الدروس المستفادة من معركة السيطرة على الأقصى

الرئيسية » ملفات خاصة » المسجد الأقصى » الدروس المستفادة من معركة السيطرة على الأقصى
aqsa4

تسمّرت الوجوه واشرأبّت الأعناق على الشاشات لمتابعة آخر التطورات في #الأقصى الأسير خلال الأسبوعين الماضيين بعد عملية الجبارين الثلاثة التي أشعلت صراعاً في الإرادة بين الاحتلال وأهل #القدس خاصة و#فلسطين عامة، حاول فيه المحتل أن يفرض نمطاً معيناً على دخول الفلسطينيين للمسجد، من خلال فرض البوابات الإلكترونية والكاميرات المتطورة بحيث يخضع كل مصل إلى تفتيشٍ دقيقٍ ومهينٍ عند كل صلاة؛ تنفيذاً لأجندة صهيونية لفرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى.

وهنا كان قرار المقدسيين بكل أطيافهم ومراجعهم الدينية التصدي الحازم لهذا العبث الصهيوني، ورفض جميع إجراءات الاحتلال في التحكم بدخول المصلين إلى المسجد الأقصى، وقد انتصرت إرادة المقدسيين ومن ورائهم كل فلسطين في إجبار الاحتلال على التراجع عن هذه الإجراءات والتغييرات على الوضع القائم سابقاً، وسجل التاريخ دخول جموع المقدسيين والفلسطينيين المسجد الأقصى من جميع أبوابه مهللين مكبرين في فرحة غامرة تعبر عن تحقيقهم الانتصار في امتحان الإرادة مع المحتل الغاصب.

وهنا نود أن نقف وقفات لأخذ الدروس والعبر من هذا الحدث المميز الذي هلل له المسلمون في أرجاء المعمورة، محاولين استشراف المستقبل مستفيدين من دروس الماضي وحقائق الصراع مع يهود على مدار التاريخ.

الدرس الأول: الوحدة في الموقف بين القيادة والشعب، وقد تجلت في توافق القيادة الدينية في القدس والمسئولة عن المقدسات الإسلامية مع عامة الشعب الثائر المطالب بحقه في الصلاة في الأقصى بدون قيود، ولم تغير القيادات الدينية موقفها إلا عندما حقق الاحتلال مطالب الشعب الثائر بإزالة كل القيود المفروضة على الصلاة والدخول إلى المسجد الأقصى، بل وفتح جميع أبواب المسجد دون استثناء، وقد تجلت هذه الوحدة في الموقف في تناغم تام أمام الإعلام مما أكسب الموقف الفلسطيني قوة دافعة جعلت القيادة السياسية توقف التنسيق الأمني مع العدو، وتصر على تحقيق مطالب الشعب في هبته المباركة للأقصى.

وتعد وحدة الموقف أساساً في الكفاح لتحقيق أي مطلب، وهو ما يدعو القيادات السياسية إلى مراجعة مواقفها الخلافية على الخلفية الفصائلية، وخلق حالة من التضامن والوحدة في مواجهة عدو شرس يتمتع بكل أسباب القوة، بل ويبطش بمقابله دون رحمة.

على مدار التاريخ الصراع مع اليهود في المنطقة، استفاد الاحتلال من الخلاف الفلسطيني الفلسطيني، ومن الخلاف الفلسطيني العربي، ومن الخلاف العربي العربي

وعلى مدار التاريخ الصراع مع اليهود في المنطقة، استفاد الاحتلال من الخلاف الفلسطيني الفلسطيني، ومن الخلاف الفلسطيني العربي، ومن الخلاف العربي العربي، وقد جاءت أزمة الأقصى في وقت احتدم فيه الخلاف بين الدول العربية خاصة في الخليج مما أعطى الاحتلال فرصة لمنع الصلاة في المسجد الأقصى لأول مرة منذ سيطرته على القدس، لكن صمود وإصرار المقدسيين دفعه إلى مراجعة الحسابات والتراجع في نهاية المطاف.

الدرس الثاني: الصمود والتضحية والثبات على الموقف كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا} [الأنفال:45] لقد كان ثباتاً مميزاً ورائعاً جعل الشباب يقفون بكل جرأة وبطريقة سلمية في مواجهة قوات الاحتلال المدججة بالسلاح، والتي استخدمت كل أساليب البطش. فاستشهد ستة، وجرح واعتقل المئات، لكن ذلك لم يثن المحتجين والثائرين بل كانت جموعهم تتقاطر من كل صوب في القدس ومن مناطق عام 48، وتزداد في كل مرة حتى وصلت في آخر تجمع قبل فتح البوابات إلى أكثر من 30 ألفاً رغم كل التدابير الأمنية لمنعهم من الوصول إلى الحرم والحواجز التي كانت ترد الكثيرين وتمنعهم من الوصول من المناطق المختلفة.

لقد جرب الشعب الفلسطيني في انتفاضاته المتعددة ضد الاحتلال كل ألوان الأذى، وذاق مرارة هذه المقارعة مع الاحتلال، لكن إيمانه بالله العظيم وبقدرته على انتزاع حقوقه جعله يصمد ويثبت في الشدائد، وهو ما لا يملكه العدو المحتل وهي نقطة قوة يجب استغلالها في صراعنا الطويل مع يهود {إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون} [النساء:104] والنصر صبر ساعة هكذا فهم شعبنا المعادلة، وحقق النصر الجزئي المؤقت بانتظار النصر الكبير بإذن الله.

جرب الشعب الفلسطيني في انتفاضاته المتعددة ضد الاحتلال كل ألوان الأذى، وذاق مرارة هذه المقارعة معه، لكن إيمانه بالله وبقدرته على انتزاع حقوقه جعله يصمد في الشدائد، وهو ما لا يملكه العدو

الدرس الثالث: التعاون وتقاسم الأدوار لتحقيق الهدف، فقد شارك الجميع في هذا النصر الرجال والنساء والشيوخ والأطفال، لقد كان دور النساء عظيماً من خلال المرابطات اللواتي تحملن شتى ألوان الأذى من جنود الاحتلال وهن صابرات ثابتات يعدن إلى المسجد الكرة تلو الأخرى كما كانت الكثيرات يطبخن في البيوت ويزودن المرابطين والمرابطات بالطعام، حتى شيوخ فلسطين كانوا رائعين في مواجهتهم لجنود الاحتلال وإصرارهم على الثبات على الموقف، والأطفال كانوا مع آبائهم وبغيرهم يتواجدون في ساحات الأقصى، ويشاغلون جنوده بين كر وفر. بل إن هذه الأزمة أخرجت الخير في نفوس الشباب غير المتدين، بل إن بعضهم لم يكن يصلي في الأساس فجاء ليدافع عن الصلاة والمصلين والمسجد.

الكل الفلسطيني كان متعاوناً حتى النصارى من أهل فلسطين وقفوا بأشخاصهم ومن خلال قياداتهم الدينية مع الأقصى، ومع المسلمين وكانوا في حالة تضامن حقيقية معهم.

لقد كان دور الشعوب المسلمة خارج فلسطين داعماً لموقف المرابطين في الأقصى وكانت الاحتجاجات التي جرت في عدة دول ومنها أوروبا وأمريكا سبباً في تكثيف الضغط على قيادة الكيان الغاصب، ولنا أن نتصور مدى التأثير الذي يمكن أن تمارسه الشعوب المسلمة لو كانت الاحتجاجات أقوى وأوسع وفي جميع بلدان العالم الإسلامي.

المثبطين يمثلون أسوأ ما وصلت إليه الأمة من فكر مشوه وخور في الإرادة، بل وخيانة قضيتها الأساسية في الصراع مع أشد الناس عدواة للذين آمنوا

الدرس الرابع: بروز دور المثبّطين والمعوّقين والذين يفتون في عضد الأمة والمطالبين بترك الجهاد والرباط؛ لعدم جدواه برأيهم، بل والاستسلام لإرادة المحتل الغاصب، وقد تصدر بعض المحسوبين على العلم والفقه الإسلامي هذه الترهات وأفتوا بفتاوى أقل ما يقل فيها أنها تدل على جهل وغباء، عدا أن يكون لها قدرة على الصمود أمام الحجة والبرهان. إنهم يمثلون أسوأ ما وصلت إليه الأمة من فكر مشوه وخور في الإرادة، بل وخيانة قضيتها الأساسية في الصراع مع أشد الناس عدواة للذين آمنوا.

أجمل ما في الموضوع أن الله فضحهم بتبني العدو لتغريداتهم وفتاواهم واحتفائه بهم مما زاد من فضيحتهم وتعريتهم أمام العامة، ولم يستطع هؤلاء المثبطون أن يؤثروا في القدس والمرابطين؛ لأنهم وصلوا إلى قناعة أن يعتمدوا على أنفسهم في الحصول على ما يريدون، وقد وضح لهم الحق ووضح لهم أهل الباطل ومن يدعمهم، ولعل هذا هو مصداق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :"لا يضرهم من خالفهم ومن عاداهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك" (متفق عليه).

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

حاصل على الدكتوراه في التربية، ومدرب معتمد في التنمية البشرية وبرامج تربية الأطفال. عضو مجلس إدارة جمعية المحافظة على القرآن الكريم في الأردن، ولديه خبرة طويلة في العمل الاجتماعي والإغاثي.

شاهد أيضاً

هبّة القدس.. دون المطلوب

لعل من الإنصاف أن نذكر أن ما حدث من تصريحات صادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد …