الإسلامُ والطاقاتُ المُعطّلة

الرئيسية » كتاب ومؤلف » الإسلامُ والطاقاتُ المُعطّلة

يوم 22 أيلول (سبتمبر) الجاري، تكون قد مرّت مئة سنة كاملة على ميلاد الشيخ العلاّمة محمَّد الغزالي السقا، رحمه الله، الذي عاش للإسلام ودافع عنه بفكره وقلمه، وترك تراثاً علمياً زاخراً، ومكتبة في فنون الدعوة والفكر والتربية، لا تزال الأجيال تنهل من مَعِينها وفيضها، وتكشف كلّما مرّت الأيام عن عميق فهمه لتاريخ الأمّة وواقعها ومستقبلها، وحكمة نصائحه وتوجيهاته التي كانت تُنبّه إلى المخاطر، وتشخّص الداء وترسم معالم الدواء..

ومن الكتب التي تركها الشيخ الرّاحل محمد الغزالي، وتفصّل عن الهوّة السحيقة بين طبيعة الدين الإسلامي وواقع الأمَّة الإسلامية، وتضع مقارنة كاشفة بين المعروف من مبادئ الإسلام وبين المألوف من حياة المنتمين إليه، ويؤكّد حاجة الأمة إلى إجادة فن الحياة، ويجيب على أسئلة عميقة؛ من بينها (كيف جمدت هذه الأمَّة؟ وكيف تنطلق؟ وعلى من تقع التبعة؟ وما قيمة مواريثها الروحية والفكرية؟ وهل هي عائق ينبغي أن يزاح ؟).. وغيرها من الأسئلة، وقد حمل هذا الكتاب عنوان: (الإسلام والطاقات المعطّلة)، الذي نعرضه اليوم في ذكرى ميلاد الشيخ، رحمه الله، فإلى التفاصيل:

مع الكتاب:

يقول المؤلف رحمه الله في مقدمة الكتاب: "في هذا الكتاب مقارنة بين: طبيعة دين، وواقع أمة..اعتمدت في شرحها على المعروف من مبادئ الإسلام، والمألوف من حياة المنتمين إليه. وسوف يلمس القارئ بعد الشقة بين ما يجب أن يكون.. وبين ما كان بالفعل".
ويضيف: "وسيرى أسباب هذا التفاوت كما تكشف لي من خلال مدارسة التاريخ واستنباء أطواره. وإذا كنت لم أجنح إلى سرد وقائع وإحصاء أحداث، فإنَّ وضوح الواقع أغناني عن ذلك الجهد. وهو واقع ليس بينا في ذهني وحدي، بل هو بين في أذهان جمهرة المشتغلين بالشؤون الإسلامية".
ويتساءل الشيخ : "كيف جمدت هذه الأمة؟ وكيف تنطلق؟ وعلى من تقع التبعة؟ وما قيمة مواريثها الروحية والفكرية؟ وهل هي عائق ينبغي أن يزاح؟ أم مصدر حياة يجب أن ينمّى؟"؛ ليقول: "في هذا الكتاب الموجز إجابات على هذه الأسئلة المتتابعة".
ضمَّ كتاب "الإسلام والطاقات المعطلة" 15 عنواناً جاءت على النحو التالي: " تفجير الطاقة الإنسانية، طاقات معطلة، الكفر بالإنسان، الاستبداد يشل القوى، أثر الثقافات الرديئة، القرآن الكريم، السِنة، الفِقه، العقائِد، التخلف في الكشوف المادية، المرأة في المجتمع الإسلامي، أعراض عامَّة، الإسلام .. أساس حياتنا، وسرّ قوتنا، وضمان بقائنا، دين المستقبل، المبادئ الأساسية للنظام الإسلامي ومقوماته الرئيسية العامَّة.

فتور شائع!

يتساءل المؤلف – رحمه الله – في ثنايا الكتاب عن سرّ الفتور الشائع في الأفراد والجماعات؟ ولماذا يستقبل الناس الحياة وبهم ازورار عن مواجهتها، وصدود عن مذاقها؟! ولماذا نرى الأجناس الأخرى تنطلق مع مطلع الشروق وكأنها على أبواب رحلة ممتعة؟! ويجيب بقوله: "لنقلها صريحة: فإنَّ أمتنا مُحتاجة إلى أن تجيد فن الحياة. وقبل أن تصل إلى درجة الإجادة المنشودة، لن يصلح بها دين ولا دنيا". ويضيف: "إنَّ الطاقة البشرية في هذه النفوس لا تزال مادة غفلاً، كأنها معادن مرمية في مناجمها لم تستخرجها يد، أو كأنها بعض قوى الكون المجهولة لما تكتشف بعد".

تشخيص!

يقول الشيخ رحمه الله، "إنَّ الطاقة الكبرى في الشباب – الذي يجتاز من عمره مرحلة التوقّد والمغامرة – تدعو للرّثاء، لما فيه من ركود العزم وانطفاء الأمل.. يريد أن يطعم وهو قاعد، وأن يسعد وهو نائم، وألا يلقى الحياة إلا وهي تهب رخاء، لا تجهم فيها ولا رعد، ولا غيم فيها ولا وحل".

انسلاخ عن الحياة ..

يقول الغزالي: "إنَّ انسلاخ المؤمنين عن الحياة معناه فرارهم من الميدان، وهربهم من التكاليف. ومعناه القضاء على الدين نفسه، والحكم على تعاليمه أن تظل حينا من الدهر حبرا على ورق، بل احتراق هذا الورق نفسه عندما يشاء ملاك الحياة أن يمحوا ما بقى من آثاره، وأن يجعلوه جزءا من أساطير الأولين".
ويؤكّد أنَّ العمل للحياتين: الدنيا والأخرى، قد وصل الإسلام أطرافه، وربط بعضه ببعض.. فإذا رأيت طاقات معطلة، وأعمالا مهملة، وواجبات مهددة، فثق أن الذى ضاع من دين الله لا يقل عن الذي ضاع من دنيا الناس.
ويخاطب القارئ بالقول: "وثق أنَّ الانهيار النفسي الذي جرّ هذا الضياع قد أصاب الإيمان والخلق بمثل ما أصاب الحضارة والعمران...! والدين قد يحمل أوزار التخلف والجمود التي تلمح في بعض البيئات لو أن نصوصه المحددة هونت من قيمة السعي، أو رغبت الناس عنه. أو لو أنَّ ما يبقى في النفوس بعد تلاوة آياته، يوحى بالاستكانة والركود".

الاستبداد يشلّ القوى..

وتحت هذا العنوان يقول الشيخ: "إنَّ المستبدين ينبتون في مناصبهم نبتاً شيطانياً لا توضع له بذور، ولا تحف به رغبة، ولا تشرف عليه موازنة أو مشورة!.. وعندما يوضع رأس فارغ على كيان كبير، فلابد أن يفرض عليه تفاهته، وأثرته، وفراغه...!".
ويضيف: "ومن هنا تطرق الخلل إلى شؤون الأمّة كلها، فوقعت في براثن الاستعمار الأخير لأن الخلفاء والملوك والرؤساء كانوا في واقع أمرهم حرباً على الأمَّة الإسلامية، أو كانوا في أحسن أحوالهم ترابا على نارها، وقتاما على نورها".
ويقول: "والحكم الاستبدادي تهديم للدين، وتخريب للدنيا، فهو بلاء يصيب الإيمان والعمران جميعاً. وهو دخان مشؤوم الظل، تختنق الأرواح والأجسام في نطاقه حيث امتد. فلا سوق الفضائل والآداب تنشط، ولا سوق الزراعة والصناعة تروج".

تخلّف!

تحت عنوان" التخلّف عن الكشوف المادية"، يقول الشيخ الغزالي: " كان حريّاً بنا -نحن المسلمين -، أن نكون أسبق أهل الأرض إلى التمرس بعلوم المادة والبراعة في فهمها والنفاذ إلى أسرار الكون من خلالها .. ذلك أنَّ قرآننا هو الكتاب الفذ في العالم الذي يلحّ على قرّائه أن يفكروا ويعقلوا وينقلوا أنظارهم بين فجاج الأرض وآفاق السماء".
ويمضي بالقول تأكيداً على "أنَّ شؤون الدنيا وعلوم الحياة مصدرها الأول والآخر العقل والسمع والبصر...أمَّا علوم الشريعة وحقائق الأمور الإلهية والأخروية فمصدرها الأول والآخر هو الوحي الأعلى".

مساران..

وفي خاتمة الكتاب، يشدّد الشيخ الغزالي – رحمه الله – أنَّ الصحوة الإسلامية الشاملة لن تتحقّق، وأنَّ النظام الإسلامي المنشود لن يقوم إلاّ باتّباع الآتي:
(أ). أن تكرّس الأمّة الإسلامية جهودها من أجل تطبيق مبادىء الإسلام، وفرض أحكام الشريعة على جميع المستويات العامّة والخاصة، وعلى الأمّة الإسلامية أفراداً وجماعات وحكاماً أن تطهّر نفسها من كافة وجوه الاستغلال والسيطرة والتمييز والتفرّقة العنصرية ومن كافة النظم والقوانين والعادات المخالفة لروح الإسلام وتعاليمه التي تغلغلت في جوانب المجتمع الإٍسلامي.

(ب).أن تختار لنفسها قيادة إسلامية واعية في كافة الميادين، قادرة على قيادة شعوبها، بما وهبها الله من قوى روحية ومعنوية، وليس عن طريق القهر والإكراه، قيادة تجتمع عليها قلوب المسلمين وتطمئن إليها وتثق بها، هذه القيادة الرّشيدة والملتزمة قولاً وعملاً مبادىء الإسلام تعتبر مسؤولة مسؤولية كاملة أمام الله والأمة جميعاً، وتحت قيادتها يمكن للمسلمين في جميع أنحاء العالم أن يقيموا المجتمع الإسلامي المتحد القادر على تطبيق رسالة الله الشاملة.

كنوزٌ من الكتاب..

" في السنة كنوزاً من الحكمة والمعرفة، وزاداً من الأدب والتقوى، ولكن استخراج هذا الخير يحتاج إلى يد الصناع والعين البصيرة ".
"وما قيمة إنشاء أجيال فارغة القلب من الإيمان، أو أجيال تلتقط غذاءها الروحي من كلمة عابرة، أو عظة طائرة ".
"ولقد خُيّل إليَ أن مخترع القنبلة الذرية لو كان بيننا لدفنه في أودية الإهمال رئيس جاهل، يسفّه جهوده، ويحقر محاولاته. وهل تذوي الكفايات إلاّ في تلك البيئات".
"إنّك ترى من الأحداث ما لا ينفد عجبُك له. حكام يطلبون المال من الناس كلما تحركت رغبة الطلب في نفوسهم. فإذا الضرائب تفرض دون وعي، والأملاك تُصادر دون حق".
"الدين يذكّر الناس بالموت لا ليكفّوا عن السعي، أو يتوقفوا عن الحركة، بل ليكون سعيهم راشداً، وحركتهم رزينة...".
" إنَّ المسلمين استهانوا بكل ما وجب عليهم من خلق، وجهاد، وإصلاح، وعدالة ! وظلوا مع هذه الاستهانة يظنون أنفسهم أصلح من سائر الأمم، وأحق بنصر الله !! يا عجباً ! أنى لهم هذا الأمل !! وكتابهم يصوّر قوانين الاجتماع البشري في مثل هذه الآيات:{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}. (فصلت:46). إنَّ تفريط المسلمين في الأعمال الصالحة مع ثقتهم بأنَّ الجنة لهم أمرٌ شائن!".

مع المؤلف:

الشيخ محمد الغزالي (1917 م - 1996م)

هو الشيخ محمد الغزالي السقا.
ولد في قرية نكلا العنب، ايتاي البارود، محافظة البحيرة بمصر في (5 ذي الحجة 1335 هـ/ 22 سبتمبر 1917م).
أتمَّ حفظ القرآن بكتّاب القرية في العاشرة، ويقول الإمام محمَّد الغزالي عن نفسه، وقتئذ: "كنت أتدرب على إجادة الحفظ بالتلاوة في غدوي ورواحي، وأختم القرآن في تتابع صلواتي، وقبل نومي، وفي وحدتي، وأذكر أنني ختمته أثناء اعتقالي، فقد كان القرآن مؤنسا في تلك الوحدة الموحشة".
حصل الغزالي على شهادة الثانوية الأزهرية عام 1937 ثم التحق بكلية أصول الدين في العام نفسه، تخرج منها سنة 1941 حيث تخصص بالدعوة والإرشاد. حصل على درجة العالمية سنة 1943.
انتقل إلى القاهرة سنة (1356 هـ الموافق 1937م) والتحق بكلية أصول الدين بالأزهر، وبدأت كتاباته في مجلة (الإخوان المسلمين) أثناء دراسته بالسنة الثالثة في الكلية، بعد تعرفه على الإمام حسن البنا مؤسس الجماعة، وظل الإمام يشجعه على الكتابة حتى تخرّج بعد أربع سنوات في سنة (1360 هـ / 1941) وتخصص بعدها في الدعوة والإرشاد حتى حصل على درجة العالمية سنة (1362 هـ / 1943م) وعمره 26 سنة.
انضم في شبابه إلى جماعة الإخوان المسلمين وتأثر بمرشدها الأول حسن البنا. اعتقل الغزالي مع من اعتقلوا بعد حلّ جماعة الإخوان المسلمين سنة 1948، وأودع في معتقل الطور.
سافر إلى الجزائر سنة 1984 م للتدريس في جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة.
نال العديد من الجوائز والتكريم فحصل على جائزة الملك فيصل للعلوم الإسلامية عام 1409 هـ /1989م.
توفي يوم السبت 20 شوال 1416 هـ الموافق 9 مارس 1996م، في الرياض في السعودية أثناء مشاركته في مؤتمر حول الإسلام وتحديات العصر الذي نظمه الحرس الوطني في فعالياته الثقافية السنوية المعروفة بـ (المهرجان الوطني للتراث والثقافة ـ الجنادرية)، ودفن بمقبرة البقيع بالمدينة المنورة. حيث كان قد صرّح قبله بأمنيته أن يدفن هناك.
من مؤلفاته: فقه السيرة، كيف تفهم الإسلام، هموم داعية، سرّ تأخر العرب والمسلمين، دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، خلق المسلم، معركة المصحف الحق المرّ، قذائف الحق، كفاح دين، من هنا نعلم، نظرات في القرآن، صيحة التحذير من دعاة التنصير، جدد حياتك، الدعوة الإسلامية، الطريق من هنا، الفساد السياسي، المحاور الخمسة للقرآن الكريم، المرأة في الإسلام، تأملات في الدين والحياة، تراثنا الفكري في ميزان الشّرع والعقل، حصاد الغرور، فن الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء، كيف نتعامل مع القرآن، ظلام من الغرب، الأسرة المسلمة وتحديات العصر، قضايا المرأة، الرّضاعة الثقافية للطفل المسلم، وغيرها الكثير.

بطاقة الكتاب:

العنوان: الإسلام والطاقات المُعطّلة.
المؤلف: الشيخ محمد الغزالي.
دار النشر: دار القلم، دمشق، 2001م.
عدد الصفحات: 176 صفحة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

ميراث المرأة وقضية المساواة

يتخذُ أعداءُ الإسلام عموماً وبعضُ الغربيين والمستشرقين وتلامذتهم وأتباعهم على وجه الخصوص في عالمنا العربي …