب رائع، وفلان أستاذ مميز؟ لأنهم يتمتعون فيما يخدمون، ويطورون أنفسهم... إنهم يتمتعون أكثر مما يتعبون، إنها لعبة المتعة.

ثانياً: القدرة. أقصد هنا في القدرة أن تمتلك المهارات الأساسية أو المؤهلات المطلوبة للتخصص الذي تود دراسته، والقدرة المادية لتلتحق فيه، مثلاً كيف لشخص مشلول أن يتعلم الموسيقى، أو شخص ضعيف في الرياضيات ولكنه يحبها يريد أن يتخصص بها، فالرغبة مرتبطة بالقدرة، يعني قدرتك على امتلاك المهارات الأساسية للتخصص هو مفتاح الرغبات، والقدرة هنا ليست القدرة العقلية فقط بل المادية والمكانية والزمانية، يعني كيف ستدرس في جامعة مرتفعة السعر بمبلغ مالي كبير وأنت لا تستطيع توفير هذا المبلغ؟ ولماذا ستدرس في مكان بعيد ولديك تخصص مشابه في جامعة قريبة؟

قدرتك على امتلاك المهارات الأساسية للتخصص هو مفتاح الرغبات، والقدرة هنا ليست القدرة العقلية فقط بل المادية والمكانية والزمانية

ملاحظة: ألمانيا تقيس قدرات الأطفال ورغباتهم في سن مبكرة من الدراسة، وتوجههم منذ البداية لتطوير المهارات الأساسية والإبداعية لهذا التخصص.

ثالثاً: الفرصة. جميل جداً أن تبحث عن المجالات التي يحتاجها السوق والدراسة فيها، والأجمل أن تبحث عن التخصصات الجديدة التي تفتح بناءً على طلب السوق، ولكن صدقني أن الفرص اليوم تصنع، ولم يتبق في السوق ما يكفي من الفرص لملاحقة جيوش الخريجيين، وكل المجالات امتلأت وما يحدث استقطاعاً للوظائف وتقليل للرواتب مقابل استيعاب الخريجين، وهذا على حساب حقوقهم، لذلك فكر في الفرصة التي تقودك لمشروعك الخاص... وحتى نكون واقعيين فلنتابع حاجة السوق من خلال مواقع الإحصائيات الحكومية، وأنواع الوظائف التي يحتاجها العالم اليوم، وحقيقة أن التعليم المهني والتطبيقي ما زال يثبت نجاحاً كبيراً وهناك شواغر كثيرة فيه، فتخيل كم من الوقت تحتاج لكي يأتيك السباك للبيت، وكم سيكون رقمك في الدور؟ وسترى أن ثمن يده لتصليح ثلاجة بيتك مثلاً تساوي ثمن كشفية الطبيب فلا تستعجل ولا تستغرب.

همسة في الأذن: أكثر الوظائف المطلوبة "الإحصاء، وصناعة المحتوى الإلكتروني، ومختص في الأمن المعلوماتي، ومختص في علم الأدوية والأوبئة، ومختص في كيمياء الطعام".

ملاحظة: الإسبانيون يعلمون أبناءهم في المدارس أن عهد الوظائف انتهى وعليكم أن تصنعوا مشاريعكم ووظائفكم بنفسكم، والفرصة ما زالت أكبر في التعليم التطبيقي.

بين الثلاث نقاط السابقة "الرغبة، والقدرة، والفرصة" يبدأ خريج الثانوية العامة بحثه عن مسار حياته الذي سيتشكل بيديه، تساؤلات في انتظار الإجابة... ماذا أحب أن أدرس؟ وماذا أريد منه؟ وما هي الفرص في مجال تخصص الدراسة؟ وكيف يمكن لي الوصول إلى القمة وتحقيق نجاح في وقت قياسي؟ وهل أملك القدرات لدراسة التخصص الذي اخترته؟ وإذا استطاع خريج الثانوية العامة الإجابة على هذه التساؤلات سيضع قدمه على الطريق الصحيح لمستقبله.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب صحافي من غزة حاصل على درجة الماجستير في الاقتصاد السياسي، متخصص في الشأن السياسي والقضايا العامة، وعمل مع العديد من الصحف والمواقع العربية والأجنبية، شارك في كتاب عن "الأسرى الفلسطينيين" نشر بعدة لغات. أعد مجموعة كبيرة من المقابلات الصحفية والتوثيقية مع مجموعة من صناع القرار والقادة الفلسطينيين، وأنجز مجموعة من التحقيقات الصحفية الاستقصائية.

شاهد أيضاً

ليس صحيحاً أنّ قدر الله لا يأتي إلا بالخير

كثيراً ما يعزي الناس بعضهم في المصائب والملمّات بقولهم: "قدر الله لا يأتي إلا بالخير" …