هل يمكن أن ينعى الإنسان نفسه؟!

الرئيسية » خواطر تربوية » هل يمكن أن ينعى الإنسان نفسه؟!
writer

من القصص الطريفة التي اطلعتُ عليها هي أن سيدة كبيرة في السن قررتْ أن تكتب نعيها قبل أن تموت، فاستأجرتْ كاتبة مسؤولة عن هذا الأمر. ولما فشلتْ الكاتبة في تحصيل أي كلام طيب عن السيدة، حينها قررتْ السيدة أن تغير حياتها وتعيد النظر في ماضيها حتى يتوفر للكاتبة نعي جيد. وتضمن هذا التغيير الجذري في حياة السيدة أربعة جوانب أساسية وهي في نطاق الأسرة، وزملاء العمل، وترك أثر في حياة شخص آخر، والقيام بعمل لم يخطر في بالها أن تقوم به من قبل.

وقد نجحت السيدة في تحقيق هذه الأمور الأربعة من خلال التحاور مع أسرتها وزملاء العمل لمعرفة الأخطاء التي ارتكبتها. ثم قامت بكفالة ودعم أحد الأطفال المشاكسين. وأخيرًا أنجزت واحدًا من الأمور التي حلمت دائمًا بإنجازها ولكن الحياة أعاقتها، علاوة أن الأمر لم يكن له أولوية فيما مضى.

دروس وعبر من تلك القصة:

1- تذكر الموت هل هو الفرصة الوحيدة للتغيير؟!

من الظاهر أن ذكر تلك السيدة للموت، وقرب الأجل وبالتالي نعيها بعد موتها، أثار في نفسها الشعور بعدم وجود إنجازات ذات قيمة في حياتها، أو حتى وجود أي علاقات طيبة مع من عرفها من الناس. تلك الأفكار كانت دافعًا قويًّا وكافيًا لتلك السيدة لتغير من نفسها. فعجبتَ حينها من فكرة انتظار الناس لقرب الموت حتى يعدلوا حياتهم ويصححوا أخطاءهم. وكأن الحياة نفسها بسنين عمر الإنسان ليست دافعًا قويًّا كفاية، لأن يتخذ الإنسان خطوة إيجابية تجاه نفسه وحياته.

فقد قررتُ سيدة طاعنة تودع الحياة تغيير نفسها وطباعها من أجل نعي مؤثر لا أثر له إلا بعد وفاتها! فألا يستحق عوائلنا وأهلونا وأنفسنا منا أن نبذل جهدًا لإصلاح وتغيير أنفسنا والحياة ما تزال ممتدة أمامنا؟! ألا يستحق إسلامنا منا تعديلًا في سلوكنا وأخلاقنا؛ لئلا نصَدِّر صورة مشوه غير صحيحة عنه؟!

ألا يستحق إسلامنا منا تعديلًا في سلوكنا وأخلاقنا لئلا نصَدِّر صورة مشوه غير صحيحة عنه؟!

2- تفريج الكرب، الهدف الغائب:

تلك السيدة لم تحسن لأحد في حياتها، ولما قارب #الموت منها، رأت أن من أفضل الأعمال التي يتذكرها الناس للميت هو تركه لأثرٍ في حياة غيره سواء بالنفقة أو الرعاية أو التعليم أو غيره. ولكن للأسف لا تشغل فكرة "تفريج الكرب" أذهان كثير من البشر وإن كانوا من المسلمين، رغم أن المبدأ موجود ومتأصل في ديننا، بل وله أجر عظيم! من ذلك ما نجده في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومَن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومَن فرَّج عن مسلم كربةً، فرج الله عنه كربةً مِن كربات يوم القيامة، ومَن ستر مسلمًا، ستره الله يوم القيامة". (رواه البخاري ومسلم).

للأسف لا تشغل فكرة "تفريج الكرب" أذهان كثير من البشر وإن كانوا من المسلمين، رغم أن المبدأ موجود ومتأصل في ديننا، بل وله أجر عظيم

فترى معظم الناس يجري وراء حياته ومصالحه الخاصة وكفى، وإن تعدى الأمر كينونته، فإنه لا يتجاوز بحال أفراد أسرته على النطاق الضيق. أما أن يقوم البعض بأعمال كنصرة المظلوم أو مساعدة ضعيف أو مواساة مريض أو كفالة يتيم، فهؤلاء هم القلة النادرة والغرباء!
إن مبدأ الأنانية صار سائدًا لشديد الأسف، فإذا ما اقترحت على البعض الصدقة، بدأ يسرد قائمة نفقاته الخاصة وعدد من يعيلهم، وكأن الصدقة تنقص المال! وكأنها لا يقوم بها إلا الأثرياء الذين نالوا نصيبهم من الدنيا! إن أمثال هؤلاء ـــ مع الأسف ـــ لا يدركون أن الصدقة في الأساس هي لتفريج الكرب وزيادة البركة، وهذا من ضيق الأفق وعدم الفهم الصحيح للدين، ولهذا حديث آخر.

3- الخوف من اتخاذ خطوة للأمام:

كانت الفتاة المسؤولة عن كتابة النعي خائفة من اتخاذ أي خطوة في حياتها رغم صغر سنها، فكانت تخشى ترك الوظيفة التي لا تحبها، والبدء في كتابة المقالات التي تستمع بها، أو السفر وغيرها من الأشياء، لأنها ببساطة كانت تخشى من "ارتكاب الأخطاء".

فالمؤسف حقًا أن الكثيرين يخشون من عمل تغيير أو القيام بمخاطرات وإن كانت صغيرة. أو حتى اتخاذ خطوة إيجابية في حياتهم خشية الفشل أو ارتكاب الأخطاء، حتى وإن كانت نسبة النجاح واردة! وإننا وإن تطلعنا إلى من قاموا بنجاحات ضخمة وغير اعتيادية في تاريخ البشرية، لوجدنا المريض والمعاق والكبير في السن والذي منعته ظروفه المادية، أو التي أعاقتها أحوالها الاجتماعية من المضي قدمًا، ومع ذلك تقدموا وخاطروا وفشلوا ثم نجحوا وهكذا!

إننا كثيرًا ما نتوق للإيجابات والنجاحات في حياتنا ولكننا نغفل عن حقيقة مهمة، ألا وهي أن لتلك النجاحات في معظم الأحيان طريقًا وعرًا، غير مضمون، مبهم الملامح، غير واضح النهاية. ومع ذلك فإنه لا مفر من عبوره إذا أردنا أن نغير ونتغير، ونصل لنتائج جديدة ومختلفة عما وصلنا إليها باتخاذ الطرق الآمنة المضمونة، والسير إلى جانب الحائط غالب الوقت.

يجب أن ندرك ألو كانت الأحلام والأهداف السامية تجري بهذه السهولة لما فُتحت القسطنطينية، ولا انتشر الإسلام، ولا هُزمت الروم! وسؤال أخير يطرح نفسه: ترى وعوضًا عن انتظار السويعات الأخيرة من حياتنا لتعديل ما يمكن تعديله ـــ كما فعلت صاحبتنا السيدة العجوز ـــ هل يمكن أن ننعى أنفسنا وفينا عرق ينبض؟!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومترجمة من مصر، مهتمة بقضايا التعليم والأسرة والتطوير الذاتي

شاهد أيضاً

الابتلاء بين المنحة والمحنة!

يتقلب الإنسان بين أقدار الله تعاقبَ الليل والنهار، فهو إما في نعمة مغمور بها، يستقبلها …