واجب الوقت.. الحياة أم الموت في سبيل الله؟

الرئيسية » خواطر تربوية » واجب الوقت.. الحياة أم الموت في سبيل الله؟
LIFE2

يختلط الأمر على كثير من العاملين في طريق الدعوة اليوم خاصة من الشباب المتحمسين في أولوية كل مرحلة، وما هو الأكثر نفعاً للدين، هل هو بذل النفس رخيصة في سبيل الله سبحانه في أول لقاء غير معد له مع العدو؟ أم تربية هذه النفس والصبر عليها وإعدادها لبناء مجتمع إسلامي متين يكون أرضاً صلبة ينطلق منها الدين مدافعا عن حرية الناس وحقوقهم لتحقيق أهم مبدأين بني عليهما دين الإسلام وهما:

- الحرية الواعية التي تضمن الفرصة كاملة للاختيار في ظل حماية مجتمعية واعية للفرد.

- تحقيق العدالة السماوية المطلقة والتي تضمن المستوى الملائم لإعداد جيل يتمتع بكرامته ويحصل على كافة حقوقه.

ومع عظم أجر #الشهادة ومكانتها في الإسلام ومكانة الشهيد وما له من كرامات، إلا أنها تستلزم الكثير من الشروط كي تبلغ درجة الشهادة وليس إهدار النفس دون مقابل.

قيمة النفس في الإسلام

لقد كرم الله عز وجل الإنسان الذي خلقه بيده وحرم ظلمه والتعدي عليه بأي نوع من أنواع التعدي النفسي أو الجسدي، ووضع حدوداً وثوابت للحفاظ على مقومات حياته وكرامته وحريته وذريته ودينه ومن قبل كل هذا نفسه فقال سبحانه: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151]. وقال: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّـهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]، وقد حرص نبي الإسلام على تلك النفوس حتى يكاد يموت كمداً إذا تفلتت منه نفس إلى النار فيقول رب العزة عنه: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3].

الإسلام أحرص على هداية الناس من ضلالهم وعلى حياتهم من قتلهم، ومهمة المسلم أكبر بكثير من أن يضحي بذاته في سبيل هدف لا يسمو إليه

فالإسلام أحرص على هداية الناس من ضلالهم وعلى حياتهم من قتلهم، ومهمة المسلم أكبر بكثير من أن يضحي بذاته في سبيل هدف لا يسمو إليه، فهدف المؤمن عبادة الله، وتعبيد الناس لله، ورفع اسم الله في الأرض طواعية لا إكراها، حبا ورضوخا واستسلاما لا جبراً، فالمهمة تستوجب وجود ذلك المؤمن الواعي متحملاً في سبيل مهمته أذى البعض وخذلان البعض له صابراً مثابراً على مخالطة الناس كي يبلغ كلمته كما بلغها حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم.

لن تموت في سبيل الله قبل أن تحيا في سبيله

يجب أن نعي أنه لا بد من أن يكون للإسلام دولة وأرض ثابتة يقف عليها، ومسلمون يمثلونه يحملون فكرته ويعملون بمقتضاها ويطبقون أحكامه ويدعون له، بدؤوا من حيث بدأ النبي صلى الله عليه وسلم مع صحابته وليس من حيث انتهى، انغرست العقيدة في نفوسهم فصارت جزءاً من كينونتهم والمحرك الأساسي لسعيهم في الأرض، وصحت العبادة في أبدانهم فخلت من شوائب البدع، وعلت الشريعة في قلوبهم فلا يدينوا لبشر من دون الله ولا يخافون في الله لومة لائم، لهم علماء لا يخشون إلا الله، ولهم حكام يعملون خداماً للأمة ومصلحتها منطلقهم.

باختصار يجب أن يكون للإسلام أمة ولو كانت عدة أفراد لا يتعدون عدد الصحابة، وأرض ولو كانت عدة أمتار لا تتعدى مساحة المدينة المنورة، يبذلون كل طاقتهم في نشر الفكرة، ويعدون أقصى ما يطيقون لإرهاب عدو الله وعدوهم، وحين يحدث ينطلقون من تلك الأرض وبتلك النفوس بتكليف الله لهم ليحققوا خيريتهم على سائر الأمم {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:110]، فقبل الشهادة وقبل الجهاد وقبل الموت في سبيل الله، هنا خطوة لا يمكن البدء إلا بتحقيقها وهي أن تحيا أولاً في سبيل الله. بالإضافة إلى تحرير المجتمع من جاهليته الغارق بها. وتحرير الناس وإعطائهم الخيار كي يكونوا مسلمين حق الإسلام، وتعليمهم كيف يكونوا مسلمين.

قبل الشهادة وقبل الجهاد وقبل الموت في سبيل الله، هنا خطوة لا يمكن البدء إلا بتحقيقها وهي أن تحيا أولاً في سبيل الله.
ذلك هو واجب الوقت، وإلا فأين هي دعائم ومكونات الدولة حين تموت في مهدها، ومن يحمل الدين إلى بقاع الأرض إذا مات من يحملونه قبل أن يتحركوا به؟ وفي سبيل ماذا يموتون؟

شروط الشهادة

وهنا يمكن أن نتحدث عن شروط الشهادة، فعن أبي موسى الأشعري أن رجلاً أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قاتل لتكون كلمة الله أعلى فهو في سبيل الله" (متفق عليه).

والفارق في كل الحالات هي النية، فالمرء الذي يذود عن أهله إذا اعتدي عليهم معتد فقتل فهو عند الله شهيد؛ لأنه رفض الانصياع للاعتداء والاستسلام له كما أمرك بذلك النبي عليه الصلاة والسلام حين سئل عن الرجل يأتيه الإنسان ويقول له: أعطني مالك؟ قال: "لا تعطه" قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتله"، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "إن قتلك فأنت شهيد".

قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "إن قتلته فهو في النار".

دعاء سعد بن معاذ ودرس في الأولويات

جرح سعد بن معاذ في غزوة الأحزاب وبعد انتهائها اشتد على سعد جرحه، فنظر سعد إليه وقال: “اللهم إن كنت قد أبقيت من حرب قريش شيئاً فأبقني حتى أشهدها فإنه ليس أحب إلى من أن أغزو قوماً كذّبوا رسولك وآذوك، وعذبوه وأخرجوه، وإن كنت لم تبعد بيننا وبين قريش حرباً، فأفجر هذه الجراحة واجعلها شهادة لي، ولا تمتني يا رب حتى تقر عيني من بني قريظة”، فما أن حكم حكمه في بني قريظة حتى انفجر جرحه وكان فيه شهادته، ولقي ربه رحمه الله.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة مصرية، مهتمة بالشأن الإسلامي العام، حاصلة على بكالوريوس إعلام من جامعة القاهرة، وكاتبة في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية، لها العديد من المؤلفات المنشورة، مثل: المنهاج في الدروس المسجدية للنساء، معالم على طريق التمكين الحضاري، وأبجديات الثورة الحضارية وغيرها.

شاهد أيضاً

الغيرة: فريضة غائبة وسُنَّة منسية (1-2)

إن الغيرة من الأخلاقيات الأساسية التي حرص الإسلام على غرسها في نفوس أتباعه، بل وامتدح …